المدينة التي قتلها الفأر
عربي
منذ 3 أيام
مشاركة
أخاف من الفئران بكل أنواعها وأشكالها، ولا أخاف من الصراصير. وكثيراً ما كنت أواجِه سخرية أولادي من خوفي المبالغ فيه من الفئران، بقولي إنني سوف أقطع ساقي لو مرّ من فوقها فأر، وإنْ كان هذا لن يحدث فعليّاً، ولكنه أقلّ تعبير عن خوفي من الفئران، خصوصاً أنني عشت طفولتي في منطقةٍ تبدو زراعية، فهي ليست بعيدة عن منطقة مواصي خانيونس، والتي أصبحت معقلاً للنازحين البائسين المشرّدين، والذين يواجهون الفئران وكل أنواع الحشرات في هذه المنطقة. وقد ذكر أحدهم أن الحقيقة أننا نحن البشر الذين أصبحنا نزاحم هذه المخلوقات في بيئتها، لأن طبيعة الأرض والتربة الرملية تلائم معيشتها. ولكنك يمكنك أن تحتمل رؤية جُرذٍ عملاق يتقافز بين فروع أشجار منخفضة لبعض الخضراوات التي تُزرع في المنطقة، مثل البندورة والبطاطا، ولكنك لن تحتمل أن يتسلّل هذا الجرذ إلى مكان عيشك الأخير أو الإجباري، أي الخيمة، فيعتدي على ممتلكاتك البسيطة البدائية، بل يتطاول في اعتدائه فيقضم لحم وجه طفلك المولود حديثاً. أخاف من الفئران والجرذان العملاقة خوفاً متجذّراً بسبب الحكايات التي سمعتها عن اعتدائها على البشر، ولأنك تكتشف أن هذه الكائنات على صغرها قد تسبب كارثة. وفي أحيان كثيرة، هناك أنواع ضخمة منها تفوق حجم القطط، ولذلك خطرها أكبر. وإنْ ذكرت الروايات أن فأراً صغيراً كان السبب في انهيار سد مأرب التاريخي، فالفئران الضخمة التي يُطلق عليها في غزّة، المنهارة في بنيتها التحتية، مسمّى "العرسة"، أصبحت أكبر خطر يهدّد حياة الصغار والكبار، ويتلف ما يخزّنونه من متاع قليل ومؤن زهيدة. أذكر في عزّ اجتياح المجاعة غزّة، مع إغلاق المعابر شهوراً وتفاقم أزمة الطحين، أن صديقة أخبرتني أنها قد علّقت آخر ما تمتلكه من طحين صالح ليصبح خبزاً في سقف الخيمة خوفاً عليه من القوارض الصغيرة التي تتقافز في أنحاء الخيمة. ولكن هذا لم يمنعها من أن تتسلل إليه بحيل ذكية خلال الليل، لكي تكتشف أن الطحين قد أصبح ملوّثاً بفضلاتها، وقد اضطرّت لرميه وسط دموعها في القمامة، لأنها تعرف جيداً أضرار فضلات الفئران وما تحمله من مسبّبات للأمراض، لو تسرّبت إلى معدة الإنسان. فعليّاً، هناك حالات خطرة مسجّلة في المشافي بسبب عدوى خطيرة أصابت أطفالاً ومسنّين نتيجة تلوث طعامهم بفضلات القوارض التي تشاركهم حياتهم في الخيام. وقبل أيام، فزعنا جميعاً بمشاهد مؤلمة لرضيع اسمه "آدم"، قرض جرذٌ عملاق وجهه بوحشية. ومن الطبيعي أن يكون الطفل الرضيع بلا حوْل ولا قوة، فلا يستطيع أن يتحرك ليدافع عن نفسه، فيما يفعل ذلك الصغار الأكبر سناً، فيفزعون باكين من نومهم، ويقفزون متألمين، فيطردون الفأر المعتدي الذي يعود إلى نفقه في أسفل أرضية الخيمة. أخاف الفئران خوفاً لا يوصف، ويتعاظم ذلك أكثر كلما تابعت أخبار معارك النازحين مع القوارض والمحاولات اليائسة للسيطرة على اجتياحها حياتهم، وأتذكر حوادث مؤلمة، مثل فأر صعيد مصر العملاق الذي التهم ذراع مولود لم يمرّ سوى ساعات على ولادته وعودة أمه به إلى البيت المحاط بالمزارع. وأذكر أيضاً حادثة صغيرة حين استيقظت في طفولتي على صراخ أمي ليلاً، وقد قرض فأر طرف إصبع قدمها، وذلك حين قررت الهروب من حر الصيف والنوم في باحة البيت المشرفة على الحديقة، وقد تحوّل صراخ أمي في الصباح إلى ضحك لا ينقطع، ونحن نرى أن ما حدث كان حادثاً عابراً. أنا أخاف الفئران وأكره رؤيتها، لأني ما زلت أذكر قصة قصيرة قرأتها لكاتبٍ مغمور، وتدور هذه القصة حول فتاة وصفها الكاتب بـ "العرسة"، لأن العرسة تقتل الكتاكيت ولا تلتهمها. وكانت هذه الفتاة تهوى اختطاف الرجال من نسائهم، ثم تتركهم بعد أن توقعهم في حبالها، ولعمري كم تشبه غزّة تلك المرأة التي تعرّض رجلها لغواية مريضة.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية