عربي
يعتقد بعضهم أنّ اللغة السياسيّة تكتفي بإخفاء ما تعنيه، بينما هي في الحقيقة تعني ما تخفيه تماماً. لذلك حين يتحدّث رئيس "أقوى دولة" عن "السلام بالقوّة"، معترفاً بأنّه قد يقصف بلداً "من أجل المتعة"، فهو لا يبتكر فكراً جديداً، بل يستعيد صدى قديماً يتردّد منذ كان الدمُ عرضاً في مدرّجات الألعاب الرومانيّة، ومنذ قال فيجتيوس: "إذا أردت السلام فاستعدّ للحرب"، بل منذ انتقلت "الساديّة" من الهامش، حيث هي انحرافٌ فرديٌّ أدينَ بسببه الماركيز دي ساد، إلى المركز، حيث هي عقيدةٌ سياسيّة تُمارَس بفظاظة وتبجّح.
"سلام القوة" فكرة قديمة قِدم البشريّة، ظاهرُها حمَلٌ وديعٌ وباطنُها وحشٌ ضارٍ. تدّعي أن العنف مشروعٌ إذا كان يمنع عنفاً أكبر. كأنّ العالمَ طفلٌ مشاغبٌ يحتاج إلى أبٍ صارم لا أمّاً حنوناً. يدّعي أصحاب هذا المنطق أنّهم لا يمارسون القوة حُبّاً في ذاتها بل كرهاً للفوضى. إنّها أداة لا غاية. حتى ونستون تشرشل، وهو أحد كبار منظّري الصلابة في وجه الخطر، لم يكن يتحدّث عن لذّة الحرب، بل عن ضرورتها الثقيلة، عن ذلك الواجب الذي يُنجز بأسنان مشدودة لا بابتسامة.
ما الذي يحدُث حين تتحوّل الأداة إلى غاية؟ حين تكفّ القوة عن أن تكون وسيلة للسلام، ويصبح السلام نفسه ذريعة للقوة بوصفها مصدراً للمتعة؟ هنا يبدأ الانزلاق الدلالي. يلمح نيتشه في "ما وراء الخير والشرّ" إلى أن إرادة القوة ليست انحرافاً طارئاً، بقدر ما هي جوهر خفيٌّ في الفعل الإنساني. إلّا أنّه ظلّ حريصاً على إبقاء هذه الإرادة في مستوى التحليل. لم يقل: "استمتعوا بالقوة"، بل كشف لنا عن كيفيّة تشكيلها لنا بطُرُقٍ خفيّةٍ وفي أعماق لا تُرى. بينما ذهب فرويد إلى أبعد في كتابه "قلق في الحضارة"، مؤكّداً أنّ ثمة لذّة كامنة في التدمير، في العودة إلى الصفر، في ذلك الانجذاب الغامض نحو الفناء. إلّا أنّه لم يرفع هذه الفكرة إلى مستوى الخطاب العام، بل أبقاها تشخيصاً لا برنامج عمل.
ثمّ حدثت النقلة. كانت متعة القوّة تتكلّم من خلال عبارات وسيطة، فباتت تتحدّث بتبجّح. عوّمت الحداثةُ ملامحَ الاستمتاع بالقوّة، وأجبرتها على الاختباء في مختلف أنواع البيوت والمقاصير، ليس آخرها جزيرة إبستين. مارستها من خلف خطاب رسميّ ثقيل يدّعي الألم حتى وهو ينتج الخراب: يأمر بالقصف ويجعل اللغة تحزن من أجله. يلقي القنابل ويجعل البيانات تتأسف بسببها. إلى أن نضجت اللحظة: تحوّل الرعب إلى إيقاع والكارثة إلى محتوى والألم إلى صورة قابلة للاستهلاك. هكذا تربّعت المتعة من جديد على المشهد، لا اعترافاً فرديّاً، بل شرطاً ضمنيّاً في طريقة التلقي. لم يعد المشهد محتاجاً إلى "جمهور يصدّق" مثلما كان الشأن مع "سلام القوة"، بل صار يكفيه "جمهور يشاهد" ويستمتع بالعنف.
وفّرت المراحلُ السابقة فضلةً من عقدٍ أخلاقيّ، وإن كان هشًّا، بين الحاكم والمحكوم، بين القويّ والضعيف: نستخدم القوّة لنحميكم. إلّا أنّ هذه البقيّة الباقية من "العقد" انهارت تماماً في المرحلة الراهنة، لتظهر محلّها غطرسة باردة بشكل فظيع: ننتزع ثرواتكم إن شئنا. نقتلكم متى شئنا. ندمّر من لا يستسلم. نختطف من نريد. نستخدم القوة لأننا نستطيع، ولأنّ ذلك في مصلحتنا، ولأن في ذلك متعة. ليست الفظاعة هنا في العبارة، بل في التحوّل: كأنّ الحضارة، بعد أن أمضت قروناً في استنكار العنف، قرّرت فجأة أن تختصر الطريق. أن تقول ما كانت تخفيه. أن تعترف، ولو عرضاً، بأن المتعة بالعنف لم تُغيّب، بل كانت مؤجلة.
عند هذه النقطة تحديداً، يبدو أنّ "السلام بالقوّة" يعني في الحقيقة "المتعة بالقوّة". كما يعني أنّ "الساديّة" باتت اليوم ديانةً غير رسميّة لأقوياء العالم، لا يحتاجون فيها إلى نصوص مقدّسة، لأنّهم يعتبرون أنفسهم معيار القداسة كلّها. وكم ظُلِم الماركيز دي ساد، حين عوقب بسبب إشارته إلى أنّ الألم من شروط المتعة، في حين بات أباطرةُ اليوم يمارسون بطشهم على الأرض وأمام الكاميرات، ويحصُدون الأصوات والمكافآت مقابل ساديّتهم، محوّلين السياسة من فنّ إدارة الممكن إلى طقسٍ ساديّ مُشوّه، لا يُقاس فيه النجاح بِكَمّ السلام المُنجز، بل بكَمّ الألم الذي يمكن إنتاجه من دون أن يختلّ الإيقاع.
