عربي
لست أدري كيف ولا متى انزلقت مفردة "سردية" إلى لغتنا اليومية، ولا كيف ومتى أصبحت لازمةً لفهم ما نعيشه. فهي لم تعد مجرّد أداة نقدية تُستخدم لتحليل النصوص، وقد تحوّلت إلى بنيةٍ تنظّم وعينا نفسه، كأنّنا ما عدنا نرى الواقع إلا من خلالها، ولا نستوعبه إلا بعد أن يُعاد ترتيبه داخل قصة تُخرجه لنا. فكلّ "سردية"، في نهاية المطاف، روايةٌ لها أبطالها وأحداثها ومبرّراتها وقراءتها الخاصّة لما يجري في العالم من حولها، وهي بذلك إنّما تعمل في تمويه الفوضى التي تنتجها، بالإكثار من التبريرات والتفسيرات الساعية إلى تثبيت رؤاها وممارساتها في عالم يتفلّت منها، خاصّةً أنّ تكاثرها وتضاربها يجسّدان تعثّراً جماعياً في إنتاج حقيقة مشتركة يمكن التعايش داخلها. ضمن هذا السياق، يبدو لبنان الفضاء الأكثر خصباً لإنتاج سرديات مماثلة، إذ تبلغ حالةُ الانقسام والتنازع فيه حدّاً أقصى، وذلك بفعل تجاور السرديات وتصادمها، وتقديم كلّ واحدة نفسها بأنّها التفسير الكامل والحقّ المطلق، مستمدّةً جوهر قوتها من دحض السردية المقابلة ونفيها. وهو ما يجعل صراعها تنافساً على المعنى، بقدر ما هو تنافس على القوة، لأنّ من يملك الحكاية يملك جزءاً مهمّاً من موازين السيطرة.
في قلب هذا الاشتباك والتضاد، تتمايز سردية "المقاومة" التي يقدّمها حزب الله لجمهوره وللآخرين، في مقابل سردية "الدفاع الوقائي" التي تروّجها إسرائيل، ما يُظهر التعارض بينهما حادّاً، في حين يقوم بينهما رابط أكيد، إذ تجد كلّ واحدة في الأخرى ما يدعم استمرارها. فالاعتداءات الإسرائيلية المستمرّة تمنح خطاب "المقاومة" شرعيته، بينما يوفّر سلاح الحزب وتمدّده مادّةً دائمةً للخطاب الأمني الإسرائيلي، وهو ما يحوّل العداء إلى علاقة تغذية متبادلة تمنح كلّ طرف مبرّر حضوره في وجه الآخر.
في مواجهة السرديتَين المذكورتَين أعلاه، تبرُز سردية ثالثة تتعلّق بفكرة ضرورة سيطرة "الدولة" على كامل أراضيها، إلا أنّها تبقى سرديةً يعتريها الشكّ ويحيط بها الالتباس، إذ يبقى الطريق إليها معوّقاً وطويلاً في غياب حدّ أدنى من التوافق على معنى مشترك. وقد يستفحل المأزق حين تنطلق محاولات الحلّ من داخل البنية نفسها، من دون الاعتراف بأنّ الخروج من الأزمة مرهونٌ بقدرة الأطراف اللبنانية كافّة على أخذ مسافة من منطق الاقتتال، مع الاعتراف بأنّ الواقع أوسع من أيّ سردية يؤدّي الانخراطُ الكامل فيها إلى خطر التورّط في منطق يعيد إنتاج الأزمة، وربّما الحرب الأهلية، إلى ما لا نهاية.
ضمن هذا السياق، يُدفع المجتمع إلى موقع صعب، ويجد المواطن اللبناني، الذي لا ينتمي إلى هذه السرديات، نفسَه داخل معادلة قاسية، إذ يُعتبر التوق إلى إضعاف مليشيا حزب الله خيانة، وتُقرأ إدانةُ العدوان الإسرائيليّ اصطفافاً معه، وهو ما يبدّل السؤال من البحث عن الصواب، إلى محاولة تجنّب الإدانة، ويحوّل الموقفَ إلى عبء ثقيل، ويجعل الهُويّة نفسها موضع ضغط دائم. فالخشية من هذا المصير أو ذاك تتّخذ شكلاً مركّباً ومعقّداً يتقاطع فيه الخوفُ من احتلال دائم يدمّر الأرض ويهجّر الناس، مع خوفٍ من انقلاب داخلي يُنهك ما تبقّى من مفاصل دولة مهترئة أصلاً. ويتراكم هذا الثقل إلى حدّ أنّ أيّ تغيير في موازين القوة قد يُستقبل لدى بعضهم بقلقٍ مضاعف، فيصبح احتمال انتصار أيّ من الطرفَين مصدرَ تهديدٍ بدل أن يكون باباً للخلاص. وقد يسأل سائلٌ: هل تصحّ المساواة بين هذا الطرف وذاك؟ نعم، إذا ما اعتبرنا أن لبنان صار حجراً مسكيناً واقعاً بين مطرقة إسرائيل وسندان إيران.
في نهاية الأمر، يعيش لبنان صراع سرديات بقدر ما يعيش صراع قوى، وسوف تبقى كلّ رواية هشّةً ومنقوصةً ما دامت الأرضية المشتركة غائبةً أو آخذةً في التآكل، فيما يستمرّ الواقع في الانهيار بحتمية وهدوء.

أخبار ذات صلة.
شهادة أرجنتينية تحذر سكالوني من الجزائر
العين الإخبارية
منذ 14 دقيقة