عربي
تفشّت في مدينة بنغازي الليبية ما توصف شعبياً بـ"حروب الأسلحة المطاطية" بين الشبان والمراهقين والتي تحاكي ألعاباً قتالية إلكترونية، والتي تتخذ من الساحات العامة والأسواق ميداناً لها، ما دفع السلطات الأمنية إلى إطلاق حملة لمصادرتها.
في محاولة لمكافحة ظاهرة تأثير الألعاب الإلكترونية على سلوك الشبان والمراهقين في ليبيا، أطلقت مديرية أمن بنغازي (شرق)، الأربعاء الماضي، حملة أمنية لمصادرة الأسلحة المطاطية والألعاب النارية، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق من يثبت تورطه في استخدامها أو ترويجها، كما تستهدف الحملة المحال التجارية التي تبيع الأسلحة المطاطية والألعاب النارية بالمخالفة للتعليمات، وتُتخذ الإجراءات القانونية بحق أي محل يثبت تورطه في بيعها.
وجاءت الحملة بعد شكاوى من مواطنين وصلت إلى مراكز الشرطة بشأن حالة الترويع التي يواجهونها في الساحات العامة والأسواق، والتي تحولت إلى أماكن يحاكي فيها شبان ومراهقون مشاهد القتال في ألعاب إلكترونية رائجة. وتداول كثيرون عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مقاطع فيديو وصوراً تظهر مجموعات من الشباب وهم يخوضون ما يشبه المعارك في الشوارع، في محاكاة مباشرة لأسلوب القتال في لعبة "ببجي"، معبرين عن استيائهم وقلقهم من تأثير ألعاب الفيديو العنيفة على سلوك أبنائهم.
وأعلنت مديرية أمن بنغازي ضبط عدد من الشبان الذين قاموا باستخدام الأسلحة المطاطية في الساحات العامة، بالتزامن مع قيام الحرس البلدي بتنفيذ حملة تفتيش على محال بيع الألعاب، حيث تمت مصادرة ألعاب الأسلحة، وحثّ المحال على عدم تداولها نظراً لعدم قانونية بيعها.
ويرى عبد الحميد الحافي، وهو أب لمراهقين، أن الظاهرة تفاقم قلق الأسر إزاء الإقبال على الألعاب الإلكترونية القتالية، خاصة مع انتقال تأثير هذه الألعاب من شاشات الهواتف إلى الشوارع والساحات، وتحولها إلى ممارسات تغذي سلوكيات العنف.
وعبر الحافي لـ"العربي الجديد"، عن مخاوفه من تعلق ولديه بهذا النوع من الألعاب، معتبراً أن "ما يعايشونه من رؤية المظاهر المسلحة المنتشرة في أنحاء البلاد يعد عاملاً يعزز صلتهم بهذا النوع من الألعاب، وسعيهم لمحاكاة ما يشاهدونه من اشتباكات مسلحة عبر الفيديوهات التي تنشرها منصات التواصل الاجتماعي".
بدورها، لاحظت أسماء الحجازي تبدل سلوك ابنها المراهق نتيجة انغماسه الطويل في هذا النوع من الألعاب للتسلية مع أقرانه عبر الهاتف، وأن سلوكياته باتت تميل إلى العنف والانفعال والصخب، واستخدام مفردات اللعبة الغنية بالتعبيرات العنيفة في حديثه اليومي.
ويرى أستاذ علم اجتماع السكان، مخزوم الزروق، أن "تأثير الألعاب القتالية على سلوك المراهقين مرتبط بالسياق الحياتي اليومي الذي يعيشونه، فهذه الألعاب أساسها قائم على لغة الصراع والمواجهة، والانتصار عبر القوة، ما يرسخ لدى المراهقين نمطاً من التفكير القائم على التنافس، أو الحلول العنيفة للمشكلات، خاصة إذا عاش هذه التجارب الافتراضية لساعات طويلة يومياً".
ويوضح الزروق لـ"العربي الجديد"، أن "ما تعيشه البيئة الليبية منذ سنوات طويلة من صور عنف وقتال، أسهمت في جعل العنف حاضراً في ذاكرة الشبان والأطفال، والذين شاهد الكثير منهم اشتباكات مسلحة، أو سمعوا أصوات إطلاق النار مراراً، أو تابعوها عبر مقاطع الفيديو المنتشرة على منصات التواصل الاجتماعي، إضافة إلى أن مشاهد الآليات المسلحة والمسلحين بات أمراً معتاداً في كل المدن والمناطق الليبية، وصار جزء من المشهد العام الذي ينمو فيه الأطفال".
ويعتبر أستاذ علم اجتماع السكان الليبي أن "هذه المعايشة تزامنت مع الامتداد الافتراضي للواقع المألوف، حيث يجدون في الأسلحة المطاطية وسيلة لإعادة تمثيل تلك المشاهد، والتفاعل معها بطريقة تمنحهم إحساساً بالقوة أو السيطرة. تفسير الظاهرة لا يجب حصره في هذه الأسباب، فهناك عوامل أخرى تتداخل في تشكيل العلاقة بين الشبان والألعاب القتالية، من بينها الفراغ الكبير الذي يعيشه كثير من المراهقين في ظل محدودية الأنشطة الترفيهية والرياضية المنظمة، كما تلعب الصحبة والاختلاط دوراً مهماً في تعزيز الإقبال على هذه الألعاب، فهي في كثير من الأحيان وسيلة للتواصل والتنافس بين الأصدقاء".
وينتقد الزروق الإجراءات التي اتخذتها مديرية أمن بنغازي، ومثلها مدن ومناطق أخرى، والتي تكتفي بمصادرة الأسلحة والألعاب المطاطية أو الإلكترونية، مشدداً على ضرورة وجود خطط حكومية تتعامل مع تأثيرات هذه الألعاب، والتي باتت تفرض نفسها، ويشير إلى أن "الأسر والمؤسسات التعليمية تفتقر إلى فهم كاف لثقافة الألعاب الرقمية ومضامينها، وينبغي البحث عن أسباب قضاء الشاب أو الطفل لساعات طويلة في عالم افتراضي، ولا شك أن ذلك يحتاج إلى بدائل اجتماعية وثقافية ورياضية حقيقية يمارسها في حياته اليومية".

أخبار ذات صلة.
مؤشرات حصار إماراتي للأصول الإيرانية
العربي الجديد
منذ 3 دقائق
فولكسفاغن... من النازية إلى إسرائيل
العربي الجديد
منذ 41 دقيقة