شبح حرب العراق يلاحق ترامب
عربي
منذ ساعة
مشاركة
من الصعب التكهن بخطوة الرئيس الأميركي دونالد ترامب التالية، فهو قد يغيّر كلامه ورأيه في أي لحظة. ولكنه، على كل تقلباته، منسجم مع أهداف أميركا الاستراتيجية، غير أنه يُخضع تحركاته لنزعته النرجسية، وقد يتخذ خطواتٍ تزيد الأضرار والدمار للمنطقة واقتصاد العالم. ... في الوقت نفسه، يجب التذكير بأن الحرب التي يشنها مشاركةً مع إسرائيل ضد إيران تتقاطع مع حرب العراق التي شنها الرئيس السابق جورج بوش الابن على العراق عام 2003؛ "فغرور ترامب" وشخصيته غير المستقرّة، قد يؤدّيان إلى نتائج أشد كارثية، مع أن تدمير بلد مثل العراق، بحد ذاته، كارثة كبيرة، لكن أحلام الهيمنة وتغيير مجتمعات المنطقة وإخضاعها لم تتبدل. أهم أوجه التشابه بين الحربين، المزاعم الأميركية بأن لدى العراق مخزوناً من أسلحة الدمار الشامل، التي تبين أنها غير صحيحة، وأن إيران على وشك صنع القنبلة النووية، وهو ما ادّعته إسرائيل، وبخاصة رئيس وزرائها الحالي بنيامين نتنياهو، أكثر من ثلاثة عقود، وما زعمه ترامب ومسؤولون أميركيون آخرون سنواتٍ دون دليل أو تصديق من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أو حتى من أجهزة الاستخبارات الأميركية ووكالاتها نفسها، لكنها حجج تُردَّد لتبرير الغزو والحروب. في الحالتين، تحدثت أميركا عن إسقاط النظامين، في بغداد ثم في طهران. الفرق الأساس، استراتيجياً ولوجستياً، أن إدارة بوش حشدت قبل بدء الحرب القوات البرية، وأشركت حلفاء عديدين فيها، ورتّبت أمور المعارضة العراقية في الخارج، بل نقلت بعض قادتها إلى داخل العراق في حينها، لأنها تعلم أن إسقاط النظام لا يتحقّق بالقصف الجوي، بل بالوجود على الأرض. فيما لم تفعل إدارة ترامب أيّاً من هذا. إذ كان هذا ولا يزال هدفاً إسرائيلياً أكثر منه مخطّطاً أميركياً كامل الأركان. غرور ترامب وشخصيته غير المستقرّة قد يؤدّيان إلى نتائج أشد كارثية بينما اعتقد ترامب أن الضربات القوية وتوظيف أحدث الأسلحة والحرب التكنولوجية واستخدام الذكاء الصناعي تكفي لشل النظام الإيراني، خصوصاً أنه كان يظن أن عمليات الاغتيالات المتلاحقة لقيادات إيران ستكون عنصراً أساساً لهزيمة طهران، بعدما اعتمدت على مشاركة كاملة من إسرائيل، سواء بالهجمات أو جمع المعلومات وزرع جواسيس الموساد والعملاء في الداخل الإيراني. هنا جاء الفرق الأساس؛ أن إيران برهنت أن لديها مخزون أسلحة وقوة منظّمة ودولة عميقة منظّمة منعت انهيار النظام، بل أدّيا، القصف العشوائي واستهداف المدارس والقرى، إلى نتيجة عكسية. فالإيرانيون، وإنْ يرد كثيرون منهم الخلاص من النظام القمعي، أحسّوا بأن حياتهم وبلدهم هما المستهدفان، فما رأوه ويعايشونه هو التهديد اليومي بالقتل، بدل وعود التحرير التي صدح بها كل من ترامب ونتنياهو، بخاصة في خطاباته الموجّهة إلى الشعب الإيراني. فقد أراد الأخير أن يصنع وهم أن إسرائيل، العنصرية الاستيطانية المنهمكة بعمليات التطهير العرقي وحرب الإبادة ضد الشعب الفلسطيني، منقذ الشعب الإيراني ومخلصه، من خلال حربٍ لا هوادة فيها على بلدهم ومقدّراتهم وأطفالهم. وحين أصبح دور إسرائيل مدمّراً، وتمادت في قصف بلدهم، بدأت أصوات معارضة تدين الحرب وهذا الدور فيها، وإنْ كان من المبكر الحديث عن التحالف أو التقارب بين بعض الأوساط الإيرانية وإسرائيل، لكن أميركا كانت تعتمد على إسرائيل، إضافة إلى أجهزتها، بتهيئة أجواء مرحِّبة بالحرب داخل إيران وخارجها، والانقضاض من الداخل لإسقاط النظام حين تحين اللحظة المناسبة. اعتقد ترامب أن الضربات القوية وتوظيف أحدث الأسلحة والحرب التكنولوجية واستخدام الذكاء الصناعي تكفي لشل النظام الإيراني أفرحت مشاركة إسرائيل أوساطاً في المعارضة الإيرانية، ومنهم رضا بهلوي، نجل شاه إيران المخلوع، واستعد للرجوع منتصراً لإحياء الإمبراطورية البهلوية في إيران، وإنْ لم يهتم ترامب له. ولكن امتداد مدة الحرب أطول مما توقعته المعارضة الإيرانية وواشنطن أضرّ بهذا التصور، وإنْ سيبقى لعب إسرائيل في الداخل الإيراني عاملاً، ليس بالضرورة محدّداً، بل مؤثر إذا تحقق لإسرائيل وأميركا إضعاف القوة الإيرانية إلى درجة الشلل. جاء مقال لكاتبة هذه السطور، نُشر في "العربي الجديد" بعنوان: "ترامب إذ يكمل مهمّة المحافظين الجدد" (18/1/2026)، على فرق جوهري بين إسرائيل وأميركا، أن ترامب يعارض إرسال قوات برّية إلى المنطقة، وهي فكرة كان دائماً يرفضها. إذ اعتبر دائماً أن غزو العراق كان خطأً كبيراً، لكن صمود إيران وحساباته الخاطئة والتسرّع في شن حرب هدّدت ولا تزال تهدّد استقرار المنطقة، وبخاصة دول الخليج العربي، ومصادر الطاقة وحركة الملاحة، وأحدثت أزمةً باتت تعرِّض الاقتصاد العالمي للخطر، دفعه إلى تغيير رأيه، ويقرّر إرسال قوات برّية. وهذا يعني أنه أوقع نفسه في فخ زج الجيش الأميركي في معركة لا يعرف ما إذا كان يستطيع تحديد نهايتها. هل يعي ترامب أعباء خطئه الاستراتيجي ويوقف إشراك القوات البرّية التي بدأت تتحرّك إلى المنطقة؟ إعلانه تأجيل تنفيذ تهديده بضرب مراكز الطاقة في إيران وتدمير البنية التحتية ربما كان مؤشّراً مهماً على تردّده. من ناحية، تعيينه نائبه جي دي فانس للتفاوض مع طهران، كما اقترحت الأخيرة، يدلّ على استعداده لإعطاء المفاوضات فرصة جدّية، إذ ما زال فانس يعتقد أن سيناريو حرب عراقٍ أخرى، وهو الذي حارب جندياً هناك، خيار خطير، إذ يؤدّي، كما في العراق، إلى عدم الاستقرار وخسارة الجنود، وتوليد منظمات "إرهابية" وحربٍ بلا نهاية (على حد قوله). ولا أدل على هذا مما جرى تسريبه أخيراً أن فانس، في مكالمةٍ مع نتنياهو أخيراً، انتقد ترويج الأخير قبل الحـرب لترامب أنها ستكون سهلة وأن تغيير النظام أكثر احتمالاً مما كان عليه. برهنت إيران أن لديها مخزون أسلحة وقوة منظّمة ودولة عميقة منظّمة منعت انهيار النظام من ناحية أخرى؛ عاملان قد يؤثّران بقرار ترامب توجيه ضربة يعتبرها "قاصمة" لإيران: ستيف ويتكوف الذي يجاهر بولائه لإسرائيل، وهو الذي يقرّر مسار التفاوض، وإن كان مفهوم ويتكوف لحماية إسرائيل ومصالحها يتباين، إلى درجةٍ ما، مع تهوّر نتانياهو. وبالتالي، هو حريص على تجنيب إسرائيل مزيداً من الخسائر بعد مشاهدة الدمار في وسط تل أبيب، أي إن وجوده قد يخفف من اندفاع ترامب، وإن هذا غير مضمون. العامل الآخر، إسرائيل نفسها، فهي لم تأبه لإعلان ترامب، وضربت مراكز حيوية في طهران، فأهدافها تتطلب ضرباتٍ فورية وقاصمة لإيران. فوفقاً لرئيس الوزراء السابق، نفتالي بينيت، أبرز أهداف الحرب إنهاء البرنامج النووي، وتدمير إيران و"تفكيك البنى الإرهابية" في المنطقة، ولا يعني هنا حزب الله والحوثيين وحركتي حماس والجهاد الإسلامي فقط، بل أيضاً جميع الفصائل الفلسطينية وأي تفكير فلسطيني وعربي في المقاومة. فبالنسبة إلى إسرائيل، هي في عهد جديد تكمل فيه المشروع الصهيوني وإنهاء القضية الفلسطينية. أي إنها لن تنتظر قرار ترامب، إلا إذا رأى ومن حوله أن إسرائيل تجازف بمصالح أميركا وتفجير المنطقة. والأهم بالنسبة إلى ترامب الخشية من تدمير مصادر الطاقة والنفط والغاز، وبالتالي جني الأرباح لرئيس يجسّد الجشع الرأسمالي الاستعماري على هيئة إنسان واحد. نعم، هي ربما تشبه إلى حد كبير حرب العراق عام 2003، وإن كان مخطّطها فاشلاً وغير مدروس. ولكن لا يوجد في هذه المرّة مخطط أميركي، بل دور إسرائيلي منفلت، إذا لم تكبحه أميركا، ستأخذ إسرائيل القرار ولن تنتظر قرار ترامب، وإن كانت عقليته لا يُتّكأ عليها، وقد يستفزّها تصريح بالشعور بجرح كبريائه وينفذ وعيده.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية