الأرجنتين بين الذاكرة والإنكار: ميلي يعيد فتح جراح الديكتاتورية
عربي
منذ ساعة
مشاركة
في كل عام، وتحديداً في 24 مارس/ آذار، تتحول الأرجنتين إلى مسرح لذاكرة جماعية حيّة. ملايين المواطنين، من نقابات وطلاب ومنظمات حقوقية وعائلات الضحايا، يحيون "اليوم الوطني للحقيقة والعدالة"، في ذكرى الانقلاب العسكري عام 1976. لعقود، شكّلت هذه المناسبة رمزاً لإجماع وطني واسع: رفض الديكتاتورية، وإدانة جرائمها بوصفها جزءاً لا يُمسّ هوية الأرجنتين الديمقراطية. غير أن هذا الإجماع لم يعد صلباً كما كان. فبعد خمسين عاماً على الانقلاب، لم يعد هذا التاريخ مجرد استذكار للماضي، بل تحوّل إلى ساحة صراع مفتوح حول معنى التاريخ نفسه، وحدود الذاكرة، ومن يملك حق روايتها. ميلي ومحاولة إعادة صياغة الذاكرة منذ وصوله إلى السلطة عام 2023، يسعى الرئيس خافيير ميلي إلى كسر السردية التاريخية السائدة. فبدلاً من التركيز على ضحايا الحكم العسكري، يطرح خطاباً بديلاً يعيد تسليط الضوء على ضحايا "العنف اليساري" في سبعينيات القرن الماضي، مقدماً ما يسميه أنصاره "رواية أكثر توازناً". لكن هذا الطرح يتجاوز كونه مجرد إعادة قراءة تاريخية؛ إذ ينطوي على محاولة لإعادة تشكيل الذاكرة الوطنية ذاتها. فتصريحات ميلي، التي وصف فيها جرائم الديكتاتورية بأنها مجرد "تجاوزات"، تُفهم على نطاق واسع بوصفها تقليلاً من طبيعة الانتهاكات الممنهجة، وتمهيداً لتطبيع سردية تبريرية لحكم العسكر. هذا التوجه يجد صداه في تيارات يمينية عالمية، تسعى إلى مراجعة ماضيها الاستبدادي، من إسبانيا التي يُعاد فيها الجدل حول إرث فرانكو، إلى إيطاليا حيث تتصاعد محاولات إعادة تفسير الحقبة الفاشية لموسوليني. غير أن الحالة الأرجنتينية تبدو أكثر حساسية، نظراً لعمق جراحها، وقوة حضور الذاكرة فيها. جراح "نوكا ماس"… ذاكرة لا تموت جرائم الديكتاتورية العسكرية في الأرجنتين ليست مجرد مادة خلافية، بل وقائع موثقة على نطاق واسع. تقرير "نونكا ماس" (لن يتكرر أبداً)، الصادر عام 1983، وثّق نحو 9000 حالة اختفاء قسري، فيما تشير تقديرات منظمات حقوقية إلى أن العدد الحقيقي قد يصل إلى 30 ألفاً. لم تكن تلك الانتهاكات أحداثاً معزولة، بل جزءاً من منظومة قمع ممنهجة شملت مراكز اعتقال سرية، وتعذيباً واسع النطاق، وعمليات إعدام خارج القانون. ومن أكثر الصور قسوة، ما عُرف بـ"رحلات الموت"، حيث أُلقي معتقلون سياسيون ومعارضون أحياء من الطائرات في عرض البحر، للتخلص منهم، وإنكار اعتقالهم. كما شملت الجرائم انتزاع أطفال من عائلاتهم وتسليمهم لأسر مرتبطة بالنظام، في محاولة لطمس الهوية وإعادة تشكيل المجتمع. وبعد عقود، لا تزال بعض هذه القصص تُكشف، في لقاءات مؤلمة بين أبناء وأسرهم البيولوجية. هذه الذاكرة لم تكن فقط جرحاً مفتوحاً، بل شكلت أيضاً أساس تجربة عدالة انتقالية رائدة، جعلت من الأرجنتين نموذجاً عالمياً في محاسبة الأنظمة الاستبدادية. لكن هذا النموذج نفسه بات اليوم عرضة للتشكيك. من العدالة إلى ساحة صراع سياسي لم يكن التعامل مع إرث الديكتاتورية خالياً من التوتر. ففي التسعينيات، أصدر الرئيس كارلوس منعم عفواً عن قادة عسكريين ومسلحين يساريين، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً. لاحقاً، ألغيت تلك القرارات في عهد نيستور كيرشنر، واستؤنفت المحاكمات التي أدت إلى إدانة مئات المسؤولين عن الانتهاكات. إلا أن وصول ميلي إلى الحكم، أعاد فتح هذا الملف، ولكن من زاوية مغايرة. فإلى جانب تصريحاته المثيرة للجدل، برز خطاب يشكك حتى في أرقام الضحايا، كما في شعار "لم يكونوا 30 ألفاً"، الذي أصبح عنواناً لتيار يسعى إلى تقويض الرواية التاريخية السائدة ونفي أرقام الضحايا. هنا، لم يعد الخلاف قانونياً أو تاريخياً فحسب، بل تحول إلى صراع سياسي وأيديولوجي على تعريف الحقيقة ذاتها. في الأرجنتين، يُستخدم مصطلح "لا غرييتا" (الفجوة) لوصف الانقسام السياسي العميق. اليوم، تجاوز هذا الانقسام حدود السياسة التقليدية، ليصبح صراعاً على الذاكرة والهوية. إنها فجوة بين من يرون في إحياء ذكرى الضحايا واجباً أخلاقياً لا يقبل المساومة، ومن يعتبرون ذلك جزءاً من توظيف سياسي للماضي. بين من يتمسكون بالعدالة، ومن يدعون إلى "طي الصفحة". وقد ساهم خطاب ميلي التصادمي في تعميق هذه الفجوة، من خلال استخدام لغة حادة ضد خصومه، ووصم اليسار بعبارات إقصائية بنعتهم كـ"طفيليين" و"جرذان"، ما عزّز مناخ الاستقطاب الحاد. لا يمكن فهم هذا التحول من دون النظر إلى السياق الاقتصادي. فمنذ وصوله إلى الحكم، أطلق ميلي برنامجاً اقتصادياً صادماً يهدف إلى تفكيك دولة الرفاه وتقليص الإنفاق العام، مستخدماً "المنشار الكهربائي" كرمز لسياساته. الإصلاحات التي أُقرت، خاصة في سوق العمل، أثارت احتجاجات واسعة من النقابات، لكنها في الوقت نفسه حظيت بدعم شريحة من الناخبين الباحثين عن حلول لأزمة اقتصادية مزمنة. هذا التداخل بين الأزمة الاقتصادية، وإعادة تشكيل الخطاب السياسي، يخلق بيئة خصبة لإعادة طرح أسئلة الماضي، وربطها بمخاوف الحاضر. ما يجري في الأرجنتين ليس حالة معزولة. ففي أميركا اللاتينية، يتصاعد حضور اليمين، مصحوباً بمحاولات لإعادة قراءة فترات الحكم العسكري. من البرازيل إلى تشيلي، تتزايد الأصوات التي تتحدى السرديات التاريخية الراسخة. لكن الأرجنتين، بحكم تجربتها الفريدة في العدالة الانتقالية، تبقى ساحة مركزية لهذا الصراع. فبعد نصف قرن على الانقلاب، تقف الأرجنتين أمام مفترق طرق حقيقي. لم يعد السؤال فقط كيف نتذكر، بل ماذا يعني أن نتذكر. هل تبقى الذاكرة الجماعية قائمة على إدانة واضحة للديكتاتورية وجرائمها؟ أم يعاد تشكيلها ضمن سرديات جديدة تسعى إلى "إعادة التوازن" كما يقول أنصار السلطة؟ في شوارع بوينس آيرس، حيث تختلط صور الضحايا بشعارات الحاضر، تبدو الذاكرة أكثر من مجرد طقس سنوي. إنها معركة مفتوحة على معنى التاريخ، وعلى حدود الحقيقة، وعلى شكل الديمقراطية المقبلة.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية