الجرائم مادةً للترفيه... حكايات مصرية تُروى في الشارع والشاشة
عربي
منذ ساعة
مشاركة
لم تعد الجرائم في مصر مجرد وقائع محفوظة في أرشيف المحاكم، بل تحوّلت إلى مادة خام تتسابق الدراما التلفزيونية والسينما على إعادة إنتاجها. وخلال السنوات الأخيرة، حضرت في المشهد الفني موجة متصاعدة من الأعمال المستوحاة من قصص حقيقية، لم تأتِ في سياق عابر، بل فرضت حضورها بقوة، وأثارت نقاشات داخل الرأي العام، نظراً إلى ما تنطوي عليه من حساسية تتعلق بإعادة تمثيل أحداث واقعية، معظمها عنيف، ضمن إطار درامي موجّه إلى الجمهور. ومن بين هذه الأعمال التي طُرحت أخيراً، يبرز مسلسل "حكاية نرجس" (تأليف عمار صبري، وفكرة وإخراج سامح علاء)، الذي أدت بطولته الممثلة ريهام عبد الغفور خلال الموسم الرمضاني الماضي، إلى جانب فيلم "سفاح التجمع" (تأليف وإخراج محمد صلاح العزب)، الذي لم يُتح له الاستمرار في دور العرض، إذ رُفع بعد يوم واحد فقط من طرحه، عقب اعتراض الرقابة على المصنفات الفنية بسبب ما تضمنه من مشاهد قاسية تجسّد وقائع إجرامية عنيفة. لا يقدّم "حكاية نرجس" مجرد معالجة درامية، بل يستند إلى واقعة حقيقية عُرفت في مصر باسم "عزيزة بنت إبليس" ويعيد تقديم واحدة من أكثر القضايا حساسية، وهي خطف الأطفال، في سياق يرتبط أيضاً بضغط اجتماعي قاسٍ مرتبط بتأخر الإنجاب. تدور أحداث المسلسل حول امرأة تعاني من هذا الضغط، ما يدفعها تدريجياً إلى ادعاء الحمل، قبل أن تنزلق إلى خطف الأطفال ونسبهم إلى نفسها، في محاولة لتعويض الحرمان وإثبات ذاتها اجتماعياً. تعود القصة الأصلية إلى ثمانينيات القرن الماضي في الإسكندرية، حين بدأت المتهمة بادعاء الحمل، قبل أن تختطف طفلاً من مستشفى بعد انتحال صفة ممرضة، ثم كررت الجريمة مرات عدة، وصولاً إلى الاتجار بالأطفال، إلى أن كُشف أمرها في أوائل التسعينيات، وحُكم عليها بالسجن. عن دورها، قالت عبد الغفور في تصريحات سابقة لـ"العربي الجديد" إنه يمثل "تجربة إنسانية كثيفة، جعلتها تتأرجح بين التعاطف مع الشخصية والانخراط الكامل في معاناتها، في عمل لم يكتفِ بطرح دراما تقليدية، بل قدّم رحلة نفسية معقّدة اختبرت حدود الأداء والقدرة على التحوّل". أما وقائع قضية "سفاح التجمع"، فتعود إلى عام 2015، حين عُثر على عدد من الضحايا داخل نطاق منطقة التجمع في القاهرة الجديدة، ما أثار حالة من القلق المجتمعي والارتباك الأمني، خاصة مع تكرار الحوادث على نحو يكشف عن نمط إجرامي متشابه. ومع تعمق التحقيقات، تبيّن وجود خيط رابط بين هذه الوقائع، الأمر الذي عزّز فرضية وجود قاتل متسلسل. كشفت التحريات أن الجاني كان يعتمد في تنفيذ الجرائم على استدراج ضحاياه، وكانت الغالبية العظمى منهن من النساء، بوسائل تتسم بالمراوغة والخداع، قبل أن يقتلهن ويتخلّص من جثامينهن في أماكن نائية. وعام 2017، تم التوصل إلى هويته وإلقاء القبض عليه، لتتكشف لاحقاً تفاصيل صادمة تتعلق بدوافعه وسلوكياته. في السياق نفسه، لم تقتصر المعالجة الدرامية على هذه القضية، بل امتدت لتشمل نماذج أخرى من الجرائم الواقعية، من بينها مسلسل "سفاح الجيزة" (محمد صلاح العزب أيضاً)، الذي أدى بطولته الممثل أحمد فهمي، وعُرض عام 2023 مستنداً إلى قصة حقيقية، إضافة إلى مسلسل "ورد وشيكولاته" من بطولة محمد فراج وزينة، وتناول جريمة مقتل المذيعة شيماء جمال على يد زوجها القاضي أيمن حجاج، وهي القضية التي استحوذت على اهتمام الرأي العام لفترة طويلة. ليس هذا التوجه وليد اللحظة، بل يمتد إلى تاريخ سابق في الدراما المصرية، إذ تناولت العديد من القصص الواقعية التي رسخت حضورها في الذاكرة الجمعية، ومن أبرزها مسلسل "ريا وسكينة" (قصة إبراهيم عيسى وسيناريو مصطفى محرم وإخراج جمال عبد الحميد)، الذي عُرض عام 2005، وأدت بطولته سمية الخشاب وعبلة كامل، مستنداً إلى واحدة من أكثر القضايا الجنائية إثارة في تاريخ المجتمع المصري، حين ارتكبت الشقيقتان سلسلة من جرائم القتل في الإسكندرية مطلع القرن العشرين. وقد حظيت هذه القصة بمعالجات فنية متعددة في السينما والمسرح والإذاعة، وكان أبرزها العرض المسرحي الشهير (شادية وسهير البابلي) الذي حقق نجاحاً جماهيرياً، بما يعكس عمق حضورها في الوعي الجمعي. ورغم هذا الانتشار اللافت، يظل التساؤل قائماً بإلحاح: لماذا يلجأ صناع الفن إلى تحويل القصص الحقيقية إلى أعمال درامية؟ وهل يمثل ذلك نوعاً من الاستسهال وضمان الجذب الجماهيري، أم خياراً إبداعياً معقداً يتطلب جهداً مضاعفاً؟ في هذا السياق، يؤكد المخرج جمال عبد الحميد (مسلسل "ريا وسكينة") أن التعامل مع القصص المستمدة من الواقع لا ينطوي على سهولة كما قد يُتصور، بل يتطلب جهداً بحثياً دقيقاً وتقصياً معمقاً لمختلف تفاصيل الواقعة، بهدف الإحاطة بجوانبها كافة، وتجنب الوقوع في التحيز أو إغفال زوايا قد تؤدي إلى تشويه الحقيقة. يضيف أن دافعه لتقديم العمل لم يكن إعادة إنتاج ما قُدم سابقاً، بل تفكيك السرديات المغلوطة التي شاعت حول القصة، مستنداً إلى رواية إبراهيم عيسى المعتمدة على التحقيقات الرسمية، ما منح العمل درجة أعلى من الدقة. ويشير إلى أن انجذاب الجمهور لهذه الأعمال يرتبط بطبيعتها التشويقية، خصوصاً حين تكون الجريمة استثنائية، كما في حالة "ريا وسكينة"، التي شكّلت سابقة تاريخية لصدور حكم بالإعدام على سيدات. بدورها، تقول سمية الخشاب إن تجسيد شخصية سكينة كان من أكثر التحديات تعقيداً في تجربتها، ليس فقط لصعوبة الأداء، بل لكون الشخصية حقيقية وتحمل أبعاداً نفسية مظلمة، ما يفرض على الممثل التزاماً عالياً بالصدق والدقة. تشير إلى أن العمل تطلب جهداً إنتاجياً كبيراً لإعادة بناء البيئة الزمنية بكل تفاصيلها، من الديكورات إلى العناصر البصرية الدقيقة. ولفتت إلى التحدي الشخصي الذي واجهته، خاصة في ظل تشكيك بعضهم بقدرتها على أداء الدور، قبل أن يحظى دعم فريق العمل بثقة في تقديمها للشخصية. أما مؤلف ومخرج فيلم "سفاح التجمع"، محمد صلاح العزب، فيقدّم مقاربة مختلفة، موضحاً أن العمل لا يهدف إلى استعراض الجرائم بقدر ما يسعى إلى الغوص في البنية النفسية للجاني، من خلال طرح أسئلة تتعلق بطريقة تفكيره، ومشاعره أثناء ارتكاب الجريمة، وما إذا كان يختبر التردد أو الندم. ويؤكد أن العمل، رغم استناده إلى وقائع حقيقية، لا يمكن أن يكون نسخة مطابقة للواقع، إذ تفرض الدراما إعادة تشكيل الأحداث ضمن إطار فني يحقق التماسك السردي. يرى نقاد أن دراما الجرائم لا تقدم أي رسائل بل تبحث عن الترند في الإطار النقدي، ترى الناقدة خيرية البشلاوي أن تقديم القصص الواقعية يمكن أن يكون ذا قيمة حقيقية إذا وُظف بوعي، بعيداً عن الإثارة المفرطة أو الاستعراض الفج للعنف، مع الحفاظ على جوهر القصة. وتشدد على ضرورة إخضاع هذه الأعمال لعملية "تنقية" فنية توازن بين الصدق والاعتبارات البصرية، لافتة إلى أن لها بعداً توعوياً مهماً، لكنها تتطلب في المقابل قدراً عالياً من المسؤولية المهنية. بدوره، يربط أستاذ علم الاجتماع السياسي، سعيد صادق، هذه الظاهرة بطبيعة الجمهور، الذي ينجذب إلى الجرائم الكبرى لما تحمله من عناصر تشويق، مشيراً إلى أنّ صنّاع الفن يدركون ذلك ويستثمرون في شهرة القضايا الأصلية، خاصة حين ترتبط بشخصيات عامة أو مواقع حساسة. يضيف أن تأثير هذه الأعمال لا يتوقف عند حدود المشاهدة، بل يمتد إلى إثارة نقاشات مجتمعية، وقد يسهم في رفع الوعي وتشجيع الأفراد على عدم الصمت تجاه الجرائم، في حين يتحرك المنتج في النهاية وفق منطق استثماري يبحث عن أكثر المواد جذباً وانتشاراً.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية