نقاشات في بيروت
عربي
منذ ساعتين
مشاركة
على دوي الحرب وجلجلتها، يسعى اللبنانيون إلى استنطاق أسئلة المرحلة الدامية، فلا يحوزون صبراً واحتمالاً، حين لا يعثرون على الإجابات بشأن المبادرة الرئاسية الداعية إلى مفاوضاتٍ مباشرة بين بيروت وتل أبيب، أو حيال ما يدور في دماغ دولة الإحتلال الإسرائيلي بما يختص بالجنوب اللبناني، أو إزاء ما نشرته وكالة رويترز، وتناقلته الصحف اللبنانية بإتجاهاتها المختلفة والمنقسمة، بإسهاب (18 مارس/ آذار الجاري) عن تحفيز أميركي لسورية لتأدية دورٍ ما في شرق لبنان وشماله. لا تحظى جلسة نقاشية واحدة في بيروت بإجابة جامعة حول اللامبالاة الأميركية التي قوبلت بها مبادرة الرئيس جوزاف عون الموزّعة على بنود أربعة، آخرها جلوس الثنائي اللبناني ـ الإسرائيلي وجهاً لوجه على طاولة المفاوضات المباشرة، وما ينطوي عليه هذا من اعتراف لبناني مسبق بإسرائيل وإخراجها من دائرة العداء، وفقا لما نشره موقع أكسيوس الأميركي في الرابع عشر من الشهر الجاري، في نقرير جاء فيه أن المبادرة اللبنانية بُنيت على أرضية أفكار فرنسية. وإذ نفت باريس ترويجها خطة تفصيلية ومتكاملة، إلا أنها لم تشذ عن القول بتقديمها مقترحات مندرّجة في إطار عام. تتقاطع غالبية النقاشات اللبنانية في بحثها عن أسباب الإهمال الأميركي المبادرة الرئاسية اللبنانية، عند منعطف الاعتراض الأميركي، ومعه الرفض الإسرائيلي لأي دور فرنسي في تسوية أو مفاوضات محتملة بين لبنان وإسرائيل، فالأخيرة ومعها واشنطن كانتا قد أبدتا تمنّعا على إشراك فرنسا في لجنة الإشراف على وقف الأعمال القتالية المشكلة عقب 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، والمعروفة بـ "الميكانيزم". وفي سابقة، أحجمت واشنطن وتل أبيب عن إدخال فرنسا طرفا رابعا في المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية التي أفضت إلى اتفاق 17 أيار (1983)، فآنذاك ترأس الوفد اللبناني المفاوض أنطوان فتال، وعن دولة الاحتلال ديفيد كيمحي، وعن الولايات المتحدة، موريس درايبر، وبذلك خرجت فرنسا من آلية المفاوضات خالية الوفاض. حين تغدو منطقة جنوبي نهر الليطاني تحت الاحتلال الإسرائيلي، بالقوة الميدانية أو بالسيطرة النارية، تتحوّل حقول الطاقة اللبنانية في المياه الإقليمية إلى منطقة محتلة بحُكم الأمر الواقع والسبب الآخر لتجاهل الولايات المتحدة، ومعها إسرائيل، المبادرة اللبنانية، توافقهما حيال إقامة منطقة عازلة أمنيا وخالية سكانيا في جنوبي نهر الليطاني، وهذه المنطقة من المفترض أن تشكل، وفق الرؤية الإسرائيلية، وحدة جغرافية وأمنية متكاملة مع الجنوب السوري، بحيث تمتد هذه المنطقة من البحر الأبيض المتوسط على الشواطئ اللبنانية الجنوبية إلى جبل الشيخ وما يليه من أراض سورية محتلة. وتتضمّن هذه الرؤية احتلالا إسرائيليا لما يُعرف عسكريا بالتلال الحاكمة أو المشرفة، ليصار من خلالها إلى السيطرة النارية على المنبسطات الجغرافية وما هو أدنى ارتفاعاً. ولذلك راح وزراء في الحكومة الإسرائيلية ومحلّلون أمنيون معروفون في وسائل الإعلام العبرية يتحدّثون منذ اسبوعين عن أمرين: أن الحرب على لبنان قد تستمر إلى أشهر، وأن قوات الإحتلال لن تنسحب من الأراضي اللبنانية قبل نشر قوات دولية فعًالة ورادعة وذات مهام قتالية في الجنوب. العنوان الثاني في النقاش اللبناني يتعدى الأبعاد الميدانية، ولكنه لا يخرج من إطارها، ويرتبط تفصيله باتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، والموقعة في أكتوبر/ تشرين الأول 2022، والتي لا ينفك الوزراء المقرّبون من نتنياهو غن الدعوة إلى إلغائها أو مراجعتها. وحين تغدو منطقة جنوبي نهر الليطاني تحت الاحتلال الإسرائيلي، بالقوة الميدانية أو بالسيطرة النارية، تتحوّل حقول الطاقة اللبنانية في المياه الإقليمية إلى منطقة محتلة بحُكم الأمر الواقع، ما يرفد دولة العدوان بعوامل استقواء تفاوضية تستثمرها في مطلبها القاضي بتعديل اتفاقية الترسيم إو إبطالها. ومن علامات هذا ما صرًح به وزير الطاقة الإسرائيلية، إيلي كوهين، في 15 مارس/ آذار الجاري، "إن اسرائيل تدرس إلغاء اتفاقية الترسيم البحري مع لبنان لأنها غير شرعية"، مع العلم أن نتنياهو قال في 3 أكتوبر/ تشرين الأول 2022 (لم يكن حينذاك رئيسا للحكومة الإسرائيلية) بحسب تقرير في موقع عرب 48 إنه سيعمل على إلغاء الاتفاقية في حال عاد إلى رئاسة مجلس الوزراء. وبالاستناد إلى صحيفة معاريف، الثلاثاء الماضي، يدرس نتنياهو خيار إلغاء اتفاقية الترسيم البحري مع لبنان، وقد بحث هذا الأمر مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب. لا تبدو نقاشات اللبنانيين، في هذا العنوان، مشتتة في إجاباتها ومتفرّقة في خلاصاتها، كما هي الحال مع المبادرة الرئاسية، فثمّة شبه إجماع على أفق الحرب المفتوح وانعدام المؤشّرات المبشرة باقتراب نهاية الحرب، غير أن افتراق الإجابات يبدأ من نقطة النقاش حول قدرة جيش الاحتلال على التمدّد في طول منطقة جنوبي نهر الليطاني وعرضها والثبات فيها. وعند هذا المنعرج يفترق المتناقشون. المتناقشون اللبنانيون يتركون الدقة جانباً، ويتباحثون في أبعاد سلسلة المواقف التي أطلقها توم برًاك تباعاً وبخصوص العنوان الثالث، ضربت الحيرة اللبنانيين حيال ما أوردته "رويترز" نقلا عن "خمسة مصادر مطلعة أن الولايات المتحدة شجعت سورية على النظر في إرسال قوات إلى شرق لبنان، للمساعدة في نزع سلاح حزب الله، لكن دمشق مترددة بالشروع في مثل هذه المهمة، خشية الإنجرار إلى حرب الشرق الأوسط وتأجيج التوتر الطائفي". ... لا ينظر المتجادلون اللبنانيون إلى موقف دمشق بعين الريبة، فالخشية من الانزلاق إلى الحرب الإقليمية المندلعة أو اتقاء الانخراط في النزاعات الطائفية ذروة الحكمة، ولو صح تقرير وكالة الأنباء الشهيرة بشقيه: الفتنة الأميركية والفطنة السورية، فتلك أسوة حميدة تُسجًل لدمشق، لكن ما يستدعي النظر مسارعة المبعوث الرئاسي الأميركي إلى سورية، توم برًاك، إلى التغريد إن هذه التقارير "كاذبة وغير دقيقة"، بينما هو نفسه حذًر 12 يوليو/ تموز الماضي 2025) في صحيفة ذا ناشيونال الأميركية "من سيطرة قوة إقليمية على لبنان إذا لم تنجح حكومته في التغلب على إشكالية سلاح حزب الله، وإذا لم يتحرّك لبنان، فقد يعود إلى بلاد الشام". وفي 25 مايو/ أيار الماضي، قال برًاك "إن اتفاقية سايكس ـ بيكو قسًمت سورية لأهداف استعمارية". وقال في 25 سبتمبر/ أيلول الماضي "لا يوجد شرق أوسط بل قبائل وقرى"، فنصحه وزير الثقافة اللبنانية، غسّان سلامة، بعد أربعة أيام بأن "يقلل الكلام ويتعمق في دراسة التاريخ". ليست الإشكالية في دقة ما نقلته "رويترز" عن مصادرها "المطلعة"، فالمتناقشون اللبنانيون يتركون الدقة جانباً، ويتباحثون في أبعاد سلسلة المواقف التي أطلقها توم برًاك تباعاً، وينقسمون حول قراءة نفيه تقرير الوكالة، فبعضهم يرى في التقرير كشفاً لما يفكّر به العقل الأميركي الباطني، وآخرون لا يفصلون بين محتوى التقرير والمواقف السابقة للرجل، وبعض ثالث لا يعير اهتماما لمضمون التقرير ومصادره، ولا ينظر إليه إلا من زاوية التهويل والترهيب، وهما من أدوات الحرب ووسائلها. ... من أين يحصل اللبنانيون على الخبر اليقين؟

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية