عندما يتذكر سكان حي كريتر في عدن جنوبي اليمن ضحايا الإرهاب والتفجيرات، يبرز اسم الشهيد "أيمن إقبال" أحد شباب الإصلاح الأبطال الذي خاضوا معارك وبطولات في المدينة في مقاومة ميلشيات الحوثي.
وفي الذكرى السنوية لتحرير عدن التي تتزامن مع نهاية شهر رمضان، نستذكر الشهيد "أيمن" الذي كان شاباً استثنائيا وشجاعاً ومحبوباً في الحي الذي يسكنه، كما تصفه أسرته. وكانت حياته حافلة بالتضحية والعطاء وكان أحد أبرز المقاتلين في صفوف المقاومة مع شباب المدينة.
أيمن إقبال عبد الغني (1994- 2016) هو أحد شباب الإصلاح الأبطال في عدن، عاش حياته أزقة كريتر وكان هادئًا وخجولًا وذكياً منذ صغره ويعرف أصدقاؤه من مسجد الحي الذي ملازمًا له لحفظ القرآن ويحصد الجوائز في التفوق.
حفظ "أيمن" القرآن كاملاً في عمر مبكر، لكن وكما يقول شقيقه "محمد" كانت الشهادة في سبيل الله والوطن هي أكبر الجوائز التي حصل عليها، حيث استشهد بعد أسابيع من إصابته جراء هجوم إرهابي استهدف قصر المعاشيق (مقر الرئاسة والحكومة) حيث كان جندياً حارساً في بوابته.
قائد أول مدرعة بمعركة تحرير عدن
عندما احتاجت ميلشيات الحوثي الإرهابية مدينة عدن عام 2015، كان "أيمن" شاباً في مقتبل العُمر لم يتجاوز عمره 21 سنة، لكنه لم ينتظر نداءً المقاومة ومساندة أبناء مدينة، بل خرج للتطوع بإسعاف الجرحى والمشاركة في المقاومة.
لم يكن أحد في أسرته يتوقع أن يكون للفتى الصغير دورٌ كبير معركة تحرير عدن بعدما حاولوا منعه من الذهاب إلى جبهات القنال لكنه -وكما يقول أصدقاؤه- كان يتسلل من المنزل دون معرفة أهلة للتطوع بإسعاف الجرحى وكان يرغب بالقتال بإصرار كبير.
لفت إصراره قادة المقاومة فأذنوا له بالمشاركة بالقتال، وبعد أن كان "أيمن إقبال" سائق سيارة أجرة، أصبح جزء من معركة التحرير عدن، ولم يتردد في تعلم قيادة المدرعات، ليصبح قائد أول مدرعة تدخل عدن في معركة التحرير.
يروي شقيقه "محمد" وهو أيضاً رفيقة في المقاومة، تفاصيل إحدى أبرز المواقف الشجاعة ويصفها بأنها كانت "أصعب اللحظات" جراء كمين بمنطقة العلم بمدخل مدينة عدن.
وقال لـ"الصحوة نت"، "كانت الألغام تتفجر من حولنا، واستشهد عدد من الجنود، وكان الموقف مريعًا، شعرنا أننا سنموت جميعًا، لكن أيمن ظل يتقدم بالمدرعة، يفتح الطريق، حتى نجونا".
ووصفه قائده حسام الحيدري في كلمة بالذكرى الأولى لاستشهاده عام 2017 بالقول "أيمن إقبال تعرفه مدينة عدن بصيته الطيب ونضاله في عشرات الجبهات بحافظات عدة"، وأكد بالقول إنه "صاحب أول مدرعة عسكرية دخلت المعاشيق والوضيع ومودية".
الابتسامة الأخيرة
لم يكن أيمن مقاتل مقاوم في معركة فرضت على مدينته، بل كان جزء من تحقيق الأمن في عدن، حيث استشهد جراء هجوم إرهابي استهدف بوابة قصر معاشيق عدن، في 28 يناير/ كانون أول 2016، وكان من ضمن جنود الحماية.
وأسفر الهجوم الإرهابي حينها عن مقتل سبعة من القوات الحكومية وإصابة 12 آخرين، وكان "أيمن إقبال" من ضمن المصابين إصابة خطيرة، في عملية انتحارية بسيارة مفخخة تبناها تنظيم داعش الإرهابي.
نُقل "أيمن" إلى المستشفى ومكث أربعين يومًا يصارع الألم، وتوفي في 9 مارس 2016م، تاركًا خلفه حزنًا كبيرا، وذكرى لا تُنسى، وكانت جنازته مهيبة تطوف أحياء كريتر الذي عاش عزاء كبير.
شقيقته "أم أيمن" التي أسمت مولودها تيمنًا بأخيها، تقول ، "كنت أزوره في المستشفى، وكلما نظرت إليه، ابتسم.. لا أستطيع أن أصفه بكلمات، فقد كان أيمن شاباً استثنائيًا".
بعد استشهاد "أيمن" وجد الأطباء شظية في ذراعه الأيسر لم تُكتشف من قبل، وتسببت في تسمم دمه، ويعتقد إنها تسببت بمضاعفة إصابته.
الرحيل الموجع
لم يكن فقدان "أيمن" سهلًا على والديه، وبعد عشر سنوات من رحليه ما زال حياً في ذاكرة أمه والتي تحدثت عنه بصوت متهدج وعيون غارقة بالدمع قائلة "لم يكن يرفع صوته يومًا، لم يكن يعصيني أبدا.. أفتقده في رمضان، كان يملأ البيت بصوته وهو يقرأ القرآن".
وتستذكر الأم في حديثها الأيام الأخيرة من حياته، وقالت "قبل استشهاده، كتب في هاتفه "التاجر مع الله" كان يُعدّ نفسه تاجرًا مع الله، وأنا أشعر بالفخر أنه نجح في تجارته واصطفاه الله شهيداً".
كان أيمن مزيجًا نادرًا من الحماس والهدوء، القوة والبراءة، الجدية والابتسامة الدائمة، في ساحات القتال، يمنح رفاقه الأمل، وعندما أنهكه التعب، لم ينسحب، بل ظل واقفًا حتى آخر رمق.
رحل أيمن قبل عقد من الزمن، لكن أثرة ما يزال باقٍ أزقة كريتر وأحياء مدينة عدن التي مر منها، وفي قلوب كل من عرفوه من أصدقائه وأسرته ومعارفه، وهذه سيرة شهيد بذل روحة في مقتبل العمر من أجل الوطن في معركة الخلاص، وقتل على يد الإرهاب الغادر.
أخبار ذات صلة.