عربي
مع نهاية الحرب العالمية الثانية وارتفاع الطلب على الطاقة من أوروبا الغربية واليابان، زاد الاعتماد بشكل متصاعد على نفط الخليج، وتحوّل مضيق هرمز إلى بوابة بحرية أساسية لعبور الناقلات من منطقة الخليج إلى العالم. جعل هذا الطريق الإنتاج النفطي من السعودية وبقية الدول الخليجية يتصاعد باطراد، وأصبحت قيمة المضيق مرتبطةً بتوسّع التجارة والتصنيع في العالم، وليس على مستوى الإقليم فحسب. ... خلال أزمة الناقلات في أثناء الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات، ظهرت قيمة مضيق هرمز الأمنية والاقتصادية، والتأثير الشديد للحالة العسكرية في المنطقة بالاقتصاد العالمي، وانتشرت فكرة أن أمن المضيق جزء من استقرار الاقتصاد الدولي. ومع ازدياد الطلب الآسيوي من الصين والهند على النفط خلال التسعينيات، أصبح للمضيق قيمة إضافية، إلى أن وصل إلى تسجيل مرور 20 مليون برميل نفط يومياً في عام 2024. ويعادل هذا الرقم تقريباً ربع كمية النفط المستهلكة عالمياً، ووقوع إيران على الساحل الشمالي لهذا الممرّ وقدرتها على السيطرة النارية عليه، جعلاها مكمن خطر على مؤشّرات اقتصاد العالم.
إطلالة إيران تمنحها القدرة على مراقبة المضيق وتطبيق الضغوط والتهديد أيضاً، وقد مارست ذلك كله منذ عقود. وشهد العالم اختناقات متفاوتة بسبب التهديد الإيراني، بالرغم من أن المضيق تحكُمه قواعد الملاحة الدولية، وممرّات عبوره المتاحة من الجهة الجنوبية تقع داخل المياه الدولية العُمانية. عرض المضيق في أضيق نقطة لا يتجاوز 29 ميلاً بحرياً، وهناك ممران للعبور (ذهاب وإياب)، عرض كل منهما حوالى ميلين بحريين، ما يجعل أي تهديد إيراني ذا أثر كبير على مرور النفط. ولكن إيران في الواقع غير قادرة على السيطرة الكاملة على المضيق، ولا بد من التفريق بين القدرة على التعطيل بشكل كلي وإمكانية إعاقة المرور، ونحن نتابع حالياً محاولات تصدٍّ دولي للضغوط الإيرانية على الاقتصاد العالمي، بعدّة طرق، منها التفكير في إيجاد بدائل للمضيق في سورية، وهو ما قاله المبعوث الأميركي، توم برّاك بالفعل. طبعاً، لا يمكن لسورية أن تكون بديلاً كاملاً لممرٍّ مائي يسهل للعالم وصول أكثر من 20 مليون برميل من النفط في اليوم. ولكن يمكن إعادة تأهيل شبكات أنبوبية قائمة فيها مثل خط الغاز العربي الذي يربط مصر والأردن وسورية ولبنان، بتوسيع الربط إلى تركيا ومرافئ المتوسّط في اللاذقية وطرطوس.
لا تجعل هذه الشبكة سورية بديلاً كاملاً لهرمز، ولكن يمكنها أن تلعب دور رئةٍ إضافية تخفّف الضغط على المضيق في حالات الحرب والسلم، ويمكن بناء خطوط برّية متنوعة للنقل من طرق سريعة إلى خطوط سكة حديدية، مع مخازن للربط ومحطّات لإعادة الضخ، ما يحوّل سورية بالفعل إلى جسر برّي حيّ. ولا يحيل هذا "هرمز" إلى التقاعد، ولكنه يخفّف الاعتماد عليه بصورة كبيرة. ويفترض التصريح السياسي لبراك أن تتحول البادية السورية إلى عامل أميركي، وتدخل في حسابات الولايات المتحدة السياسية والاقتصادية. وهذا مرهون بمتانة الأواصر التي يجري مدّها حالياً بين الطرفين.
البنية التحتية في سورية اليوم ضعيفة ومهشّمة، وإنتاجها النفطي قليل، لكنها في المستقبل يمكنها أن تلعب دور جسرٍ للعبور. ويتطلب نجاح فكرة تقديم سورية متنفّساً للنفط يعمل بكفاءة وقت الأزمات الخليجية تفاهمات إقليميةً واسعةً مع تركيا والعراق والأردن ودول ثانية، ويتطلب تفاهماتٍ أخرى مع منتجين ومستثمرين، وربما مؤسّسات عالية القدرة على التمويل، وبنية قانونية وحقوقية، لتضع كل ذلك الاستثمار في موقعه الصحيح. وفوق ذلك كله مناخ أمني مستدام في الداخل السوري كله، فالمسألة ليست تقنية صِرفاً، لكنها بالإضافة إلى ذلك تدخل في نطاق الصراعات على مواقع النفوذ الإقليمي. وتحويل سورية إلى عقدة مواصلات يوجب إعادة رسم التوازنات بين الخليج وتركيا. ولذلك ما قاله برّاك يوجد في طياته من السياسة أكثر مما يحمله من الاقتصاد.
