اليمين الإسباني المتطرف وإسرائيل... رسائل غزل بين "رفاق السلاح"
عربي
منذ ساعة
مشاركة
بينما كان رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز يعلن في 28 مايو/أيار 2024 اعتراف إسبانيا بالدولة الفلسطينية، في خطوة منسّقة مع أيرلندا والنرويج، كان اليمين الإسباني المتطرف وتحديداً زعيم حزب "فوكس"، سانتياغو أباسكال، يتحرك في الاتجاه المعاكس تماماً، متوجّهاً إلى إسرائيل للقاء رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو. لم يكن هذا التزامن مجرد مفارقة سياسية فحسب، بل لحظة كاشفة عن انقسام سياسي داخل إسبانيا، وعن طبيعة علاقة تتجاوز حدود التعاطف الأيديولوجي إلى مستوى التحالف السياسي بين اليمين المتطرف الأوروبي وإسرائيل. وقد تبلور هذا التحوّل عبر مسار متدرّج يمكن تتبعه زمنياً. ففي ديسمبر/كانون الأول 2023، وفي ذروة حرب الإبادة على غزة، زار أباسكال إسرائيل والتقى مسؤولين في حكومة نتنياهو، في وقت كانت فيه معظم الحكومات الأوروبية تحاول الحفاظ على توازن دبلوماسي حذر. ثم عاد مجدداً في مايو/أيار 2024، بعد أيام قليلة من إعلان مدريد الاعتراف بفلسطين، ليؤكد لنتنياهو أنه سيلغي القرار إذا وصل إلى الحكم، في رسالة سياسية واضحة تتجاوز الداخل الإسباني، معوّلاً في ذلك على صعود حزبه، الذي انتقل من هامش المشهد السياسي الداخلي إلى متن النقاش العام، وأصبح لاعباً مؤثراً في تحديد أجندة سياسة البلاد الداخلية والخارجية. لكن نقطة التحوّل الأبرز جاءت في 25 يناير/كانون الثاني 2025، حين استقبل نتنياهو في القدس المحتلة وفداً من مجموعة "باتريوتس" الأوروبية، التي ينتمي إليها "فوكس"، واصفاً أعضاءه بـ"الحلفاء ورفاق السلاح"، بل و"الإخوة والأخوات في معركة حاسمة من أجل مستقبل العالم". هذا الوصف، الذي نقلته الصحافة الإسبانية، يعكس إدراكاً إسرائيلياً بأن هذه القوى تمثّل شريكاً سياسياً صاعداً داخل أوروبا، أكثر من كونه مجرد مجاملة دبلوماسية. حرب الإبادة وإعادة تعريف التحالفات شكّلت حرب الإبادة في غزة، منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، نقطة ارتكاز مركزية في تسريع وتيرة التقارب بين حزب "فوكس" وإسرائيل، بل يمكن القول إنها أعادت تعريف طبيعة هذا التقارب نفسه. ففي الوقت الذي تصاعدت فيه الانتقادات الشعبية والرسمية في إسبانيا وأوروبا للحرب الإسرائيلية، وخرجت تظاهرات واسعة في مدريد وبرشلونة ومدن أوروبية أخرى تندد بالحرب، اختار "فوكس" الاصطفاف الكامل مع تل أبيب، ليس فقط سياسياً، بل خطابياً وإيديولوجياً. وقد تجلّى هذا الاصطفاف في تبنّي الحزب السردية الإسرائيلية الكاملة حول الحرب، التي تقوم على اختزال الصراع في مواجهة مع "الإرهاب الإسلامي"، مع التركيز شبه الحصري على حركة حماس، وحزب الله على الجبهة اللبنانية، وتجاهل السياق الأوسع المتعلّق بالاحتلال وحقوق الفلسطينيين. فقيادات الحزب، وعلى رأسهم سانتياغو أباسكال، لم يكتفوا بإدانة هجمات 7 أكتوبر 2023، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك عبر نفي أي مشروعية سياسية أو وطنية للمقاومة الفلسطينية، ورفض الحديث عن دولة فلسطينية أو حقوق تقرير المصير، وهو ما ظهر بوضوح في معارضة الحزب لقرار الحكومة الإسبانية الاعتراف بفلسطين في مايو 2024. وقد تُرجم هذا الخطاب إلى مواقف سياسية عملية، مثل