عربي
يرتبط العيد في الأدب بمفهوم الكرنفال كما صاغه الناقد الروسي ميخائيل باختين، فهو لحظة انفلات من المواضعات الاجتماعية، ومساحة تُعلّق فيها القوانين الصارمة لتصبح "الحياة بعينها هي ما يلهو". وانتقل الكرنفال من أصله الاجتماعي الطقوسي إلى فضاء الأدب بكونه منظومة رمزية وممارسة تخييلية تتجاوز أشكال التعبير التقليدية، فمع تراجع الكرنفالات في الفضاء الأوروبي الحديث، تسللت سماتها وجمالياتها إلى الرواية، لتتحول إلى أدوات فنية تنطوي على نقد اجتماعي وسخرية من سلطات الواقع، وكذلك على تجديد في بنية السرد وانفتاح دلالي يسمح بتقويض النسق الواحدي لصالح التعدد والتغاير.
من علب الكعك إلى بهجة الشارع
في رواية "خالتي صفية والدير" للروائي المصري بهاء طاهر، يبدأ الكرنفال من "الداخل" عبر تلك العلب الكرتونية البيضاء التي تجمعها الأم بصبرٍ طوال العام، لتبعث من مرقدها وتُملأ بأقراص الكعك المرشوش بالسكر والمزدان بحبات القرنفل كأنها تمائم لذاكرة عائلية يُعاد تدويرها وتنظيمها كصلات رحم موثقة بالأسماء. وبمجرد خروج هذا الطقس إلى "الفضاء العام" عبر حركة الفتيات الحاملات للصواني في دروب القرية، يمتزج الزهو بالخطر، حيث يمثل السقوط المحتمل للصينية "زلّة" تكشف عن ثقل المسؤولية الملقاة على عاتق الإناث؛ "أما الهدايا المهمة الموضوعة في العلب البيضاء والسهلة الإمساك باليد فقد كانت امتيازاً مقصوراً على الراوي باعتباره رجلاً: "وكان ذلك يعفيني من الأخطار التي تتعرض لها أخواتي حين تسقط الصينية من إحداهن في الطريق، فيتهشم الكحك (الكعك) وتتفتت الغريبة وسط التراب، وترجع بذلك كله باكية إلى البيت فتتلقاها أمي بالصفعات والركلات بسبب عمها الحيسي وهي تنعى بختها المائل في خلفتها السوداء من البنات".
يرصد نجيب محفوظ من خلال العيد تحولات الشخصية المصرية
وتصل دلالة العيد إلى ذروتها الكوزموبوليتانية حين تكسر العلب فضاء القرية المسلمة لتدخل بوابة الدير، في عبور يحول الكعك من محض "حلوى دينية" إلى فعل إنساني عابر للحدود تتلاشى أمامه الفوارق العقائدية، فالراوي يركب حماره الأبيض في امتياز نفسي يخرجه من عباءة الطفل الخاضع إلى رحابة الفاعل الحر ليحمل رسالة الجوار إلى الرهبان، وهناك تلتقي رائحة الكعك الشعبي بروح التسامح الكنسي في مشهد اعتراف متبادل يتجاوز الانتماء الضيق إلى أفق أرحب، محققاً بذلك جوهر الفعل الكرنفالي بالانتقال من "حتمية الصمت" إلى "إباحة كل شيء"، ومحولاً العيد إلى تحرر مؤقت من الحقيقة السائدة وتعليق لكل الامتيازات والقواعد.
على الوتيرة نفسها، يظهر العيد في أدب نجيب محفوظ من خلف المشربيات مصحوباً، برائحة السمن والقرنفل المنبعثة من كعك أمينة الذي يُنقش بصبرٍ صوفي، ليكون صكّاً للوجاهة العائلية أمام الجيران. وفي "المندرة" (غرفة استقبال الضيوف)، يتحول العيد إلى بروتوكول لترسيخ السلطة الأبوية من خلال مشهد "تقبيل الأيدي" المهيب للسيد أحمد عبد الجواد، قبل أن ينفلت هذا الوقار في المساء لصالح "كرنفالية" الشارع المصري؛ حيث يتصاعد من أحياء القاهرة العتيقة؛ الحسين والأزهر، عبق البخور وضجيج المراجيح، ويستعرض الفتوات نبابيتهم (عصي خشبية) بملابسهم الجديدة. إن العيد عند محفوظ ليس مجرد زمن للاحتفال، بل هو مجهر يرصد من خلاله تحولات الشخصية المصرية، ومزجها العجيب بين تقديس الشعائر الدينية والشغف بالحياة واللهو، لينتهي المشهد دائماً بـ "طلعة القرافة" (زيارة المقبرة).
حدود الانفلات
مع أن التصور الباختيني يُرسّخ للكرنفال بوصفه فضاءً منفلتاً من النسق، فإن هذه الرؤية لا تخلو من مثالية تتغاضى أحياناً عن الحدود الواقعية لهذا الانفلات؛ فتعليق النظام لا يعني بالضرورة تجاوزه، وغياب "النهاية" لا يصنع دائماً مستقبلاً مفتوحاً، خاصة حين تُعاد صياغة العلاقات التراتبية في قوالب جديدة تُفرغ الفعل الاحتفالي من طاقته التغييرية. من هنا، تبرز ضرورة مقاربة الكرنفال بنيةً قابلةً للانكماش والانطفاء، بما يسمح بإدراك التوتر بين لحظة التحوّل وإكراهات الثبات، وهو ما ذكره المنفلوطي في كتابه "النظرات" حين رسم العيد من طرفي نقيض؛ فليلة العيد عنده لا تطلع إلا بنجمين: نجم "سعود" للسعداء الذين ناموا في مروج أحلامهم الهادئة بين الحُلل واللعب والمطاعم، ونجم "نحوس" للأشقياء الذين يبيتون على جمر الغضا.
يربط صنع الله إبراهيم موسم العيد بالانفتاح الاقتصادي
وفقاً لهذا المنظور، يربط صنع الله إبراهيم موسم العيد في روايته "ذات" بالانفتاح الاقتصادي. فالعيد عند بطلة الرواية ذات هو البحث عن ماركات الملابس العالمية المقلدة في المحلات. يصف الكاتب كيف تتحول الشوارع في العيد إلى "سيرك من البضائع"، وتقيس ذات قيمتها الاجتماعية بقدرتها على شراء "طقم العيد" لبنتيها (هنادي ودعاء)، كأن العيد هو "اختبار كفاءة" لربة الأسرة أمام المجتمع.
يبلغ التباين ذروته في قصة "صفارة العيد" لمحمود تيمور، بحيث يتحول العيد من مناسبة للفرح الجماعي إلى مجهر يكشف الانقسامات الطبقية منذ الاستهلال؛ إذ تبدو العطفة (الطريق الفرعية) مشهداً مصغراً للعالم يتقابل فيه القصر الفخم بالقبر المجهول، وبينما يذوب الأطفال في هرج اللعب بملابسهم الجديدة وصفاراتهم المدوية، يقف علي؛ الطفل اليتيم على هامش الوجود، خجولاً من أقدامه الحافية وثيابه القذرة، ينظر إلى رفقائه نظرة تجمع بين الغبطة لهم والرثاء لنفسه. فإذا بالصفارة تتحول من مجرد لعبة إلى شيفرة انتماء وصوت للكرامة؛ من يحوزها يشارك في الكرنفال، ومن يفتقدها يُحكم عليه بالخروج من البهجة.
وحتى حين يربح علي الصفارة بعد فوزه المستحق على طفل في مثل سنه ولكنه يتمتع برعاية الأبوين، يفاجأ بضحك الأطفال عليه، كاشفاً عن "كرنفال ناقص" يؤدي فيه المحروم دور المتفرج.
تتقاطع هذه المأساة مع تجربة البطلة في رواية "استقالة ملك الموت" (2025) لصفاء النجار؛ فبينما يلملم اليتيم علي انكساره أمام الشجرة الكبيرة باحثاً عن عيده الخاص، تقتات بطلة الرواية في طفولتها على "كحك الشتات" المجموع من صدقات القرية.
تصطدم فرحة العيد بكارثة لا قبل للإنسان بها في "خان الخليلي"، إذ يكتشف أحد أفراد الأسرة البسيطة، إصابته بمرضٍ لا برء منه مع دخول العيد "وجاء العيد في الأيام الأولى من يناير سنة 1942، واستقبلته الأسرة والحي جميعاً بالبشر والفرح، وحفلت المائدة باللحوم أشكالاً وألواناً". فتغدو مناسبة العيد عنده عبئاً مضاعاً حتى لا يفسد عليهم بهجتهم المؤقتة.

أخبار ذات صلة.
الحرب تحاصر تجار الشنطة في الجزائر
العربي الجديد
منذ 18 دقيقة
أسعار الشحن تؤجج غلاء الملابس في ليبيا
العربي الجديد
منذ 18 دقيقة