أمن الخليج... التفكير في نظرية جديدة
عربي
منذ ساعة
مشاركة
تشكل تصريحات المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية، ماجد الأنصاري، الأسبوع الماضي، عن انهيار نظام الأمن الخليجي بفعل الحرب الراهنة، وبدت أقرب إلى تسريبٍ محسوبٍ لما يدور في الغرف المغلقة داخل دوائر القرار في الخليج؛ فالمفارقة أنّ الحرب الراهنة كشفت هشاشة افتراض الاستقرار الإقليمي النسبي، وافتراض المظلّة الدولية القادرة على الردع، وافتراض إمكان إدارة التباينات الداخلية من دون أن تتحوّل إلى تناقضات بنيوية. اليوم، تبدو الأولوية الخليجية واضحة ومباشرة: إنهاء الحرب وتقليص أضرارها. ولكنّ معضلةً أعمق تختبئ خلف هذه الأولوية العاجلة؛ إذ لم يعد الأمن يُختزل في حماية الحدود أو ضمان تدفق الطاقة، بل بات مفهوماً مركباً يشمل أمن الممرات المائية، من الخليج إلى البحر الأحمر، والأمن السيبراني، وسلاسل الإمداد، وحتى استقرار الأسواق العالمية التي ترتبط بها الاقتصادات الخليجية عضوياً. بمعنى آخر، نحن أمام لحظة إعادة تعريفٍ شاملةٍ لمفهوم الأمن نفسه، لا مجرّد إعادة ترتيب أدواته. لا تكمن الإشكالية فقط في حجم التحدّيات، بل في غياب رؤية خليجية مشتركة لمواجهتها؛ فمجلس التعاون، رغم بقائه إطاراً مؤسّسياً قائماً، لم يتحول إلى منظومة أمنية متكاملة بالمعنى الفعلي؛ قد أخذت التباينات، منذ الربيع العربي، بين هذه الدول تخرج إلى العلن، سواء في تعريف مصادر التهديد، أو في مقاربة العلاقات مع القوى الإقليمية الكبرى، كإيران وتركيا وإسرائيل، حدث ذلك مع تراجع دور الدول المركزية في النظام الإقليمي العربي، وغياب مفهوم نظرية الأمن القومي العربي وبروز الأفكار الإقليمية البديلة. شكّلت مرحلة إدارة باراك أوباما نقطة تحوّل مفصلية في هذا المسار، حين جاء الاتفاق النووي مع إيران ليزرع بذور الشك في صلابة التحالف التاريخي مع الولايات المتحدة؛ ما أثار القلق الخليجي آنذاك أنّ واشنطن مستعدة لإعادة ترتيب أولوياتها في المنطقة، ولو على حساب حلفائها التقليديين، ثم جاءت حرب اليمن لتعمّق هذا الشعور، ليس فقط بسبب صعود الحوثيين فاعلاً عسكرياً وسياسياً جديداً، بل لأنّها كشفت حدود القدرة الخليجية على إدارة صراع إقليمي معقّد من دون شريك دولي حاسم. وبينما حاولت دول ملء الفراغ، اصطدمت هذه المحاولة بتباينات داخلية حادّة، سرعان ما تجسّدت في أزمة الخليج، التي كشف عن تصدّع في التصورات الأمنية ذاتها. في هذا السياق، برزت خلال الولاية الأولى لدونالد ترامب نظرية مختلفة لأمن الخليج، تقوم على خصوصية هذا الأمن مقارنة ببقية المشرق العربي، وقد تجلّت هذه المقاربة في اتفاقيات إبراهيم، وفي الطروحات التي لم يُكتب لها الاكتمال أو التطبيق العملي، عن "ناتو عربي– إسرائيلي"، بوصفه إطاراً لمواجهة إيران، ثم جاءت أحداث 7 أكتوبر والحرب على غزّة لتخلط الأوراق مجدّداً، وتعيد تعريف موازين القوى الإقليمية، لتبرز السعودية بوصفها لاعباً مركزياً أكثر انخراطاً في الملفات الإقليمية، في وقت تصاعد القلق الخليجي من سياسات حكومة بنيامين نتنياهو، ومن نزوعها نحو توسيع نطاق القوة الإسرائيلية، ليس فقط عسكرياً، بل سياسياً أيضاً، في اتجاه تحويل إسرائيل إلى قوة إقليمية مهيمنة. أمّا الحرب الإيرانية الحالية فقد دفعت هذا القلق إلى مستوى غير مسبوق؛ فقد وضعت جميع دول الخليج، من دون استثناء، في مرمى التهديد المباشر، ولم تنجح الولايات المتحدة، حتى في ظل تقاربها الظاهري مع بعض هذه الدول، في تبديد حالة عدم اليقين المتزايدة تجاه سياساتها، والثقة الحقيقية بها وتجاوز حالة عدم اليقين في ما يتعلق بمستقبل أمن الخليج. الأكثر دلالة أنّ هذه الحرب كشفت هشاشة فكرة "الاستثناء الخليجي"، فالهجوم الإسرائيلي على قطر خلال حرب غزّة، في سياق محاولة استهداف قياداتٍ من حركة حماس، ومن ثم الهجمات الإيرانية التي لم تستثنِ أي دولة خليجية، أظهرا أنّ الجغرافيا السياسية لم تعد تسمح بمناطق آمنة خارج معادلات الصراع. الخليج، الذي كان يُنظر إليه طويلاً بوصفه فضاءً منفصلاً نسبياً عن بؤر التوتر في المشرق، بات اليوم جزءاً عضوياً من هذه المعادلات. في ضوء هذا، تطرح المرحلة المقبلة أسئلة كبرى، تتجاوز الإجابات السريعة أو الجاهزة. ما هو تعريف الأمن الخليجي بعد هذه الحرب؟ هل سيبقى إطاراً مغلقاً على دول المجلس، أم سيتحوّل إلى منظومة أكثر انفتاحاً على الجوار الإقليمي؟ كيف ستُعاد صياغة علاقات التحالف، ليس فقط مع الولايات المتحدة، بل مع قوى أخرى صاعدة كالصين، ومع أوروبا التي تبحث عن دور جديد في المنطقة؟ وما هي الحدود بين الأمن الجماعي والأمن الوطني، في ظل التباينات المستمرّة بين دول الخليج؟

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية