في مغرب الخميس المنصرم، وبعد صراعٍ مرير مع المرض استمر أكثر من عقدين؛ توفي الداعية والتربوي عبدالله بن علي راجح عن عُمرٍ ناهز الثمانين عامًا، قضاها في خدمة الدعوة والجمهورية والمجتمع؛ لتنتهي بوفاته مسيرة طويلة من العطاء والتضحية والوطنية.
يُعد الداعية راجح أحد أبرز الرموز الدعوية والوطنية في محافظة حجة، حيث كرّس حياته منذ سبعينيات القرن الماضي لنشر الوعي الديني الوسطي، وترسيخ قيم الجمهورية، ومقارعة مخلفات الإمامة التي سعت لإعادة إنتاج نفسها في المجتمع اليمني.
ينحدر الفقيد من مديرية المحابشة بمحافظة حجة، وهو أبٌ لسبعة من الأبناء الذكور وعدد من الإناث. وقد كانت أسرته سندًا له في مختلف مراحل حياته، حيث مثّلت زوجته نموذجًا في الصبر والمساندة، وأسهمت في دعمه خلال مسيرته الدعوية والتربوية، في مختلف الظروف التي مر بها.
البدايات الدعوية
بدأ الراحل مسيرته الدعوية في مرحلة حساسة من تاريخ اليمن، عقب قيام ثورة سبتمبر، حيث انخرط مبكرًا في جهود التوعية المجتمعية، مستهدفًا بناء الإنسان فكريًا وسلوكيًا، ومتخذًا من المساجد ومجالس العلم منابر لنشر الفكر الإسلامي المعتدل وترسيخ القيم والثوابت الوطنية.
ركّز راجح على مواجهة بقايا الفكر الإمامي التي ظلت حاضرة في بعض المناطق، من خلال خطاب دعوي واضح يقوم على التأصيل الشرعي والوعي التاريخي، ما جعله أحد الأصوات المؤثرة في ترسيخ قيم النظام الجمهوري في المجتمع المحلي.
وبرز دوره، خلال تلك الفترة، في التصدي للأفكار السلالية التي حاولت إعادة إنتاج مفاهيم الحكم الكهنوتي، حيث عمل على توعية المجتمع بخطورة تلك المشاريع على الهوية اليمنية، معتمدًا خطابًا واضحًا ومقنعًا يجمع بين الحجة الدينية والوعي التاريخي الوطني، الأمر الذي أكسبه تأثيرًا واسعًا في أوساط المجتمع.
وقد اتسمت دعوة راجح بالاعتدال والوضوح، إذ جمع بين نشر القيم الإسلامية السمحة والدفاع عن الثوابت الوطنية، في سياق دعوي متكامل استهدف تحصين المجتمع من الأفكار المتطرفة والطائفية والسلالية، وتعزيز ثقافة الوسطية والاعتدال في مختلف الأوساط.
صناعة الأجيال
في مناطق الشرفين بمحافظة حجة، ترك الفقيد بصمة تربوية واضحة، حيث أسهم في إعداد أجيال متعاقبة على النهج الجمهوري الوطني، جامعًا بين التربية الإيمانية والوعي السياسي، في إطار مشروع متكامل لبناء الإنسان وتعزيز انتمائه الوطني.
ولم يقتصر دور الراحل على التعليم النظري، بل قدّم نموذجًا عمليًا في السلوك والانضباط، ما أكسبه احترام المجتمع وثقته، وجعل منه مرجعًا تربويًا لأجيال عديدة تأثرت بمنهجه في التربية والتوجيه.
تخرج على يديه عدد من القيادات والكوادر التي كان لها دور بارز في الدفاع عن الجمهورية، ومن أبرزهم الشهيد العميد عبدالغني شعلان، الذي جسّد القيم التي غرسها فيه معلمه راجح، وأسهم في معركة الدفاع عن الدولة والجمهورية حتى استشهاده.
مواقف وطنية ثابتة
عُرف عبدالله بن علي راجح بشجاعته في المواجهة الفكرية والميدانية، حيث لم يكن من دعاة المنابر فقط، بل كان حاضرًا في ميادين الكلمة والموقف، يجهر بالحق ويواجه التيارات المنحرفة بالحجة والبيان، مؤمنًا بأن معركة الوعي تمثل أساسًا لأي تحول حقيقي في المجتمع.
ولم تقتصر جهود الراحل على الدعوة والتعليم فحسب، بل قدّم تضحيات كبيرة في سبيل ترسيخ قيم الجمهورية، إذ سخّر نفسه وأهله وماله لخدمة هذا المشروع الوطني، في إطار التزامه العميق بالدفاع عن الدولة والثورة ومبادئها.
كما أسهم راجح في مواجهة الفكر الكهنوتي العنصري، وعمل على اجتثاثه من خلال التوعية المستمرة، وبناء جيل يؤمن بالحرية، ويتمسك بالثوابت الوطنية القائمة على العدالة والمساواة، ويرفض مشاريع التمييز والاستعلاء السلالي التي تهدد النسيج الاجتماعي.
إرث ممتد وباقٍ
في بيان نعيه، أشاد التجمع اليمني للإصلاح بمحافظة حجة بمناقب الفقيد راجح، مؤكدًا أنه كان من الرعيل الأول والقادة المؤسسين الذين أسهموا في نشر الوعي وتربية الأجيال على القيم الإسلامية والمبادئ الوطنية والأخلاق الفاضلة.
وأشار البيان إلى الدور البارز للفقيد في مواجهة الأفكار الطائفية والتحذير من مخاطرها على هوية المجتمع، خاصة في مناطق قضاء الشرفين وما جاورها، منذ سبعينيات القرن الماضي، حيث كان له حضور مؤثر في مختلف القضايا المجتمعية.
وأكد إصلاح حجة أن الفقيد راجح أسهم من خلال عمله في مجال التربية والتعليم في الحفاظ على النظام الجمهوري، وحماية وتعزيز الهوية الوطنية، وتحصين الجيل الجمهوري بفكرٍ ناضجٍ يحمل القلم في ميدان الوعي ويرفع السلاح في ميدان المعركة.
رحل الداعية والتربوي عبدالله بن علي راجح، لكنه ترك إرثًا دعويًا وتربويًا عميقًا، يتمثل في أجيال حملت فكره وسارت على نهجه؛ ليظل اسمه حاضرًا في ذاكرة المجتمع كأحد أبرز الرموز التي أسهمت في تشكيل الوعي الوطني في حجة واليمن عمومًا.
أخبار ذات صلة.