خوان غويتيسولو.. هجرة الابن الرمزي لمراكش
عربي
منذ ساعة
مشاركة
دعا الناقد والمترجم المغربي إبراهيم الخطيب إلى تحويل مئوية ميلاد الكاتب الإسباني خوان غويتيسولو عام 2031 إلى لحظة اعتراف قصوى بهذا المثقف العابر للحدود والثقافات، وذلك بإطلاق اسمه على أحد شوارع مدينة مراكش، المكان الذي تحول إلى "ابن رمزي" له من خلال أعماله الأدبية: "المقبرة" و"الأربعينية" و"أسابيع في الحديقة" و"حصار الحصارات"، فضلاً عن دفاعه المستميت عن ساحة "جامع الفنا" لإلحاقها بـ"التراث الشفهي الإنساني" في العام 2002 (يونيسكو). دعوة الخطيب إلى تكريم غويتيسولو تأتي من موقع الرفقة الطويلة التي تماهت فيها المعرفة بالتجربة، حيث لم يكتف المترجم المغربي بنقل نصوص غويتيسولو إلى العربية، بل أسهم في إدماجها داخل الأفق الثقافي المغربي والعربي. ذلك أن كتابه: "خوان غويتيسولو: هجرة آخر الموريسكيين"، (2025 المتوسط)، يعتبر تركيباً لمسار من الانشغال النقدي والسيري، يقدم فيه المؤلف غويتيسولو بوصفه صوتاً ثقافياً عابراً للهويات المغلقة، ومؤمناً بقيم إنسانية تتأسس على التعدد والانفتاح.  لقد سعى خوان غويتيسولو في جميع كتاباته إلى ملاحقة "الحقيقة" من خلال قراءة التاريخ والآداب قراءة "حقيقية" لا تغفل التركيب، ولا ترتاح إلى الأسس النقدية التي قامت عليها الهوية الإسبانية كما تشكلت في ظل خطاب قومي كاثوليكي مغلق. ذلك أنه ظلّ مخلصاً لما يمكن تسميته بـ"حوار القيم المشتركة بين العقائد المتصادمة" حتى داخل السياق الثقافي الواحد. ظل مخلصاً إلى "حوار القيم المشتركة بين العقائد المتصادمة" فقد تمكن الكاتب الإسباني، الحائز على جائزتَي "أوكثافيو باث" و"خوان رولفو"، في روايته "دون خوليان" التي نشرت قبل 55 سنة وأعيد طبعها قبل سنوات، من تحويل النص الروائي إلى فضاء ميتا-نصي صراعي تتقاطع فيه الأسئلة الوجودية مع رهانات الكتابة الروائية، وتتجاور فيه الذاكرة الفردية مع التاريخ الجمعي. يقول غويتيسولو عن هذا العمل: "لقد أردت في روايتي 'دون خوليان' القيام بعمل محلل نفسي على الصعيد الوطني عبر قراءة الخطاب الجمعي التقليدي عن الإسلام كما يتجلى في أدبنا وفي تاريخنا، وخلافاً لما يمكن أن يوحي به عنوان الرواية، فهي ليست رواية تاريخية بالمعنى الشائع: إن الراوي مخلوق لا اسم له يتأمل، انطلاقاً من شاطئ طنجة، الضفة الإسبانية المقابلة، ثم يحل شخصيته محل الكوندي دون خوليان حاكم القوط على شمال المغرب، هكذا يحلم الراوي، الذي فرّ بجلده منذ حوالي أربعين سنة من القمع الكنسي والأكاديمي والسياسي، يغزو وطنه غزواً جديداً تتواصل آثاره مرة أخرى ثمانية قرون (فقد حكم المسلمون ثمانية قرون) وتؤدي في نهاية المطاف إلى انهيار كل القيم الخرقاء التي صيغت حولها ومنها طهرانية وكاثوليكية هوية إسبانيا في العهد الفرانكوي". تشتغل الرواية، إذاً، على مستويين متداخلين، أحدهما واقعي يتتبع يوماً عادياً في حياة شخصية مجهولة الاسم تتجول في فضاءات مدينة طنجة، المدينة التي تتحول داخل النص إلى مرآة تعكس صورة الآخر وتفكك تمثلاته؛ والآخر مجازي يستثمر أسطورة الكوندي (الكونت) دون خوليان، تلك الشخصية التي رسخت في المخيال الإسباني بوصفها رمزاً للخيانة، حيث يعاد توظيفها داخل سياق جديد يحررها من دلالاتها التقليدية ويمنحها أبعاداً رمزية تتصل بمسألة الهوية والانتماء.  هل يُمكن للإنسان أن يعود حقاً إلى المكان الذي خرج منه؟  يستدعي هذا البناء السردي، حسب ما انتهى إلى ذلك الناقد والمترجم إبراهيم الخطيب، تجربة "عوليس" لجيمس جويس، حيث يُختزَل الزمن الروائي في يوم واحد، غير أن هذا اليوم يتحول إلى لحظة كثيفة تتراكم فيها الطبقات الزمنية والرمزية. فالشخصية التي تتجول في طنجة لا تكتفي بمراقبة الواقع، بل تنخرط في عملية إعادة كتابة التاريخ. أما في كتابه الأخير "المنوَّر" الصادر سنة 2004، فيسلك غويتيسولو السبيل نفسه الذي يقضي بإماطة اللثام عن شخصية إسبانية شديدة التركيب وُضعت طويلاً تحت وطأة أحكام قاسية، ويتعلق الأمر بمانويل أثانيا (1888-1940)، آخر رؤساء الجمهورية الإسبانية الثانية، الذي ظل حضوره مثار جدل متواصل داخل الأوساط الفكرية والسياسية الإسبانية باختلاف أطيافها، وهو ما يمنح هذا العمل بعداً أخلاقياً يتجاوز مجرد الدراسة النقدية.  يصرح غويتيسولو في مدخل هذا الكتاب بعزمه على توجيه الاهتمام نحو أثانيا الأديب، رغم صعوبة الفصل بين رجل الدولة وصاحب القلم، حيث تتقاطع التجربتان في نسيج واحد. ذلك أن أعمال أثانيا تتوزع على حقول متعددة، ويظهر فيها تداخل الأدبي والسياسي في صيغة تجعل التمييز بينهما أمراً عسيراً، كما يتجلى في عمله "سهر بنيكارلو" الذي يحمل تأمّلاً عميقاً في أسباب الحرب الأهلية الإسبانية ونتائجها. ومن هنا، يصهر الأحداث السياسية لتشكل بنية سردية وفكرية متشابكة، حيث يتحول الواقع إلى مادة أدبية كثيفة، وتتخذ الكتابة شكل رسم متشعب يمتد من بداياته الأولى إلى نصوصه المتبصرة حول أسباب الحرب. يلاحظ غويتيسولو أن صورة رجل الدولة أثانيا تعرضت إلى تشويه واسع عقب انتصار معسكر الحرب الأهلية، حيث ألقيت في هامش التاريخ، كما ساهمت قراءات بعض المهزومين في تكريس صورة ملتبسة حوله، غير أن دراسات لاحقة يعتبرها مرجعاً ضرورياً اتسمت بقدر أكبر من الموضوعية والإنصاف، قدّمها مؤرخون بارزون مثل الإخوة مارتشال، وغابرييل جاكسون، وسانتوس خوليا، وبول بريستون، وراموس أوليفيرا، حيث أعادوا بناء صورة أكثر توازناً لهذه الشخصية المركبة، ولم يبخسوها حقها في كونها ذات نبرة فكرية تتشبث بقيم الكرامة والحقيقة، وتبحث عن خيط نور يتسلل عبر عتمة تلك المرحلة. إن العمل الذي قام به خوان غويتيسولو، في كل كتاباته، يقوم على إعادة قراءة التاريخ الإسباني، والحفر في النصوص الهامشية التي انفلتت من إيقاع التمثلات المهيمنة، تلك النصوص التي جعلته يدين لمجموعة من المعلمين المنشقين عن السرب بنزعته النقدية تجاه كل أشكال التحريف والهيمنة والتمركز العرقي، حيث مارس دون هوادة نقداً صارماً لكل التمثلات الخاطئة التي حاولت إسبانيا عبر تاريخها أن تجعل منها حقائق مطلقة، وعلى رأسها طرد الآخر (العربي الإسلامي) ومحو تأثيراته على الشخصية الإسبانية.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية