الدراما السورية 2026... قراءة في مستوى الكتابة
عربي
منذ ساعة
مشاركة
لا تعكس خريطة الدراما السورية هذا الموسم تراجعاً في الإنتاج، بقدر ما تكشف خللاً في بنيته الأساسية: النص. فبين وفرة في الأعمال وتنوّع في الموضوعات، من السياسي إلى الاجتماعي والعائلي، يتبدّى تفاوت واضح في جودة الكتابة، لا يوازيه بالضرورة تفاوت في نسب المشاهدة. وفي مفارقة لافتة، تحقّق بعض الأعمال حضوراً جماهيرياً واسعاً رغم هشاشة نصوصها، فيما تمرّ نصوص أكثر عمقاً من دون أثر يُذكر، ما يشير إلى أن معايير التلقّي لم تعد محكومة بصلابة الكتابة وحدها، بل بعوامل موازية، مثل النجومية، والإيقاع، وقدرة العمل على تقديم مساحة هروب من واقع ضاغط، أكثر من تفكيكه أو مساءلته. في هذا السياق، يبرز مسلسل "الخروج إلى البئر" (كتابة سامر رضوان، إخراج محمد لطفي) بوصفه أحد أكثر نصوص الموسم كثافةً سياسياً، إذ يستعيد وقائع من داخل معتقل صيدنايا في عام 2008، ليبني عليها سردية درامية تتقاطع مع تحولات إقليمية أوسع. ينطلق المسلسل في فضائه المظلم من وقائع شهدها معتقل صيدنايا عام 2008، وعلى رأسها الاستعصاء الشهير، بوصفه أرضية للتخييل المرتبط بالواقع، لا يقتصر على سورية وحدها، بل يمتد إلى العراق، حيث كانت عمليات المقاومة تنشط ضد القوات الأميركية بعد خمس سنوات على الاحتلال. في هذا السياق، تُكلّف المخابرات السورية الضابط السابق سلطان الغالب (جمال سليمان)، الذي اعتُقل بعد دخوله الأراضي السورية للعلاج إثر إصابته في غارة أميركية، بمهمة في العراق لإعادة وصل ما انقطع مع قيادات فصائل المقاومة التي كان جزءاً منها. وتنطوي المهمة على هدف مزدوج: استثمار هذه الفصائل في استنزاف القوات الأميركية وإشغالها في المستنقع العراقي، بما يبعد الأنظار عن سورية التي كان نظامها يخشى أن تكون الهدف التالي لإدارة جورج بوش بعد أفغانستان والعراق؛ وفي الوقت نفسه، محاولة احتواء الغضب الأميركي، عبر تمرير معلومات عن مواقع قيادات مطلوبة، في لعبة توازن دقيقة بين الدعم والتسريب. لكن الخطة لا تنجح، فيُعاد الغالب إلى المعتقل بعد حرية مشروطة لم تدم سوى أيام. لم يشفع له تعاونه مع خصوم الأمس، بل جعله هذا التعاون نفسه عرضةً لمزيد من الابتزاز، طاول عائلته أيضاً. ولم يعد الأمر مقتصراً على علاقته بالفصائل العراقية، بل بات أكثر إلحاحاً مع تصاعد التوتر داخل صيدنايا، حيث يسيطر المعتقلون على أقسام واسعة من السجن ويحتجزون ضباطاً وعناصر، مطالبين بالإفراج عنهم مقابل تحقيق مطالبهم. وفي ظل هذا التصعيد، تتعقد المعادلة أكثر مع ضغط قيادات الفصائل العراقية، التي تربط عدم كشف النشاط الاستخباراتي السوري الداعم للمقاومة أمام الأميركيين بالإفراج عن معتقلين في صيدنايا، ما يضع الأجهزة الأمنية السورية أمام مأزق متشابك بين الداخل والخارج. وإذا كان مسلسل "الخروج إلى البئر" ينشغل بالدهاليز السياسية والأمنية، فإن "مطبخ المدينة" يهبط مباشرة إلى قاع الواقع الاجتماعي. وعلى عادته، يقدّم علي وجيه، بالاشتراك مع سيف رضا حامد، نصاً أصيلاً من قلب هذا الواقع، يغوص في طبقة تبدو معدمة ظاهرياً، لكنه يكشف عن وجه مغاير لها، حيث يتورط بعض متزعّميها وأفرادها في أنشطة إجرامية تدرّ عليهم ثروات معتبرة. في المقابل، يعرض المسلسل طبقة أخرى مفقَرة بقيت في دمشق، أنهكتها الحرب حتى باتت حصيلة كدّها اليومي لا تتجاوز تأمين الحد الأدنى من المأكل والمأوى. يتجسّد ذلك في عائلة طلحت الجمل (عباس النوري)، الذي يعمل مع أبنائه الثلاثة في إدارة مطعم يستأجرونه، إلى جانب المسكن المتواضع الذي يقع فوقه. هذا الضيق، واليأس من تعب بلا جدوى، يدفع اثنين من الأبناء، إلى جانب شخصيات أخرى، نحو الانخراط في أعمال غير قانونية، لم يكونوا ليطرقوها لولا ظروف الحرب. وتشكّل ريما، ابنة طلحت الجمل، نقطة التقاطع بين هاتين الطبقتين. فقد خُطفت طفلة، وانقطع أثرها لاثنتي عشرة سنة، استُغلّت خلالها في التسوّل ضمن شبكة يقودها من خطفها، قبل أن يُلقى القبض عليها وتُودع إصلاحية، تتمكن لاحقاً من الهرب منها والعودة مجدداً إلى الشارع. في اتجاه مختلف، يقدّم إياد أبو الشامات في "أنا وهي وهيا" نصاً راهناً بعمق نفسي، تعزّزه رؤية إخراجية متماسكة لرنا أرناؤوط. تنطلق الحكاية من غيرة الزوج طارق (باسل خياط)، الصحافي التقليدي العاطل عن العمل، من زوجته هيا (تاج حيدر)، التي تبدأ منذ الحلقة الأولى بتقديم بودكاست يحقق نجاحاً سريعاً، ما يدفع العلاقة إلى الانهيار وصولاً إلى الطلاق، في ظل شكوك هيا في خيانة زوجها لها. يرصد المسلسل لاحقاً تداعيات هذا الانفصال على العائلة المفككة، وعلى الطفلتين تحديداً (شهد الزلق وروسيل الإبراهيم)، إذ يتجلى أثر الشرخ العائلي في سلوكهما، فتتجهان إلى تصوير مقاطع ونشرها على وسائل التواصل الاجتماعي، سعياً إلى لفت الانتباه وتعويض تراجع اهتمام الوالدين بهما. وفي محاولة لإعادة جمعهما، تلجآن إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي، عبر إرسال رسالة صوتية مزيّفة من رقم جديد بصوت والدتهما إلى والدهما، تعبّر فيها عن رغبتها في العودة، قبل أن تُكشف هذه المحاولة. كما تستخدمان هذه التقنيات في إنجاز فروضهما المدرسية. تتجلى حيوية النص في التوتر المستمر لأحداثه، إذ كثيراً ما يبدو أن أزمة بين شخصيتين تتجه نحو الحل، قبل أن تتدخل شخصية ثالثة تعيد تصعيدها وتدفعها إلى مستوى أكثر تعقيداً، ما يضيق فرص الحل ويعمّق الصراع. ورغم أن بعض هذه التدخلات يبدو مفتعلاً في البداية، ويُحيل إلى ما يشبه "نظرية مؤامرة" قابلة للتشكيك، إلا أن السرد يكشف تدريجياً عن واقعيتها. وهنا يكتسب العنوان دلالته الكاملة؛ فبين "أنا" و"هيا" توجد "هي"، المحامية سارة (رهام القصار)، الصديقة المقرّبة لهيا، التي تحرّكها دوافع نفسية مضطربة وطموحات مادية تسعى من خلالها إلى سدّ نقصها. أما في "مولانا"، فتتراجع قوة النص لصالح حضور النجم. العمل الذي أخرجه سامر البرقاوي وشارك في كتابته مجموعة من الكتّاب، بينهم المخرج، واجه اتهامات وجيهة باقتباس فكرته، أو على الأقل شرارته الأولى، من الفيلم الإيراني "السحلية"، من دون أن تنعكس هذه الضجة سلباً على جماهيريته. تتمحور الحكاية حول شخصية سليم العادل بعد أن ينتحلها جابر جاد الله (تيم حسن)، الذي رافق الشاب العائد من كندا إلى قريته لبيع أملاك عائلته قبل أن يلقى حتفه في حادث سير، ما يفتح الباب أمام انزلاق الشخصية إلى مسار جديد قائم على الهوية المزوّرة. في هذا السياق، تتراجع البطولة الجماعية، التي شكّلت تقليداً راسخاً في الدراما السورية، لمصلحة مركزية نجم واحد، إذ يهيمن حضور تيم حسن على العمل، إلى درجة يبدو معها قادراً على تعويض هشاشة في بناء الحبكة. وترافق هذه المركزية مجموعة من اللوازم الكلامية والعبارات الخاصة التي تتحول سريعاً إلى "ترند" على وسائل التواصل الاجتماعي، مدفوعة أيضاً بأدائه الذي يستند إلى تقليد شخصيات معروفة، من ياسر العظمة في "مرايا"، إلى أبو حاتم في "باب الحارة"، وصولاً إلى تقليد بشار الأسد.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية