البجعة السوداء على تركيا
عربي
منذ ساعتين
مشاركة
تعدت عقابيل الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران، جلّ التوقعات، إن لجهة تطاير شررها لدول الجوار أو لقوة النيران خلال الأيام العشر من عمرها وقتل قادة إيران الكبار، بمن فيهم المرشد الأعلى منذ ساعتها الأولى، ولم يعد من مبرّر ربما، للنكوص أو الغرق بمحاولات التنبؤ بمزيد من الآثار، خاصة الاقتصادية، فأن يتجه سعر برميل النفط، صعوداً، بهذه السرعة وتتعطل سلاسل التوريد إلى هذا الحد، وتبدو ملامح دخول أطراف جديدة على الحرب، فهذا يتطلب بناء أنظمة مرنة وشد الأحزمة، بدل الترقب على أمل أن تنتهي الحرب وتعود الأمور والعلاقات والأسعار إلى ما كانت عليها، قبل 28 فبراير/شباط، كما يدّعي ويعد الرئيس الأميركي دونالد ترامب. فواقع الحال وما يمكن أن يؤول إليه، يقتضي إعادة تصميم المؤسّسات واقتصادات الدول، وفق القوة والصلابة والتوجه إلى استراتيجية "الباربل" كما أوصى الباحث، نسيم نيقولا طالب في كتابه "البجعة السوداء" الصادر عام 2007. للموازنة وبحذر، لحماية الأصول وإدارة المخاطر، بانتظار حدث مفاجئ، قد يحمل الكوارث كما قد يحمل الانفراج والأرباح الهائلة. وليس بذلك تشكيك يمنع وضع التوقعات ورسم الخطط للتعامل معها من منظور أنه ليس بالإمكان التنبؤ بشيء، وإنما تحسين الطريقة التي نبني بها تلك الاعتقادات، بحسب "البجعة السوداء- تداعيات الأحداث غير المتوقعة" والذي يتلخص، كمفهوم، بالأحداث المفاجئة التي تقع خارج نطاق التوقعات المعتادة، ويكون لها تأثيرات جسيمة وشاملة، وغالباً ما يجري تفسيرها لاحقاً بأثر رجعي وكأنها كانت متوقعة. الأرجح أن ثمة خطأ ما في بحث شركة "أليانز كوميرشال" الألمانية، حول تركيا تحديداً، خلال نتائج بحثها الذي قدمته قبل أيام، حول "البجعات السوداء في عالم الأعمال" والذي يحدد أحداث "البجعة السوداء" المحتملة التي تسبب القلق في عالم الأعمال العالمي. إذ ليس من المعقول والمنطقي والواقعي حتى، أن يرى ممثلو نصف الشركات التركية (46%) أن التطورات الاجتماعية والسياسية، هي السيناريو الكارثي الأول. وتأتي كارثة مناخية متزامنة مع انقطاع في شبكة الطاقة في المرتبة الثانية بنسبة 42%، وحصول سيناريو الانهيار المفاجئ لمؤسسة مالية كبيرة على النسبة نفسها من الأصوات، في المرتبة الثالثة. في المقابل، ذهب 51% من ممثلي الشركات العالمية التي طاولها البحث (3000 متخصص في إدارة الأعمال والمخاطر) إلى أن شلل سلسلة التوريد العالمية نتيجة نزاع جيوسياسي هو السيناريو الأكثر ترجيحاً من بين سيناريوهات "البجعة السوداء" التي قد تؤثر على شركاتهم خلال السنوات الخمس المقبلة. وجاء انقطاع الإنترنت العالمي في المرتبة الثانية (47%)، ما يعكس تزايد الوعي بمخاطر الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي في عالم الأعمال. وقد لا يكون من خطأ في البحث أو بصوابية رأي من استُفتيَ من الأتراك، لأنّ إعداد البحث والاستطلاع، جرى على الأرجح، قبل الحرب على إيران وقبل أن تتوضح آثارها التي تبدت أولاً بالطاقة، وإلّا كيف للأتراك أن يتجاهلوا الأثر على أسعار النفط والغاز وهم بمقدمة المستوردين بالمنطقة، بفاتورة تزيد عن 55 مليار دولار، بل وتعد قيمة تلك المستوردات، السبب الرئيس بعجز الميزان التجاري وزيادة الديون الخارجية. ولو أعيد البحث وقياس الرأي اليوم، بعد تعدي سعر البرميل 120 دولاراً يوم الاثنين الماضي، قبل أن يتراجع لحاجز 100 دولار في أحدث تعاملات لبلد يستورد أكثر من 360 مليون برميل سنوياً، لكان رأي ممثلي الشركات التركية حدّد الطاقة أولاً وثانياً وثالثاً، وبعدها تأتي السياسة والمجتمع. لو أتينا تعداداً وذكراً فحسب، من دون التأويل والتحليل، على الآثار السلبية من الحرب الدائرة في المنطقة على الاقتصاد التركي، مبتعدين عن سيناريو الفائدة المؤجل، الذي يرجحه كثيرون بعد انتهاء الحرب، على اعتبار أنّ تركيا جارة متشاطرة مع إيران بحدود تزيد عن 560 كيلومتراً ولم تزل تجمعها بها، رغم إطلاق صاروخَين على تركيا، علاقات طيبة، ما يجعلها في مقدمة المرشحين لإعادة الإعمار بعد الحرب أو استقطاب الأموال المهاجرة خلالها. فسنرى ربما أول ما نرى من الآثار السلبية، عجز الحساب الجاري جراء شره الاقتصاد التركي للطاقة المستوردة، فإن صحت قاعدة أن كل زيادة 10 دولارات على سعر برميل النفط، ستؤدي إلى زيادة في عجز الحساب الجاري بنحو 2.5 مليار دولار، فنحن أمام 5 مليارات من العجز حتّى اليوم. وقبل أن نخرج عن النفط والغاز، حبذا الالتفات إلى آثار ارتفاع سعرهما على الصناعة التي تعدّ قلب اقتصاد تركيا وسر تنامي صادراتها إلى أكثر من 273 مليار دولار العام الماضي، فرفع الأسعار لبلد يستورد أكثر من 95% من احتياجاته، سيغيّر من ملامح الإنتاج برمتها ولن تزيد تكاليفه فحسب، أي سيتعاظم تباطؤ الاستخدام الإنتاجي للطاقة الأحفورية في المصانع وتتراجع قدرة المنتج التركي على المنافسة الخارجية. وطبعاً ما يقال عن القطاع الصناعي، ينسحب وإن بنسب مختلفة، على الزراعة التي تتغذى على النفط والماء وتشكل ركناً أساساً بإنتاج وصادرات تركيا التي تتبوأ الموقع الأول أوروبياً والسابع عالمياً. وأما جرح تركيا الاقتصادي النازف، أي التضخم، فهو في مرمى آثار للحرب وبفعل غلاء أسعار الطاقة والمواد الأولية أيضاً، والتي سترفع من تكاليف الإنتاج وتنعكس على سعر السلعة ويدفع ضريبتها المستهلك المحلي، فإن كان كل رفع بنسبة 10% في أسعار النفط يرفع التضخم بين 1.1% و1.5%، فتركيا مبشرة بعودة التضخم لما كان عليه قبل عام وربما تتشّهى وتتحسّر على نسبة 31% التي هي عليها اليوم. ويأتي تراجع سعر الصرف تحصيل حاصل، ضمن هذه الضبابية وعدم اليقين وتراجع الإنتاج وزيادة نسبة التضخم، بل وتراجع السياحة والصادرات، فأن يبقى الدولار عند حدود 44 ليرة، فهذا ليس لأن محددات العملة التركية قوية ومساندة، بل لأن تركيا وخلال الأسبوع الأول من الحرب، ضخت نحو 12 مليار دولار من الاحتياطي الأجنبي في المصرف المركزي بالسوق، لتدعم الليرة وتحافظ على سعرها من التهاوي. وهذا السعر وتلك المخاوف التضخمية، ستدفع لجنة السياسات بالمصرف المركزي، على الأرجح، أن تعود إلى سياسة التشدد، فتعود لرفع سعر الفائدة. من هنا، وربما غيره من آثار لها علاقة بهجرة الإيرانيين إلى الجارة تركيا، أو، إن نظرنا بتشاؤم إلى المشهد، كدخول أطراف حليفة لتركيا بالناتو أو صديقة في المنطقة العربية تضطرها للمشاركة أو المساندة على الأقل، أو حتى دخولها في الحرب، بشكل أو بآخر، إن استمرت طهران بقصف الصواريخ.  من هنا، رأينا ولم نزل نرى تركيا تدفع بكل طاقاتها لوقف الحرب المدمّرة، كما حاولت من ذي قبل، عدم تفجيرها، رغم القرار الإسرائيلي المسبق والانقياد الأميركي الأعمى والصلف الإيراني المستمر، لتساهم تلك الثلاثية مجتمعة في تسريع رسم خريطة المنطقة الجديدة وتغيير مراكز القوى وزيادة التبعية، والتي تخشاها تركيا والدول العربية بالمنطقة.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية