قرى جبيل النائية... نازحون منسيّون وسط البرد والإهمال
عربي
منذ ساعة
مشاركة
يواجه النازحون في القرى النائية بقضاء جبيل، شمال بيروت، البرد القارس وشحّ الإمكانات ومحدودية المساعدات، وكأنهم في معركة يومية لتأمين أبسط مقوّمات الحياة، وسط غياب أي استجابة رسمية. من مدينة جبيل، شمال بيروت، إلى جرودها الجبلية، تتكشف مآسي النزوح في القرى اللبنانية النائية التي يجد سكانها والنازحون إليها صعوبة في تأمين مستلزماتهم الأساسية، بعدما أجبرهم العدوان الإسرائيلي المتصاعد على ترك منازلهم وبلداتهم. وفي وقت ينصبّ فيه اهتمام الدولة على المدينة، تعاني المناطق الجردية من غيابٍ شبه تامّ للمساعدات. يعيش النازحون في هذه القرى وسط ظروف قاسية، وهي القرى التي يُراوح ارتفاعها بين 800 و1400 متر عن سطح البحر، حيث البرد الشديد والانقطاع المتواصل للتيار الكهربائي، غير أنّها تبقى وجهة كثيرين منهم كونها ذات غالبية شيعية، خشية التعرّض لمضايقات ذات طابع طائفي أو سياسي في البلدات الساحلية لقضاء جبيل.  وبلغ عدد النازحين في قضاء جبيل، الذي يضم 85 بلدة، 23.453 نازحاً أي 4519 عائلة. ويقطن في مراكز الإيواء (المدارس) 765 نازحاً، فيما يبلغ عدد النازحين في الجوامع والحسينيات والمنازل 22.688 نازحاً. لم يكن هناك أي مجال لدخول مراكز الإيواء في مدينة جبيل، نظراً للإجراءات المشدّدة تجاه الصحافيين والمصوّرين. وبعد معاناة من الانتظار، استطاعت "العربي الجديد" الدخول إلى مدرسة جبيل الرابعة الرسمية، حيث كان عدد من النازحات ينهمكن في تنظيف المدرسة والحمّامات، فيما يلهو بعض الأطفال في ملعب المدرسة. وعلى عكس مراكز الإيواء الأخرى في لبنان، لا يوجد اكتظاظ في تلك المدرسة، إذ يقيم فيها 60 نازحاً موزّعين على 12 عائلة. وتغيب المبادرات الخاصة والتقديمات الاجتماعية التي اعتاد عليها النازحون خلال الحرب الإسرائيلية السابقة في العام 2024، إلى جانب نقص مستلزمات التنظيف والأغطية الشتوية التي تقيهم البرد القارس. يقول رضا بنوت، النازح من بلدة زفتا (جنوب)، إنّ المعاناة كبيرة داخل المدرسة، ويقول لـ"العربي الجديد": "نعاني من نقصٍ في الطعام، إذ تُقدَّم وجبة واحدة يومياً، ولا يمكن تناولها بسبب رداءتها. لذلك، أضطرّ إلى شراء الطعام على نفقتي الخاصة، رغم الضائقة المادية، وحتى اليوم لم نتلقَّ سوى حصة غذائية واحدة". ويتابع رضا: "لا يوجد في المدرسة مطبخ يتيح للنساء الطهي بسبب خشية إدارة المدرسة من اندلاع حريق نتيجة استخدام الغاز. ولا نعرف ماذا سيحلّ بنا إذا طالت الحرب، كما نخشى أن يُطلب منا مغادرة المدرسة في حال تقرّر استئناف التعليم الحضوري".  مساعدات شبه معدومة وظروف قاسية في المناطق الباردة بقضاء جبيل، والكهرباء مقطوعة معظم الوقت، ولا توجد مياه ساخنة للاستحمام وفي ظل هذا الواقع الأليم، يقتصر الدعم على مبادراتٍ محدودة، إذ نظم مركز السلامة الأهلي للرعاية الصحية الأولية، التابع لأحد مشايخ مدينة جبيل، جولة على النازحين من أجل إجراء فحوص طبية أولية وتأمين بعض الأدوية. وتضمّ مدرسة جبيل الرابعة الرسمية ثلاثة أطفال رُضّع ونحو 20 طفلاً تُراوح أعمارهم بين عامين وعشرة أعوام. وتتحدث نازحة من بلدة حبوش (جنوب)، عن ظروف التهجير، وتقول لـ"العربي الجديد": "هناك نقص في تأمين الحصص الغذائية، وقد جرى توزيع معلّبات وبقوليات منتهية الصلاحية، فاضطررنا إلى رميها. كما أنني بحاجة إلى أدوية بسبب مشاكل صحية في المعدة، ولم يتم تأمينها حتى الآن". وتشير النازحة التي رفضت الكشف عن هويتها، إلى أنّها تنام مع خمسة من أطفالها على فُرشٍ، من دون أيّ سجاد أو حصيرة تقيهم البرد. وفي بلدة علمات الجبلية التي ترتفع نحو ألف متر عن سطح البحر، فُتحت خمس قاعات حسينية لإيواء النازحين القادمين من الجنوب ومن الضاحية الجنوبية لبيروت. تقع إحدى الحسينيات في ساحة البلدة التي تضمّ فقط فرناً وبسطة خضار ومحلاً صغيراً لبيع المواد الغذائية. تتجمع النساء في الباحة الخارجية للحسينية في محاولة لتدفئة أنفسهنّ تحت أشعة الشمس، إذ تحولت القاعات إلى خيمٍ تفصل بينها ستائر أقمشة، فيما قُسّمت بعض الحسينيات إلى طبقة للرجال وأخرى للنساء، كي يأخذن راحتهنّ في النوم.  وتقول رنا، النازحة من بلدة الشهابية (جنوب)، إلى بلدة علمات: "الوضع صعب، فالبلدة نائية، ولا يوجد فيها سوى دكان صغير. وإذا أردنا تأمين بعض المستلزمات، نحتاج إلى سيارة. تحاول البلدية تأمين بعض الاحتياجات مثل الفُرش والأغطية، وبعض المواد الغذائية مثل الخضار والبقوليات، لنتمكن من الطهي في مطبخ الحسينية. لكننا ننتظر في طوابير كي نتمكن من الطبخ، وكذلك لاستخدام المراحيض والاستحمام". وتضيف متحدثة لـ"العربي الجديد": "لا نشعر بالراحة، وهناك خوف من مدى قدرتنا على تدبير أمورنا وتأمين مصاريف النزوح في حال طالت الحرب". قدمت الحاجة فاطمة سكيكي من بلدة دير قانون النهر (جنوب)، بعدما أمضت أربعة أيام على الطرقات قبل أن تصل إلى بلدة علمات. وهي المرة الأولى، خلال كل الحروب التي طاولت الجنوب، التي تضطرّ فيها فاطمة إلى الإقامة في حسينية، وتقول لـ"العربي الجديد": "ما نعيشه صعب للغاية. الكهرباء مقطوعة معظم الوقت، ولا توجد مياه ساخنة للاستحمام. لديّ حفيدان أخاف عليهما من المرض بسبب البرد". في ساحة بلدة علمات، وضع الشاب ياسر خير الدين (19 عاماً)، في صندوق سيارته أدوات كهربائية، أبرزها مصابيح تعمل على الكهرباء والبطارية. يتحدر ياسر من بلدة علمات بالأصل، لكنّه كان يملك مع والده محالّ تجارية في الضاحية الجنوبية لبيروت، تعرّضت لتدمير جزئي من جراء الغارات الإسرائيلية، ويقول لـ"العربي الجديد": "نحاول النهوض من آثار الحرب، وبيع جزء من البضاعة التي اضطررنا إلى شرائها مجدداً، لنتمكن من تأمين بعض الأموال خلال هذه الفترة".  وكان خير الدين يتابع دراسته الجامعية في علوم الكمبيوتر، لكنه لم يعد قادراً على حضور محاضراته عن بُعد بسبب رداءة خدمة الإنترنت، إذ يلجأ أساتذته إلى تسجيل المحاضرات ليتابعها لاحقاً. ويضيف: "إسرائيل تقتل أحلامنا باستهدافها الضاحية الجنوبية. نحن، لحسن الحظ، نملك منزلاً في البلدة، لكن أوضاع النازحين صعبة، خصوصاً أن المنطقة باردة جداً في فصل الشتاء وتتطلب وسائل تدفئة كبيرة". من جهته، يقول رئيس بلدية علمات محمد عواد، في حديث خاص لـ"العربي الجديد"، إنّ البلدة تضمّ خمسة مراكز إيواء موزّعة على خمس حسينيات، وتستقبل نحو 200 عائلة، فيما تتوزّع نحو 500 عائلة بين منازل مستأجرة وأخرى تستضيف نازحين. ويشير عواد إلى أن البلدة التي ترتفع نحو ألف متر عن سطح البحر، تُعدّ من القرى النائية والباردة جداً، ما يفاقم حاجة مراكز الإيواء إلى وسائل التدفئة. ويوضح أنّ البلدة تفتقر إلى مقوّمات الحياة الأساسية، إذ لا تتوفر فيها محال تجارية كبيرة أو ملاحم، إلا أن البلدية عمدت إلى افتتاح فرن للمناقيش، تُوزّع منه وجبات صباحية مجانية على النازحين. ويتحدث عواد عن مبادرات فردية من أبناء البلدة لجهة تقديم وجبات طعام ومستلزمات الطهي، بما يتيح للنازحين إعداد طعامهم بأنفسهم"، ويؤكد أنّ مساعدات الدولة تكاد تكون معدومة، خصوصاً في المناطق الجردية، ويختم بالقول: "الدولة ليس لديها ما تقدّمه". وفي مطبخ إحدى حسينيات بلدة علمات، تجتمع النساء للمساعدة في تحضير وجبة الإفطار، في ظل عزوفهنّ عن تناول الوجبات التي توفّرها إحدى المنظمات الدولية، والتي غالباً ما تُرمى لعدم استساغتها. وفي حديث خاص لـ"العربي الجديد"، تقول دارين كركي، النازحة من بلدة خربة سلم (جنوب): "إنّها المرة الأولى التي أقيم فيها في مركز إيواء، بعدما ضاقت بنا السبل أنا ووالدتي المسنّة. جئنا إلى البلدة، وانصدمنا بحسن معاملة أهلها". من جهتها، تضيف رشيدة سويدا، النازحة من بلدة كفرصير (جنوب)، بينما تغسل الصحون: "نواجه هنا مشكلة غلاء الأسعار. فالبلدة نائية، وفيها محل تجاري واحد يستغلّ الأزمة، إذ ترتفع أسعار السلع يومياً، حتى الخضار. لا يمكننا الاعتماد على وجبات الطعام التي لا تُؤكل، علماً أنّ بقية الاحتياجات متوفرة". وفي مشهد يعكس قسوة النزوح، تقف رولا فوعاني أمام حسينية في بلدة علمات، وقد فرشت في صندوق سيارتها ملابس وبيجامات شتوية لبيعها، وتقول لـ"العربي الجديد": "لستُ بائعة، ولم يكن لديّ محل تجاري. لقد تهجّرنا من حيّ السلم في الضاحية الجنوبية لبيروت، واستأجرتُ في بلدة علمات غرفة مع حمّام صغير. أبيع الملابس لأؤمّن مادة المازوت من أجل تدفئة ابنتيّ". وتضيف: "أنا نازحة، أشعر بغيري، ولا يمكنني استغلال أوضاعهم المادية، لكن في البلدة هناك غلاء مبالغ فيه، إذ إنّ طبخة واحدة تُكلّفنا قرابة 30 دولاراً أميركياً يومياً". تعبّر فوعاني عن ألمها من مرارة التهجير، وتقول: "هذه كسرة نفس كبيرة، كنت أبكي في السيارة، لم أكن أتخيّل أنني سأقف في البرد لبيع الملابس لنازحين خرجوا قسراً من دون أغراضهم".  وتتحدّث الحاجة مريم مهدي، من بلدة شيحين الحدودية، عن تهجيرها للمرة الثالثة، بعدما تنقّلت بين بلدات برج الشمالي والعباسية وحبوش في جنوبي البلاد، لتستقر أخيراً في بلدة بزيون في قضاء جبيل، وهي بلدة جردية نائية يصعب الوصول إليها. تقيم الحاجة مريم مع نحو 50 نازحاً في حسينية تلك البلدة التي ترتفع نحو 800 متر عن سطح البحر، وتفتقر إلى مجلس بلدي، ولا يتولى شؤونها سوى مختار يحاول تأمين بعض المستلزمات، فيما منازلها محدودة جداً، ولا تضمّ حتى دكاناً صغيراً، وتقول لـ"العربي الجديد": "نزحتُ إلى أكثر من منطقة منذ بدء العدوان الإسرائيلي من الحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلة في أكتوبر/ تشرين الأول 2023. لا أعلم إن كان قلبي سيتحمّل كل هذا الأسى". وتسأل الحاجة مريم: "هل أصبحنا شعباً ينتظر الإعاشة والحصص الغذائية بعد أن كنا نعيش بعزّ وكرامة؟". وفي البلدة النائية ذاتها، تقول لبنى فحص، التي نزحت من بلدة جبشيت (جنوب)، لـ"العربي الجديد": "البرد هنا قارس جداً. لا توجد وسائل تدفئة، ونعتمد فقط على الأغطية. كما تأتي منظمة دولية بوجبة يومية، لكنها تصل باردة ولا تُؤكل، فيما لا تصلنا المساعدات بشكل كافٍ لكوننا في منطقة جردية بعيدة". أمّا بلدة رأس أسطا التي ترتفع نحو ألف متر عن سطح البحر، فقد شكّلت أيضاً وجهة للنازحين، حيث تقيم مجموعة من العائلات في حسينية البلدة ضمن ظروف صعبة. وتقول نرجس ترمس، النازحة من بلدة طلوسة الجنوبية الحدودية: "لم تُوزَّع أي حصص غذائية، فاضطررنا إلى شراء احتياجاتنا بأنفسنا. كما أن البلدية تقدّم فقط الخبز وبعض مستلزمات الأطفال، لكننا لم نلمس أي حضور للدولة". تشكو نرجس من جفاف يديها وتشققهما نتيجة البرد وغسل الملابس يدويّاً، وتضيف متحدثة لـ"العربي الجديد": "نشاهد عبر التلفاز مراكز الإيواء في المدن التي تتوفر فيها احتياجات عديدة، أهمها المطابخ والمواد الغذائية، فيما نحن متروكون من دون أيّ اهتمام. صحيح أنّ هناك مدفأة غاز صغيرة، لكن شراء الغاز يكون على نفقتنا الخاصة، ولا يمكننا تدبّر المصاريف لفترة طويلة". وتختم بالقول: "المناطق النائية تفتقر أصلاً إلى مقوّمات الحياة في الأيام العادية، فكيف يمكنها الاعتماد على ما هو متوفر فيها خلال الحرب؟ وما يتوفر يكون بأسعار مرتفعة جداً، ونحن قلقون على أوضاعنا في حال طالت الحرب". من جهته، يقول رئيس بلدية رأس أسطا محمد حيدر أحمد، لـ"العربي الجديد": "تضمّ البلدة 1310 نازحين، أي نحو 310 عائلات، موزّعين بين مركز سانتا ماريا للعناية الصحية، ومسجد البلدة، وحسينيتها".  وقد تمكّنت بلدية رأس أسطا من تأمين 130 حصة غذائية فقط، إضافة إلى كميات محدودة من المازوت، فيما تعاني البلدة من انقطاع المياه، وتحاول البلدية تأمينها بالحدّ الأدنى، كما وزّعت بعض مدافئ الغاز على النازحين، إلا أن كلفة تأمين الغاز تبقى على نفقة النازحين. ويشير حيدر أحمد إلى أن مساعدات الدولة "شبه غائبة"، لافتاً إلى أنّه تلقّى اتصالاً من مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية يُبشّر بحلحلةٍ في مسألة تأمين المساعدات عبر هبة يُفترض أن تصل من فرنسا.  أمّا مركز سانتا ماريا الذي كان يُستخدم داراً للعجزة، فقد تحوّلت غرفه إلى مساكن للنازحين الذين يدفعون بدلات إيجار مرتفعة، إذ يبلغ إيجار الغرفة 1800 دولار. ويقول وجيه خليفة، النازح من بلدة الصرفند في الساحل الجنوبي، لـ"العربي الجديد": "نقيم هنا على نفقتنا الخاصة، لا يوجد مكان للطبخ، ونتوجّه يومياً إلى مدينة جبيل لشراء احتياجاتنا. منذ وصولنا، لم يسأل أيّ أحد عن أحوالنا. المنطقة جبلية، ولا تتوفر في المركز أيّ وسائل تدفئة، نعتمد فقط على الأغطية، ونقضي الليالي تحت وطأة البرد القارس وانقطاع الكهرباء".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية