عربي
دخل المشهد الأمني في بغداد مرحلة شديدة الحساسية بعد الهجوم الذي استهدف مقر جهاز المخابرات العراقية بطائرة مسيّرة مفخخة، أمس السبت، وأدى إلى مقتل ضابط عراقي، في تطور وصفه مراقبون بأنه تحول نوعي في طبيعة التهديدات الأمنية، خصوصاً بعدما حمّل الجهاز "جهات خارجة عن القانون" مسؤولية الاعتداء، في إشارة ضمنية لفصائل عراقية، وذلك بعدما انتقلت الفصائل التي لم يصدر عنها أي بيان يتبنى الاعتداء حتى مساء أمس، من تنفيذ هجمات إسناداً لإيران تركز على المصالح والأهداف الأميركية إلى ضرب مؤسسة سيادية تعد من أكثر الأجهزة الأمنية حساسية في العراق. يأتي ذلك في وقت تجددت فيه الغارات الجوية على مواقع لـ"الحشد الشعبي"، ليل الجمعة وفجر أمس، وأسفرت عن سقوط قتلى وجرحى.
هجوم على مقر المخابرات العراقية
وأسفر الهجوم الذي استهدف جهاز المخابرات العراقية في بغداد، عن مقتل ضابط في الجهاز وإلحاق أضرار مادية داخل المقر. وبحسب بيانات أمنية رسمية مقتضبة، باشرت الجهات المختصة تحقيقاً فورياً لتحديد الجهة المسؤولة ومسار الطائرة المسيّرة، في وقت شددت فيه السلطات على أن الاعتداء يمثل تهديداً مباشراً لمؤسسات الدولة وأجهزتها الأمنية، وليس مجرد حادث أمني معزول. وذكر الجهاز المخابرات العراقية في بيان، أن فجر أمس "تعرّض محيط موقع جهاز المخابرات الوطني في بغداد إلى استهداف إرهابي نفذته جهات خارجة عن القانون". وأضاف أن "هذا الاستهداف تسبب باستشهاد ضابط، في محاولة يائسة تهدف إلى ثني الجهاز عن أداء دوره المهني". وأكد الجهاز "مضيه في أداء واجباته الوطنية"، مشدداً على أن "هذه الممارسات الإرهابية لا تزيده إلا صلابة وإصراراً على ملاحقة مرتكبيها والمسؤولين عنها حتى إلقاء القبض عليهم وتقديمهم للقضاء لينالوا جزاءهم العادل".
وكانت خلية الإعلام الأمني، قد أعلنت في وقت سابق، أمس، تعرض مقر جهاز المخابرات العراقية في منطقة المنصور ببغداد إلى استهداف بواسطة طائرة مسيّرة مفخخة، دون أي تفاصيل أخرى. وجاء الهجوم بعد يومين من بيان لجهاز المخابرات، قال فيه إنه يتعرض لحملة ممنهجة تستهدف "دوره الوطني من خلال التشكيك بمهنيته والتحريض على قياداته وضباطه، مؤكداً إدانته لتلك الحملة التي أطلقتها فصائل مسلحة عبر منصات (وسائل تواصل اجتماعي) مرتبطة بها.
من جهته، قال مسؤول أمني في بغداد، لـ"العربي الجديد"، إن الطائرة انفجرت على سطح مبنى داخل مقر جهاز المخابرات، وأسفرت عن خسائر مادية ببرج اتصالات، مؤكداً أن طائرة ثانية تحمل رأساً متفجراً سقطت في نادي الصيد المجاور دون أن تنفجر وسط تطويق تام لقوات الأمن للمنطقة. وكشف عن أن الطائرة المستخدمة بالهجوم تشير إلى أن الجهة التي تقف خلفها فصيل مسلح، وليست إيران، أو طرفاً خارجياً.
ويأتي هذا التطور ضمن سياق تصاعدي شهدته بغداد ومدن عراقية أخرى خلال الأسابيع الأخيرة، تمثل في سلسلة هجمات صاروخية وبطائرات مسيّرة استهدفت مواقع مرتبطة بالمصالح الأميركية، من بينها السفارة الأميركية داخل المنطقة الخضراء في بغداد، وقاعدة فكتوريا في محيط مطار بغداد الدولي، إضافة إلى القنصلية الأميركية وقاعدة حرير في أربيل، شمالي العراق. وتشير المعطيات الأمنية إلى أن وتيرة هذه العمليات شهدت ارتفاعاً ملحوظاً، ما يعكس انتقال الصراع من مستوى الرسائل العسكرية المحدودة إلى مرحلة أكثر خطورة قد تفرض واقعاً أمنياً جديداً على الدولة العراقية.
وذكر بيان للسفارة الأميركية في بغداد أمس السبت أن "مليشيات موالية لإيران شنّت هجمات واسعة النطاق على مواطنين أمبركيين وأهداف مرتبطة بالولايات المتحدة في جميع أنحاء العراق"، مجددة دعوتها للمواطنين الأميركيين إلى "مغادرة العراق فوراً"، معتبرة أن "أي مواطن أميركي يختار البقاء في العراق يفعل ذلك على مسؤوليته الخاصة وبمخاطر كبيرة". وحددت السفارة "الطرق البرية إلى الأردن والكويت والمملكة العربية السعودية وتركيا"، للمغادرة.
نفذت الفصائل 27 عملية خلال الساعات الـ24 الماضية
وذكرت وسائل إعلام عراقية مساء أول من أمس الجمعة، أن قاعدة فكتوريا للدعم اللوجستي الأميركية في مطار بغداد تعرضت للقصف، بهجوم بالمسيّرات المفخخة، فيما لم تعلن السلطات العراقية تفاصيل هذا الهجوم. كما أعلنت ما تسمى "المقاومة الإسلامية في العراق"، في بيان على منصة تليغرام فجر أمس، أنها نفذت 27 عملية قصف بالطائرات المسيّرة والصواريخ خلال الساعات الـ24 الماضية في العراق والمنطقة. وقال مراسل "العربي الجديد"، أن انفجاراً نجم عن سقوط مسيّرة قرب معرض بغداد الدولي.
بالمقابل شهدت منطقة عكاشات غرب الأنبار، وطوزخورماتو بمحافظة صلاح الدين، عدة هجمات طاولت مواقع لفصائل مسلحة من "الحشد الشعبي"، وأسفرت عن سقوط قتلى وجرحى. وبحسب مصادر أمنية، لـ"العربي الجديد"، فقد أسفر القصف عن سقوط ثلاثة قتلى ونحو 12 جريحاً في مجمل تلك الهجمات، التي طاول أحدها مخزناً للسلاح.
من جهتها أعلنت "هيئة الحشد الشعبي"، في بيان أمس، مقتل أحد عناصرها وإصابة اثنين آخرين إثر "قصف أميركي" استهدف مساء الجمعة "مقرّ الفوج الرابع التابع للواء 52 ضمن قيادة عمليات الشمال وشرق دجلة في هيئة الحشد الشعبي، في موقع مطار الحليوة بقضاء طوزخورماتو". وقال مصدر عسكري عراقي لـ"العربي الجديد"، إن "مقرات هيئة الحشد الشعبي تعرضت إلى ما يقارب 90 ضربة جوية في مناطق متفرقة من البلاد منذ بداية التصعيد العسكري الإقليمي ودخول فصائل مسلحة عراقية على خط المواجهة". وأضاف أن "حصيلة تلك الضربات تجاوزت 64 قتيلاً وأكثر من 111 جريحاً من عناصر الحشد، فضلاً عن أضرار مادية كبيرة طاولت البنى اللوجستية ومواقع الانتشار". وبيّن المصدر، الذي طلب عدم ذكر اسمه أن "نمط الاستهدافات اتسم بالدقة والتركيز على مواقع يعتقد أنها ذات طابع عملياتي أو لوجستي، وليس على مقرات إدارية فقط".
دلالات تتجاوز الخسائر المباشرة
في الأثناء، رأى مختصون في الشأن الأمني العراقي أن استهداف مقر جهاز المخابرات العراقية يحمل دلالات تتجاوز الخسائر المباشرة، إذ يطرح مؤشرات على احتمالية اتساع نطاق الاحتكاك بين الأجهزة الأمنية الرسمية وبعض الفصائل المسلحة التي تنفذ عمليات عسكرية تحت عناوين مرتبطة بالصراع الإقليمي أو استهداف الوجود العسكري الأميركي. ولدى هؤلاء خشية من أن يؤدي استمرار هذا المسار إلى خلق بيئة مواجهة غير مباشرة داخل المدن، بما يضع الحكومة العراقية أمام تحد مزدوج يتمثل في حماية البعثات الأجنبية والحفاظ في الوقت ذاته على هيبة المؤسسات الأمنية الوطنية.
مجاشع التميمي: الأخطر أن مثل هذه العمليات تعمق فجوة الثقة بين الدولة وبعض القوى المسلحة
وقال الخبير بالشأن السياسي العراقي مجاشع التميمي، لـ"العربي الجديد"، إن استهداف مقر جهاز المخابرات العراقية "ليس حادثاً عابراً يمكن تجاوزه بسهولة، بل مؤشر خطير على احتمال انزلاق الصراع من مستواه التقليدي إلى مواجهة مباشرة بين الفصائل وأجهزة الدولة". وأكد أن "هذا التحوّل، إذا لم يتم احتواؤه بسرعة، فهو يهدد بتقويض ما تبقى من هيبة المؤسسات الأمنية ويفتح الباب أمام فوضى أمنية يصعب السيطرة عليها، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية مشتعلة وضغوط الحرب القائمة". وفي رأيه فإن "الأخطر أن مثل هذه العمليات تعمق فجوة الثقة بين الدولة وبعض القوى المسلحة، وتدفع باتجاه تعدد مراكز القرار الأمني"، موضحاً أن "المطلوب اليوم موقف حازم لا يقبل المساومة، يرسخ احتكار الدولة للسلاح ويمنع تكرار هذا النمط من الاستهداف".
من جهته قال الخبير في الشؤون العسكرية العميد الركن عدنان التميمي، لـ"العربي الجديد"، إن "استهداف مقر جهاز المخابرات الوطني بطائرة مسيّرة يمثل تطوراً بالغ الخطورة في مسار التصعيد الأمني، ولا يمكن التعامل معه على أنه حادث أمني عابر، بل مؤشر واضح على انتقال الصراع إلى مستوى استهداف مؤسسات الدولة السيادية بشكل مباشر". وبيّن أن "الهجوم يشكل سابقة خطيرة لأنه استهدف جهازاً استخبارياً مسؤولاً عن الأمن الوطني ومكافحة التهديدات الداخلية والخارجية، ما يعني أن الجهات المنفذة (المسؤولة عن الهجوم) أرادت توجيه رسالة تتجاوز البعد العسكري إلى تحدي هيبة الدولة وقدرتها على حماية مؤسساتها الحساسة". وأضاف أن "استخدام طائرة مسيرة في تنفيذ العملية يعكس امتلاك جهات غير رسمية قدرات تقنية متقدمة، ما يرفع مستوى التهديد الأمني في بغداد، خصوصاً مع تزايد الهجمات التي استهدفت خلال الفترة الأخيرة مواقع مرتبطة بالمصالح الأميركية، بما في ذلك السفارة الأميركية وقواعد عسكرية داخل العراق".
وأخطر ما في التطورات الأخيرة، وفق التميمي، هو "احتمال انتقال المواجهة من حرب رسائل محدودة إلى احتكاك مباشر بين الأجهزة الأمنية العراقية والفصائل المسلحة"، معتبراً أن "أي استهداف متكرر للمؤسسات الأمنية قد يدفع الدولة إلى اتخاذ إجراءات أمنية أكثر صرامة، ما قد يفتح الباب أمام تصعيد داخلي غير محسوب النتائج". وتابع التميمي أن "توقيت الهجوم، الذي جاء بعد تحذيرات سابقة أطلقها جهاز المخابرات العراقية بشأن حملات تشويه إعلامي، يثير مخاوف من وجود تصعيد مركب يجمع بين الضغط السياسي والاستهداف الأمني، ما يعقد المشهد الداخلي ويزيد من احتمالات الانزلاق نحو أزمة أمنية أوسع".
أما الخبير القانوني علي التميمي، فأوضح بحديث مقتضب مع "العربي الجديد"، أن استهداف جهاز المخابرات العراقي "يعتبر جريمة إرهابية كاملة وفقاً لقانون مكافحة الإرهاب 13 لسنة 2005، وعقوبتها الإعدام ويتوجب على الحكومة ملاحقة الجناة لتحقيق الردع".
