عربي
اعتبر وزير الحرب الأميركي الأسبق جيمس ماتيس الدنمارك نموذجاً صارخاً لفقدان الثقة بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، خلال مداخلته الأخيرة في منتدى عسكري بجامعة ستانفورد، بحسب ما نقلته صحيفة بيرلنغسكا الدنماركية، اليوم السبت. ونقل موقع أكسيوس الأميركي، الثلاثاء الماضي، عن ماتيس تأكيده أنّ العمليات العسكرية الأميركية المتسرعة ضد إيران، من دون التنسيق الكامل مع الدول الحليفة، أظهرت كيف يمكن للثقة الاستراتيجية أن تتآكل بسرعة. وأضاف أنّ الحلفاء باتوا يرون الولايات المتحدة دولة غير موثوقة، تتصرف بعدوانية، وتغيّر مواقفها بشكل متكرر، مما يخلق فجوة تُعرّض التعاون العسكري والاستقرار الدولي للخطر.
وفي مؤتمر "سيراويك" للطاقة والأمن الذي انعقد هذا الأسبوع في هيوستن، حذر الجنرال المتقاعد من أنّ الولايات المتحدة تواجه "وضعاً صعباً للغاية" فيما يخص إيران، وأكد أنّ الخيارات الاستراتيجية المتاحة محدودة وأنّ إنهاء الحرب بشكل أحادي يمكن أن يُعطي طهران نفوذاً أكبر في مضيق هرمز الحيوي.
الدنمارك، التي خاضت إلى جانب الولايات المتحدة حروباً في العراق وأفغانستان، تعكس هذه الأزمة بوضوح، وتكشف كيف يمكن للسياسات الأميركية أن تؤثر على سمعتها بين الحلفاء، وفق ماتيس، لافتاً إلى أنّ فقدان الثقة يمتد إلى أوروبا الغربية بشكل عام، حيث تتزايد المخاوف من أنّ الولايات المتحدة قد تتصرف منفردة، تاركة الحلفاء في مواجهة أزمات استراتيجية من دون دعم حقيقي.
هيغسيث "المشجع الأول على الحرب"
تصاعدت المخاوف حيال النزعة العدوانية لبعض المسؤولين في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وعلى رأسهم وزير الحرب بيت هيغسيث، الذي وصفه ماتيس بأنه "المشجع الأول على الحرب". فقد كشفت تصريحات ترامب أن هيغسيث كان متحمساً فور سماعه عن أي خيار عسكري، قائلاً ببساطة: "دعونا نفعلها!" وهو موقف يعكس التسرع والانفعال في إدارة الصراعات، بحسب تقرير لصحيفة نيويورك بوست، الثلاثاء الماضي.
وعلى عكس هيغسيث يتميز ماتيس بخبرة طويلة جنرالاً ومخططاً استراتيجياً، حيث شارك ميدانياً في معظم الحروب الأميركية منذ عام 1969. ويؤكد ماتيس أن اتخاذ القرار العسكري يتطلب أكثر من مجرد حماسة؛ فهو يتطلب خطة استراتيجية واضحة، وتقديراً دقيقاً لتبعات العنف، ومراعاة للنتائج المحتملة، لتجنب تفاقم الأوضاع من دون تحقيق أهداف ملموسة.
مثال واضح على ذلك كان في عام 2017، عندما اقترح ترامب قتل رئيس النظام السوري المخلوع بشار الأسد. على الفور، خالف ماتيس هذا التوجه، كما كشف ترامب بنفسه، مشدداً على ضرورة وجود استراتيجية واضحة، لضمان أن يؤدي الأمر إلى نتائج قابلة للتحقق، مثل تغيير النظام بما يخدم مصالح الولايات المتحدة، بدلاً من مجرد استخدام العنف بشكل عشوائي.
ماتيس: إيران "مستنقع استراتيجي"
بعد تسع سنوات، لم يوقف أحد ترامب عن مهاجمة إيران، ما أدى إلى صراع انتهى في "مستنقع استراتيجي"، وفق ماتيس. هو يرى أن الحرب "قانونية جزئياً بسبب صراعات النظام الإيراني مع الولايات المتحدة عبر وكلائه، لكنها تفتقر إلى أهداف واضحة". ويشير إلى أن غياب "نية القائد" جعلها تشبه هجوم الجنرال الألماني إريك لودندورف على الجبهة الغربية في مارس/ آذار 1918 خلال هجوم الربيع الألماني: "خطة عدوانية بلا هدف محدد انتهت بهزيمة كبيرة لألمانيا". وبالمثل يرى ماتيس أن الحرب على إيران تحولت إلى صراع بلا انتصار مؤكد، وزاد غياب التنسيق مع الحلفاء من هذا الانفصال الاستراتيجي، مما يضعف النفوذ الأميركي دولياً.
إضافة إلى التوترات العسكرية، أدت مواقف ترامب وانتقاداته للحلفاء إلى تدهور العلاقات الدبلوماسية. فقد اتهم حلف شمال الأطلسي (الناتو) بـ"الجبن"، وقلل من التزام الولايات المتحدة تجاه الدفاع الجماعي، وهو ما أشار إليه في تصريحات نقلتها وسائل الإعلام، مؤكداً أن واشنطن قد تغيّر موقفها من الدفاع الجماعي ونفوذها داخل الحلف إذا لم يدعم الحلفاء الأوروبيون العمليات العسكرية. ونقلت وسائل الإعلام عن ترامب، قوله، أمس الجمعة، إنّ الولايات المتحدة "يجب ألا تكون هناك من أجل الناتو" إذا لم يقف الحلفاء الأوروبيون إلى جانبها في الحرب المستمرة ضد إيران.
ويشير ماتيس إلى أن هذه التصريحات ساهمت في فقدان الثقة الأوروبية بالولايات المتحدة، ما جعل الدول الحليفة أكثر تردداً في دعم أي مغامرة عسكرية أميركية. الدنمارك هنا مثال واضح، حيث قاتلت جنباً إلى جنب مع الولايات المتحدة في الحروب السابقة، لكنها ترى اليوم، على خلفية الصراع على غرينلاند، أن واشنطن قد تتصرف منفردة، ما يعكس هشاشة التحالفات التقليدية التي كانت قاعدة قوة أميركا منذ الحرب العالمية الثانية. وأفاد تقرير لـ"ذا نيويوركر"، أول أمس الخميس، بأن انتقادات ترامب المستمرة لحلفاء الناتو دفعت إلى تراجع الثقة في القيادة الأميركية بوصفها شريكاً موثوقاً، وأن هذه التوترات أثرت في تصورات أوروبا حول دور واشنطن في قضايا أمنية كالحرب في الشرق الأوسط.
رغم التحذيرات، تلقى دعوات الحرب صدى لدى بعض مؤيدي ترامب الذين يرون التدخل السريع تعبيراً عن القوة والحزم. ويشير ماتيس إلى أن هذا التلاقي بين اندفاع داخلي وتراجع ثقة الحلفاء "يخلق خللاً مزدوجاً: قرارات متسرعة بلا تخطيط وجمهور يدفع نحو التصعيد من دون حساب للعواقب". ويؤكد أن هذه الحماسة قد تقود إلى حروب بلا أهداف واضحة، وتضعف الحلفاء، مما يفاقم الخسائر الاستراتيجية للولايات المتحدة ويهدد استقرار المنطقة.
تجربة جيمس ماتيس تُبرز درساً أساسياً في إدارة الصراعات: القوة وحدها لا تكفي، بل يجب أن ترافقها استراتيجية واضحة، وتقييم دقيق للنتائج، وتنسيق كامل مع الحلفاء. فالاندفاع الفردي، كما أظهرت إدارة ترامب، قد يهز الثقة الدولية ويترك الحروب بلا أهداف واضحة، بينما يبرز الجنرالات المخضرمون ضمانةً للتخطيط والحذر. الدرس الأكبر، وفق ماتيس، أن أي قوة عظمى يجب أن تحافظ على مصداقيتها أمام حلفائها، وألا تتحول الحروب إلى مغامرات محفوفة بالمخاطر، وتنهار الثقة التي بُنيت على مدى عقود، تاركة فراغاً استراتيجياً يصعب تعويضه.

أخبار ذات صلة.
في تباين وجهات نظر الإيرانيات من الحرب
العربي الجديد
منذ 16 دقيقة