الدعوة في إبريل/نيسان 2024 إلى وقف تمويل وكالة "أونروا"، وتصعيد هذا الموقف في نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه داخل البرلمان الأوروبي، حيث طُرحت مطالب بتصنيف الوكالة "منظمة إرهابية". اليمين الإسباني المتطرف يعيد إنتاج خطاب إسرائيل وفي حديثه لـ"العربي الجديد"، يرى الباحث والمحلل السياسي خورخي راموس أن "فوكس يعيد إنتاج خطاب إسرائيل بالكامل داخل الساحة الأوروبية عموماً، والإسبانية بشكل خاص، بما في ذلك نزع الشرعية عن الفاعلين الفلسطينيين، وتحويل الصراع إلى مسألة أمنية صرفة". ويضيف أن "هذا التحول يجعل الحزب أقرب إلى دور الفاعل المندمج في استراتيجية أوسع، وليس مجرد حزب وطني يتخذ مواقف خارجية". من جهته، يشير الصحافي والمحلل السياسي إغناسيو دي أوغارتِه إلى أن "الخطاب الذي يتبناه فوكس حول حماس لا يختلف كثيراً عن خطاب الحكومة الإسرائيلية، إذ يتم استخدامه لتبرير سياسات أوسع، تشمل رفض أي نقاش حول الحقوق الفلسطينية أو القانون الدولي". ويؤكد، لـ"العربي الجديد"، أن "الحزب يذهب أبعد من ذلك أحياناً، عبر ربط القضية الفلسطينية بشكل عام بالإرهاب، وهو ما يساهم في إلغاء الفوارق بين الفاعلين السياسيين والمدنيين". آنا لوبيز أورتيغا: ما يحدث بين إسرائيل و"فوكس" إعادة تموضع ضمن محور دولي جديد أما الباحثة المتخصصة في شؤون اليمين المتطرف آنا لوبيز أورتيغا فتؤكد، لـ"العربي الجديد"، أن "ما يحدث بين إسرائيل وحزب فوكس، بشكل عام، هو إعادة تموضع ضمن محور دولي جديد، حيث يتم توظيف الحرب في غزة لإعادة صياغة الخطاب السياسي لليمين المتطرف حول الهوية والأمن". وتضيف أن "فوكس يستخدم الصراع لتغذية سردية الحضارة المهددة، التي تضع الإسلام ــ وليس فقط الإسلام السياسي ــ في موقع الخصم". إيران: اختبار الاستراتيجية والاقتصاد إذا كانت حرب الإبادة في غزة قد كشفت البعد الأيديولوجي في علاقة "فوكس" بإسرائيل، فإن التصعيد مع إيران، خصوصاً، منذ أواخر 2025 وبداية 2026، أظهر بوضوح أن هذه العلاقة دخلت طوراً أكثر تعقيداً، يتداخل فيه الاستراتيجي بالاقتصادي والاجتماعي. فمع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير/شباط الفائت، وارتفاع منسوب التوتر في مضيق هرمز، انعكست الأزمة سريعاً على الاقتصاد الأوروبي، بما في ذلك إسبانيا، من خلال ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف النقل. وأصابت هذه التداعيات بشكل مباشر قطاعات تُعدّ من القواعد الانتخابية التقليدية لـ"فوكس"، مثل المزارعين، وسائقي النقل، وأصحاب المشاريع الصغيرة. ورغم ذلك، اختار الحزب الاصطفاف الكامل مع إسرائيل والولايات المتحدة. ففي مارس/آذار 2026، ومع طرح الحكومة الإسبانية إجراءات اقتصادية للتخفيف من آثار الأزمة، أعلن سانتياغو أباسكال، زعيم الحزب، رفضه دعمها مسبقاً، في موقف قدّم الحسابات الجيوسياسية على الاعتبارات الاجتماعية والاقتصادية الداخلية. وقد عكس هذا السلوك تحوّلاً نوعياً في طبيعة اليمين الإسباني المتطرف إذ لم يعد هذا التيار يركّز فقط على قضايا الهوية والهجرة، بل بدأ يتبنّى ما يمكن وصفه بـ"رؤية جيوسياسية صلبة"، تُعيد تفسير العالم باعتباره ساحة صراع بين محاور حضارية. في هذا السياق، يقول الباحث الإسباني في العلاقات الدولية كارلوس خيسوس، لـ"العربي الجديد"، إن "اليمين المتطرف الأوروبي، ومنه فوكس، ينظر إلى إيران بوصفها رمزا لمحور أوسع يُقدَّم باعتباره تهديداً للحضارة الغربية". ويضيف أن "هذا التصور يجعل من إسرائيل شريكاً استراتيجياً طبيعياً، يتجاوز الاعتبارات الظرفية أو الأيديولوجية". خورخي راموس: ما نشهده اليوم هو إعادة تشكيل للتحالفات على أساس المصالح الأمنية والاقتصادية من جهته، يشير المحلل السياسي خورخي راموس، لـ"العربي الجديد"، إلى أن "ما نشهده اليوم هو إعادة تشكيل للتحالفات على أساس المصالح الأمنية والاقتصادية، حيث تصبح الطاقة وسلاسل الإمداد جزءاً من المعادلة السياسية". ويوضح أن "مواقف فوكس من الأزمة مع إيران تكشف عن استعداد لتحمّل كلفة داخلية مقابل الحفاظ على موقعه داخل هذا المحور". أما الخبير في الاقتصاد السياسي سانتياغو نينو فيرى أن "التقارب بين اليمين المتطرف وإسرائيل يحمل أيضاً بعداً اقتصادياً غير مباشر، يتعلق بالرهان على نماذج أمنية وتكنولوجية، خصوصاً في مجالات الدفاع والمراقبة والحدود". ويضيف، لـ"العربي الجديد"، أن "إسرائيل تُقدَّم داخل خطاب هذه الأحزاب بوصفها نموذجاً لدولة قادرة على الجمع بين الأمن والاقتصاد، وهو ما يمنح هذا التحالف جاذبية إضافية". ولا يمكن فصل هذا التحول عن البعد الاجتماعي. فخطاب "فوكس" حول إيران لا يقتصر على السياسة الخارجية، بل يُعاد توظيفه داخلياً ضمن سردية أوسع تربط بين "التهديد الخارجي" و"الخطر الداخلي"، سواء عبر الهجرة أو ما يسميه الحزب "التغلغل الثقافي". وبهذا المعنى، تصبح إيران ـ مثلها مثل حماس ـ جزءاً من خطاب يهدف إلى تعبئة القاعدة الانتخابية حول فكرة "الحصار الحضاري". ومهما يكن من أمر، لا يمكن فهم هذه العلاقة في إطارها الإسباني فقط. فـ"فوكس" جزء من شبكة أوروبية أوسع، تضم قوى مثل حزب فكتور أوربان في المجر (فيديز)، ومارين لوبان في فرنسا (التجمع الوطني)، وماتيو سالفيني في إيطاليا (الرابطة). وهذه الشبكة، التي تتقاطع في إطار مجموعات مثل "باتريوتس"، تعمل على بناء محور سياسي جديد داخل أوروبا، يجد في إسرائيل شريكاً طبيعياً. ويعكس هذا البعد العابر للحدود تحوّلاً في طبيعة اليمين المتطرف نفسه: من حركات قومية منغلقة إلى فاعل دولي منسّق، يمتلك خطاباً مشتركاً وشبكة علاقات تتجاوز الحدود. غير أن المفارقة الكبرى في هذه العلاقة هي أنها تتجاوز إرثاً تاريخياً ثقيلاً. فبعض رموز اليمين المتطرف الأوروبي ينحدرون من خلفيات مرتبطة، بشكل أو بآخر، بتاريخ معادٍ لليهود. ومع ذلك، فإن البراغماتية السياسية أعادت صياغة التحالفات، بحيث لم يعد الماضي عائقاً أمام الحاضر. هنا، يتجلى أحد أهم ملامح النظام الدولي الجديد: تراجع الأيديولوجيا الصلبة لصالح تحالفات مرنة تقوم على المصالح والتهديدات المشتركة. وهكذا، في ظل حرب الإبادة على غزة، والعدوان على إيران، وصعود اليمين في أوروبا، تبدو العلاقة بين حزب فوكس ممثل اليمين الإسباني المتطرف وإسرائيل مرشحة لتجاوز المجاملات الدبلوماسية، حيث صارت تتداخل فيها الأبعاد الجيوسياسية والاقتصادية. وفي هذا الإطار، يمكن قراءة تصريح أباسكال بأن "عالماً بلا نظام طهران سيكون أفضل" ليس فقط بوصفه موقفا سياسيا، بل تعبيرا مكثفا عن هذه الرؤية، وهو ما ردّ عليه نتنياهو قائلاً: "أنتم رفاق السلاح".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية