عربي
بدعوة من الرئاسة السورية، تلقى كاتب هذه المقالة، بصفته أكاديمياً وباحثاً سياسياً، دعوة إلى حضور لقاء مع الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، بمناسبة عيد نوروز، رأس السنة الكردية، والعيد القومي للشعب الكردي. حضر اللقاء ممثلون عن المجلس الوطني الكردي، ونشطاءُ وكتّابٌ ومثقفون وسياسيون كرد من عفرين، كوباني، ريف الرقّة، دمشق، وبحضور محافظي حلب، الحسكة، الرقّة، حيث أماكن الوجود التاريخي للكورد، إضافة إلى رئاسة إدارة الشؤون السياسية في الحسكة.
جاء اللقاء بعد أكثر من نصف قرن من حصر الوجود الكردي في دمشق، إما طلاباً وإما عسكريين وإما مرضى. وسبق أن استشهد سليمان آدي برصاص الحرس الجمهوري السوري، نتيجة تنظيم الكرد تظاهرة منظّمة باتجاه القصر الجمهوري عام 1986، كذلك قتل ثلاثة أطفال عام 2008، فقط لأنهم كانوا يرقصون على نار النوروز في الحي الغربي لمدينة قامشلو. وهذه هي المرّة الأولى في تاريخ الكرد التي يحضر فيها هذا العدد الكبير الذي تجاوز 70 شخصاً، للاحتفال بعيد نوروز، واللقاء مع الرئيس. وبعد أن أقلت الحافلات الوفد من رئاسة مجلس الوزراء، ووصولهم إلى قصر الشعب، وجلوس الحضور كُلٌّ وفق المكان المُخصص، دخل الشرع، مُلقياً التحية والتهنئة بأعياد الفطر والأم والثورة ونوروز.
أكثر ما لفت انتباهي، رفض الرئيس ربط إصدار المرسوم التشريعي رقم 13 الضامن حقوق الكرد السوريين، بأي أسباب أو مكاسب سياسية، مؤكّداً "الحقوق المشروعة للكرد، وأهمية العمل المشترك والصدق لبناء دولة قوية، ويعمّ الخير للجميع. وأن العيد الأكبر لنا جميعاً هو هذا الاجتماع، وأن الخلاف والفرقة خلال ستين عاماً كان شرّاً للجميع، ويُمكن للاتفاق أن يكون الخير الوفير للجميع. وأن حقوق الكرد في سورية هو إيمان بحقٍّ وواجبٍ لشعبٍ نعيش معاً منذ مئات السنين، لذا الأفضل أن نتقاسم الحقوق معاً ونؤدّي واجباتنا، وأن تبدأ حقبة جديدة في سورية، بعناوين توفّر فيها الراحة للجميع". مضيفاً أن النظام السوري البائد أضرّ الجميع، ولا بيت في سورية لم ينله الأذى. وقال الشرع: "قبل وصولي إلى دمشق، كنت أتألّم بمصابكم، ولا يجب أن نبقى أسرى الماضي والبكاء على الأطلال ونفتقد الحلول. لنتجاوز المرحلة، حيث توجد فرصة ثمينة في سورية. ونبني قانوناً نتشارك فيه جميعاً عبر سلطته، وأن تكونوا جزءاً من بناء القانون أمرٌ مهمٌّ جدّاً. تعالوا لنطوي الصفحة الماضية وأن تجتمع القلوب والأيادي معاً، ونواجه التحدّيات وبناء سورية معاً، وهو العنوان الأبرز للنصر". وأضاف: "الثقافة الكردية غنيّة، وتنوعنا الثقافي بين الكرد والعرب إثرائي لسورية. ويوجد خبرات كبيرة في المكون الكردي يجب أن تتاح لها الفرصة للمشاركة في بناء الوطن، وأن يُصبح لهم وعنوان وتاريخ جديد يخالف ما سبق. فأول مرة في تاريخ سورية، يجتمع الكرد في القصر الجمهوري، والذي يمثل رأس الدولة ونحتفل معاً، ونكتب التاريخ بأيدينا، وهذا مهم ونرفع راسنا فيه جميعاً، ونكون قد أدّينا جزءاً من واجبنا، ولا يزال الطريق طويلاً بيننا. ولن نكتفي بإصدار مرسوم، ويجب أن يتطلب ممارسة على أرض الواقع. والمهم استمرار التواصل وتطويره إلى برامج عمل لمصلحة عموم المواطنين، وليس فقط الكرد، المكوّنات يحتاج بعضها لبعض، والأهم أن تُشاهد بعضها عامل قوة ودعم".
الحلول السياسية والحقوق الطبيعية للشعب الكردي إنما تؤخذ من دمشق، وعبر القنوات السياسية والدبلوماسية
... الواضح هنا أن ثمّة ضوءاً خافتاً في نهاية النفق، بدأ بالظهور، ولن يتوسع ما لم يضم جميع أبناء سورية. الشراكة في بناء الدولة الجديدة، واستثمار الفرص للمصلحة العامة والأجيال القادمة، ترتبط بالقرارات الحالية، هذه التي يجب أن تؤخذ جماعياً، فالشراكة السياسية الدستورية الضامن الحقيقي لكل ما سبق. والأمن والعدالة والمساواة لا تتحقق إلا عبر ربط الذهنيات أولاً، قبل ربط الجغرافية، فالولاء والمواطنة لا يُبنيان إلا عبر نواظم قانونية. وهو ما تلمسناه في زيارة القصر الجمهوري ولقاء الرئيس الشرع. وفي المقابل، على الكرد عدم البقاء في دائرة المظلومية والشكوى، فالتغيير والشراكة يتمان عبر مسارات متلازمة. والمظلومية التاريخية التي أُلحقت بالكرد، وهي مظلومية إفناء ومحق تاريخي لا مجال للتشكيك فيها أبداً. هي واقع حال، والحلول في المعالجة المشتركة.
في التاريخ السياسي: لم تتمكّن الحركة السياسية، ولا الأكاديميون ولا مجمل أبناء الشعب الكردي، من إحداث خرقٍ على مستوى إقامة العلاقات مع الجانب السوري الرسمي. ودائماً لجأ "البعث" والنظام السابق إلى تشكيل كيانات هشّة، وإسناد تمثيل الكرد إليهم. وللأمانة، ومع كُل المساعي التي بذلتها بعض الأطراف لحصد ثمرة نضالات الشعب الكردي، إلا أنهم فشلوا فشلاً ذريعاً، وانتهى بهم المطاف إلى خارج القوس، أو إسناد مهام فاقدة للفاعلية إليهم.
ثمّة ضوء خافت في نهاية النفق، بدأ بالظهور، لن يتوسع ما لم يضم جميع أبناء سورية
تنوّعت الكلمات والمطالب ما بين طلب مزيد من الانفتاح على الكرد وتعديل بعض القرارات، أو قضايا التنمية في كوباني والحسكة وعفرين، وما بين القراءة والمطالب السياسية للشعب الكردي، وزمن الحروب والعسكرة ولىّ، وحان وقت الدستور والحوار. وهو ما أكّده محافظ الحسكة في كلمته التي أشادت بالمرسوم رقم 13. وواحدة من القضايا المهمّة جداً طرح أحد الضيوف حصر السلاح في عفرين بيد الامن العام، وإنهاء الحالة الفصائلية.
لم يُعكر صفوة اللقاء سوى ما حصل في كوباني، من إنزال العلم السوري، على يد "مُراهق"، قال إنه فعلها ردّ فعل على المعارك السابقة. في العموم، هذا الفعل، وفي يوم عيد نوروز، مُدان وغير مقبول، ولا بد للعدالة أن تأخذ مجراها، لكنها العدالة نفسها التي يجب أن تُطبق في عفرين وطريق أعزاز، حيث التهجّم على العائدين من الاحتفال بعيد نوروز، من ضرب وتكسير للمركبات، والتهجّم بألفاظ نابية، ودعس العلم الكردي وحرقه. ... تُرى، لمصلحة من كل هذه الحدّة في التعامل، ماذا عن الأدوار غير المفعّلة للأمن العام السوري في مثل هذه الحالات. ولماذا الاعتداء على العلم الكردي، الذي لم يكن مرفوعاً أساساً في الساحة التي أُنزِل علم سورية فيها، حيث مكان احتفال الإدارة الذاتية بعيد نوروز؟ وهل ستستمر الفزعات، واللبات والهبات؟ هل يُمكن لعقل بارد أن يرفض الربط بين هذا ورغبة بعضٍ بالتخريب، رداً على مساعي الإصلاح؟
في العموم: أعتبر لقاء الوفد الكردي، وكنت منه، مع الرئيس أحمد الشرع في القصر الجمهوري نقلة نوعية، وفرصة مهمة وثمينة للكرد للتوجه صوب دمشق، والتشديد على أن الحلول السياسية والحقوق الطبيعية للشعب الكردي إنما تؤخذ من دمشق، وعبر القنوات السياسية والدبلوماسية، من دون أن أقول إن الطريق معبّد بالورود أو مفروش بسهولة، فثمة من العراقيل والتراكمات ما يعرقل أيّ تطور في علاقة الرئاسة مع مختلف المكوّنات، والكرد منها. والمواطنة الحقوقية لا تستقيم من دون نيل جميع المكونات حقوقهم، ولا يقتصر الحق على الكرد وحدهم، وغياب فئة أو مكوّن من النسيج السوري سيؤثر بمُجمل العملية السياسية في سورية. والحرب والمعارك والحلول الأمنية هي في المستويات الدنيا، والحلول السياسية والدستورية عبر الحوار هي الأساس.

أخبار ذات صلة.
استهداف إيراني لمنشآت طاقة خليجية
الشرق الأوسط
منذ 8 دقائق
إسرائيل تتحضر لمعركة «بنت جبيل»
الشرق الأوسط
منذ 14 دقيقة
هيغسيث يقيل رئيس أركان الجيش وجنرالين
الشرق الأوسط
منذ 17 دقيقة