عربي
على الرغم من التباعد الجغرافي، فإن منطقة جنوب وشرق آسيا ليست بمنأى عن التطورات التي يشهدها الشرق الأوسط، وقد تجلّى ذلك في إغراق الولايات المتحدة الفرقاطة الإيرانية "آيريس دينا" في المحيط الهندي، بعد وقت قصير من مشاركتها في استعراض دولي للأسطول استضافته الهند. كذلك جاءت التسريبات عن محاولة إيرانية لشنّ هجمات صاروخية على القاعدة العسكرية البريطانية الأميركية في دييغو غارسيا بالمحيط الهندي، على الرغم من نفي طهران الأمر والتضارب في تصريحات المسؤولين البريطانيين، ليشير إلى أن الصراع في الشرق الأوسط قد يتسلل في أي وقت إلى جنوب وشرق آسيا، ما خلق حالةً من الارتباك والترقب لدى حلفاء واشنطن وخصومها في المنطقة على حد سواء بسبب حرب إيران.
مخاوف آسيوية من ارتدادات حرب إيران
وتراوح مخاوف هذه الدول بين تأثير وارتدادات حرب إيران على الخريطة الجيوسياسية وموازين القوى، في ظلّ انحسار المظلة الأمنية الأميركية، ونقص إمدادات الطاقة، في منطقة تعتمد بصورة كبيرة على احتياجاتها النفطية من الشرق الأوسط. على مستوى حلفاء واشنطن، مثل كوريا الجنوبية واليابان والفيليبين بالإضافة إلى تايوان، هناك مخاوف من تعاظم نفوذ الصين، إذ أثيرت تساؤلات حول احتمالات أن تقوم بكين بالانقضاض على تايبيه، مستغلّةً انشغال الجيش الأميركي واستنزاف قدراته العسكرية في منطقة الشرق الأوسط. وكذلك الأمر بالنسبة لكوريا الشمالية، مع تواتر تقارير عن سعي بيونغ يانغ لإعادة إحياء التعاون الصاروخي والنووي مع طهران، ما يحيي شراكة طال انتظارها مبنية على العداء المشترك تجاه واشنطن.
حلفاء واشنطن مثل كوريا الجنوبية واليابان والفيليبين وتايوان، يتخوفون من تعاظم نفوذ الصين
كانت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي قد تجنّبت المواجهة مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في زيارتها الأولى إلى واشنطن قبل أيام، بشأن دعم بلادها تأمين مضيق هرمز، لكن الرئيس الأميركي واصل الضغط على طوكيو للقيام بدورها. ويعتمد معظم واردات النفط لليابان على هذا الممرّ المائي، وأوضحت رئيسة الوزراء أنها شرحت لترامب أن اليابان، على الرغم من استعدادها للمساهمة في الجهود، فإن هناك حدوداً لما يمكنها فعله بسبب القيود القانونية. ومع ذلك، أشار وزير الخارجية الياباني توشيميتسو موتيغي في نهاية الأسبوع الماضي إلى إمكانية النظر في إرسال كاسحات ألغام بعد وقف إطلاق النار.
أما الهند التي يأتي أكثر من 80% من وارداتها النفطية من منطقة الشرق الأوسط، فقد سعت إلى التوفيق بالحفاظ على علاقات وثيقة مع كل من طهران وتل أبيب. وتجلّى ذلك في زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى إسرائيل قبيل اندلاع حرب إيران أواخر شهر فبراير/شباط الماضي، وهي زيارته الثانية إلى البلاد بصفته رئيساً للوزراء، وحصول نيودلهي على إذن من طهران لعبور سفن عدة ترفع العلم الهندي مضيق هرمز. ولكن سياسة نيودلهي الخارجية متعددة التحالفات باتت على المحك في ظل الاستقطاب الجيوسياسي الحاد في الشرق الأوسط.
من جهتها، عزّزت باكستان على مدار السنوات الماضية روابطها الاقتصادية والأمنية مع دول الشرق الأوسط، وتجلّى ذلك في اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك التي أبرمتها مع السعودية العام الماضي، وكذلك انضمامها إلى مجلس السلام الذي تقوده الولايات المتحدة في وقت سابق من هذا العام. ولكن حرب إيران تضعها أيضاً في موقف حرج، لأنه في حال انخراط السعودية في الحرب فهذا يستدعي تفعيل اتفاقية الدفاع المشترك، وبالتالي دخول إسلام أباد على خط المواجهة، مع الإشارة إلى أن باكستان لديها حدود برية مع إيران.
في المقابل، التزمت الصين بموقف متحفّظ حيال حرب إيران ودعت إلى حلّ الأزمة عبر القنوات الدبلوماسية، ومع ذلك، ساد اعتقاد في الأوساط الصينية أنّ الحرب الدائرة في منطقة الشرق الأوسط قد تُلهم بكين في كيفية التعامل مع أيّ هجوم قد تتعرض له، في حال اتخذت خطوة عسكرية لاستعادة جزيرة تايوان بالقوة، مثل استهداف القواعد الأميركية في الدول الآسيوية المحيطة التي تستضيف أصولاً عسكرية أميركية، مثل اليابان والفيليبين وكوريا الجنوبية.
تساؤلات عن التحالفات مع أميركا
وقال الباحث في المعهد الصيني للدراسات الآسيوية، ليو وانغ، في حديث مع "العربي الجديد"، إن دول المنطقة بلا استثناء تراقب تطورات الأحداث في منطقة الشرق الأوسط بقلق شديد، وعلى الرغم من تفاوت مقاربة كل دولة للأزمة، ولكن هناك عاملاً مشتركاً مرتبطاً بإمدادات النفط باعتباره شريان الحياة والمحرك الرئيسي لعجلة الاقتصاد ومعيشة السكان في منطقة تضم أكبر التكتلات البشرية كثافة على مستوى العالم. وأضاف: ردة الفعل الإيرانية غير المتوقعة، باستهداف البنية التحتية في دول الخليج التي تؤوي قواعد عسكرية أميركية ومحطات طاقة وقطاعات حيوية، تسبّبت في تعطيل كبير لممرات الشحن في الخليج العربي، إلى جانب تهديد الرئيس ترامب باستهداف مصافي البترول في إيران، جميعها عوامل تنذر بتقليص إمدادات النفط وتآكل أمن الطاقة وتثير الذعر من حدوث أزمة إنسانية عالمية تتجاوز حدود الصراع والدوافع الأميركية الإسرائيلية.
من جهته، أعرب الباحث الزميل في جامعة آسيا (تايوان) جو فانغ، في حديث مع "العربي الجديد"، عن اعتقاده أن أكثر ارتدادات الحرب سوءاً هو ضرب الأساس الأمني للتحالفات العسكرية بين الولايات المتحدة ودول شرق وجنوب آسيا، مثل اليابان والهند وكوريا الجنوبية. وقال إن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران والتي أدت بطبيعة الحال إلى استهداف القواعد الأميركية في الخليج، ألحقت أضراراً بالغة بالتحالف العربي الأميركي، وزعزعت الثقة التي كانت تحظى بها واشنطن باعتبارها الدرع الأمني وصمام الأمان في وجه التهديدات الإيرانية على مدار العقود الماضية، واليوم تدفع هذه الدول ثمن اعتمادها المفرط على المظلة الأمنية الأميركية.
جو فانغ: أكثر ارتدادات الحرب سوءاً هو ضرب الأساس الأمني للتحالفات العسكرية بين الولايات المتحدة ودول شرق وجنوب آسيا
وتابع: هذا الواقع الصعب والشائك، ينسحب اليوم على الدول الحليفة للولايات المتحدة في منطقة شرق وجنوب آسيا، متسائلاً: ماذا لو تعرضت لهجوم مماثل من الصين أو كوريا الشمالية؟ كيف ستتصرف واشنطن، وهل سيُعتبر التسليح والتدريب الأميركي لجيوش هذه الدول كافياً للتعامل مع سيناريوهات مشابهة بدون التدخل المباشر من القطاعات العسكرية الأميركية التي سُحبت من المنطقة باتجاه الشرق الأوسط؟ ولفت إلى أن هذه الأسئلة بدأت تُطرح على نطاق واسع، وهناك الكثير من علامات الاستفهام حول قوة الردع الأميركية في ظل صمود النظام الإيراني وقدرته على خلط الأوراق، على الرغم من أن قدراته العسكرية متواضعة جداً مقارنة بالصين أو كوريا الشمالية وهما دولتان نوويتان.

أخبار ذات صلة.
نصائح عسكرية
العربي الجديد
منذ 19 دقيقة
رفض عراقي لاستهداف الخليج والأردن
الشرق الأوسط
منذ 48 دقيقة