عربي
تحوّلت أراضي جبل العالم في بلدة نعلين بوسط الضفة الغربية من متنفس طبيعي ومورد زراعي إلى بؤرة استيطانية آخذة بالتوسع تخنق البلدة تدريجياً، بينما يواجه المزارعون الفلسطينيون خطر فقدان أراضيهم في ظل تصاعد السيطرة الاستيطانية ومنعهم من الوصول إلى أراضيهم.
وبدأ استهداف جبل العالم قبل نحو تسع سنوات بشكل تدريجي، ويؤكد حذيفة سرور، وهو أحد أصحاب الأراضي، لـ"العربي الجديد"، أنه خلال فترة جائحة كورونا، وضع أحد المستوطنين قطيعاً من الأغنام قرب طريق ترابي في أراضٍ تابعة لقرية دير قديس، وفي إبريل/نيسان 2021، بدأ هذا المستوطن شق طريق باتجاه جبل العالم ومنطقة جبل الباطن المجاور، فأوقف عدد من أصحاب الأراضي المستوطن عن العمل، لكنه عاد بعد يومين، ونجح الأهالي مجدداً في إيقافه عن العمل، قبل أن تندلع مناوشات في المكان، ويتدخل الجيش الإسرائيلي، ورغم إقامة قضية، عاد المستوطن بعد نحو شهر لمواصلة العمل، وهذه المرة بتصريح من جيش الاحتلال، ما سمح له بإيصال الطريق حتى رأس الجبل.
يضيف سرور: "في 28 مايو/أيار 2021، توجه نحو 20 شاباً إلى أراضيهم في الجبل لزراعتها، لكنهم تعرضوا لهجوم من المستوطنين، والذين أحرقوا أشجار الزيتون وأجزاء من الأرض، ما أدى إلى مواجهات كبيرة قبل تدخل جيش الاحتلال لحماية المستوطنين. بعدها بدأت اشتباكات متقطعة بين الأهالي والمستوطنين؛ وصولاً إلى عام 2022، حين استكمل المستوطنون شق الطريق، وبدأت الاعتداءات تتكرر على كل من يحاول الوصول إلى أرضه، وكان جيش الاحتلال يمنع أصحاب الأراضي من الوصول بحجة وجود قضية".
ويتابع: "التحول الأكبر حدث في عام 2024، عندما نُصبت خيمة في الموقع، ثم تحولت إلى بؤرة استيطانية، وشُقت طرق، وزُود المكان بالكهرباء، قبل أن تتوسع السيطرة لتشمل مساحات واسعة من الأراضي. كان المستوطن يسيطر سابقاً على مئات الدونمات في رأس الجبل، لكن المساحة زادت بعد عمليات تسييج شملت مناطق مجاورة منها المطويات، والخلال، وجزء من منطقة وادي نعلين. جبل العالم يعد من أعلى المناطق في محيطه، وهو يطل على عدة قرى، وعلى الداخل الفلسطيني المحتل، ما يمنحه أهمية استراتيجية كبيرة. لكن أراضي جبل العالم ملكيات خاصة، والعائلات المالكة تمتلك وثائق رسمية، ومتمسكون بأراضيهم".
يؤكد الفلسطيني يوسف الحبازي أن عائلته تمتلك 356 دونماً قرب الجبل، معظمها مزروعة بأشجار الزيتون، وفي قلب هذه المساحة يمتلكون بيتاً بمساحة 450 متراً مربعاً بُني في عام 1856، لكن المنطقة تحولت إلى مسرح للاعتداءات المستمرة من المستوطنين. ويوضح لـ"العربي الجديد": "شملت الاعتداءات قطع نحو 170 شجرة زيتون يملكها ابن عمي، ووضع مستوطنون حاجزاً في الوادي المجاور لمنع الأهالي من الوصول إلى أراضيهم في منطقة باطن أبو حماد، وسبق أن خُلع أكثر من 1200 شتلة زيتون من أرضنا، وحرق البيت الذي كان بمثابة قصر تاريخي".
ويضيف الحبازي: "جبل العالم متنفس للمنطقة الشمالية من نعلين، لكنه محاصر من الجنوب بمستوطنة (نيلي)، ومن الغرب بالجدار الفاصل، ومن الشرق بالشارع الاستيطاني، ما يجعل الوصول إلى الأراضي صعباً وخطراً، وإطباق المستوطنين السيطرة على الجبل يعني خنق بلدة نعلين ومحاصرتها. الجبل يحمل اسم عائلة العالم التي تقع أراضيها في قمة الجبل، ويُعرف بارتفاعه الاستراتيجي، وإطلالته على البلدة والمناطق المحيطة، ما يزيد من أهميته بالنسبة للمزارعين الذين يعتمدون عليه في الزراعة وإنتاج الزيتون والخضراوات".
ومنذ اندلاع الحرب على غزة، يعيش أصحاب الأراضي في جبل العالم والمنطقة المحيطة تجربة يومية من التضييق والتهديد. ويروي حسني أبو عيسى لـ"العربي الجديد"، أن أكثر من 70 دونماً تملكها عائلته في محيط جبل العالم تُزرع منذ سنوات، لكنها تتعرض لاعتداءات مستمرة من المستوطنين، والذين يمنعون الفلسطينيين من الوصول إلى الأرض.
ويشرح أبو عيسى: "أرضنا تقع قرب جبل العالم، وتضم نحو 25 دونماً مزروعة بأشجار الزيتون، إضافة إلى مساحات أخرى كانت مزروعة بالحبوب والخضراوات، لكن المستوطنين قاموا بقطع الأشجار، ما أجبرنا على متابعة الزراعة والعمل سراً. منذ تسييج جبل العالم والأراضي المحيطة به في بداية شهر رمضان الماضي، بات المستوطنون يمنعون المزارعين من دخول أراضيهم، ما يجعل الحركة اليومية محفوفة بالمخاطر، لكن البقاء على الأرض هو قضية حياة بالنسبة لنا. كنا ننتظر أن تشجع الجهات الفلسطينية الرسمية صمودنا من خلال تسهيل إجراءات الطابو للأراضي وتعزيز استغلالها، بدل ترك السكان يواجهون التكاليف والمخاطر وحدهم".
بدوره، يؤكد رئيس بلدية نعلين، يوسف الخواجا، لـ"العربي الجديد"، أن المستوطنين لم يكتفوا بتسييج جبل العالم، بل سيّجوا المنطقة بالكامل وصولاً إلى الوادي، لتشمل كامل السفح والمنطقة المحيطة، بينما تعود ملكية هذه الأراضي لعدد من أهالي البلدة، والذين يمتلكون أوراقاً رسمية تثبت حقهم.
ويضيف الخواجا: "تشهد المنطقة منذ نحو خمس سنوات مواجهات متكررة، وكان المستوطنون ينسحبون ثم يعودون للتوسع مجدداً، إلى أن تحولت البؤرة إلى وجود دائم قبل نحو عامين، وخلال فترة الحرب على غزة، زاد وجود المستوطنين في قمة الجبل، وأقيمت نحو 10 كرافانات وبركسات، وجرى تزويدها بالكهرباء والمياه، إضافة إلى شق طريق ترابي شبه معبّد يصل إليها، ما يثير مخاوف الأهالي من تحول الجبل إلى مستوطنة كبيرة، خاصة بعد إعلان سلطات الاحتلال شرعنة 12 بؤرة استيطانية جديدة".
ويؤكد رئيس بلدية نعلين متابعة القضية مع عدة جهات، من بينها الارتباط الفلسطيني المدني والعسكري، وهيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية، والأمم المتحدة، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، كما جرى التواصل مع منظمة "يش دين" الحقوقية لمواجهة الأطماع الاستيطانية.
ويأتي استهداف جبل العالم في سياق تصاعد النشاط الاستيطاني في الضفة الغربية منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، إذ صادرت سلطات الاحتلال عشرات آلاف الدونمات، كما أُقيمت أكثر من 160 بؤرة استيطانية جديدة، بحسب معطيات لهيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية.
