عربي
في اليوم نفسه لرحيل كارل ماركس الذي غادر عالمنا بتاريخ 14 مارس/ آذار 1883، يرحل الفيلسوف الألماني الآخر يورغن هابرماس عن عمر ناهز الـ 96 عاماً. وإذا كان توافق يوم رحيل الفيلسوفين الألمانيين اللذين انشغلا بالسياسة والمجتمع محض صدفة، فإن ما ربط هابرماس بماركس والماركسية، وبخاصة في بداياته، يتجاوز الصدف، وإنما يندرج في تقاليد فلسفية لا تخرج رغم ماديتها عند ماركس وعقلانيتها التداولية اللغوية عند هابرماس عن تقاليد "المثالية" التي وسمت الفلسفة الألمانية الحديثة بطابع خاص. وكما بدأ الجيل الأول من مدرسة فرانكفورت ماركسياً قبل أن ينفتح على مدارس أخرى مثل الفرويدية، ارتبط هابرماس ببداياته بتقاليد الماركسية في التفاؤل بقدرة البشر على تغيير عالمهم، ولعل فلسفته في التواصل اليومي ليست، في العمق، سوى شكل من أشكال البراكسيس بالمعنى الماركسي.
مدرسة فرانكفورت
ينتمي هابرماس إلى الجيل الألماني الذي تشكّل وعيه في ظل تجربة الحرب العالمية الثانية وتفكك ألمانيا وإرث النازية الثقيل التي ستترك رد فعلٍ واضحاً على مفكري الستينيات الذين وجدوا أنفسهم أمام مهمة مواجهة إرث النازية، ومراجعة تاريخ ألمانيا القريب، الفكري والسياسي. ووجد أن من واجبه التفكير في إعادة بناء المجتمع الألماني أخلاقياً وسياسياً. لقد كان للتاريخ الألماني النازيّ أثر عميق في تفكير هابرماس وتوجهاته، حيث سيطغى الفكر السياسي على مجمل أعماله، حتى أكثرها فلسفية. وعلى خلاف الجيل الأول من أساتذته في مدرسة فرانكفورت، رأى أن ألمانيا بحاجة، لكي تنهض من جديد، إلى إعادة ربط الفكر الألماني بتقاليد التنوير والعقلانية، في مواجهة ما سماها بالفلسفة اللاعقلانية التي حمّلها مسؤولية ما حصل في بلده بشكلٍ مباشر، أو غير مباشر، بخاصة فلسفات نيتشه وهايدغر وكارل شميت. غير أن رد الفعل على ألمانيا النازية سيدفع هابرماس إلى التطرف في الدفاع عن الساميّة حد الخلط مثله مثل الكثير من الألمان، والعديد من الأوروبيين، بين المظلومية التي تعرض لها اليهود في أوروبا، وسياسات متطرفة ترتكبها دولة إسرائيل بحق الفلسطينيين، وتجلى ذلك التحيز الفاضح مراراً في كتاباته، ولا يقتصر الأمر على مواقفه الأخيرة بعد السابع من أكتوبر.
كان للتاريخ الألماني النازيّ أثر عميق في تفكيره وتوجهاته
التحق هابرماس الشاب في نهاية الخمسينيات بـ "معهد البحث الاجتماعي" في فرانكفورت، حيث عمل مساعداً للفيلسوفين تيودور أدورنو وماكس هوركهايمر، وقد تأثر في بداياته بمشروع النظرية النقدية الذي صاغه هوركهايمر، وكان يسعى لتحليل أزمات المجتمع الحديث وانتقاد العقلانية الأداتية التي تحكم الاقتصاد والتقنية. لكن هابرماس ما لبث أن تمرد على نهج أساتذته الفرانكفورتيين، وراح منذ وقت مبكر نسبياً يؤسس لمشروعه الفكري الخاص، مفتتحاً بذلك مرحلة الجيل الثاني من مدرسة فرانكفورت.
الفضاء العام والعقلانية التواصلية
يمكن الاختلاف حول تسمية هابرماس ما بين فيلسوف الحداثة أو العقلانية التواصلية، أو الديمقراطية التداولية، لكن إنجازه الأكثر أصالة هو فكرته حول "الفضاء العام" التي تناولها مبكراً منذ أطروحته في الدكتوراه ثم في كتابه التحول البنيوي للفضاء العام (1962)، حيث درس أشكال النقاش العمومي الذي كان يجري في المقاهي الثقافية والصالونات الأدبية في أوروبا خلال القرن الثامن عشر، والذي جذب جمهوراً واسعاً وأسهم في نشوء أنماط اجتماعية وثقافية جديدة داخل المجتمع البرجوازي. كذلك بحث في التحولات التي طرأت على بنية هذا الفضاء عبر التاريخ، منذ عصر التنوير وصولاً إلى المجتمعات الحديثة، في محاولة لفهم إمكانية استعادة نموذج مثالي للفضاء العام يقوم على النقاش الحر والمشاركة الواسعة. ومفهوم الفضاء العام مفهوم مُركّب عند هابرماس، فهو، من جهةٍ أولى، يُقصد به الحيّز أو المجال العمومي الذي يجتمع فيه الناس بحرية مثل المقاهي والصالونات الأدبية ليتبادلوا الأحاديث بحرية بعيداً عن إملاءات رؤساء العمل أو إكراهات الواجبات الاجتماعية. ففي مثل هذه الفضاءات، وما شابهها، يتناقش الناس في قضايا عامة تهم الجميع، فتتحرر هذه القضايا من حدود النقاشات الرسمية داخل البرلمانات والأحزاب والنقابات، لتصبح موضوع مشاركة شعبية أوسع. وهكذا يغدو المقهى، على سبيل المثال، مكاناً تتشكل فيه جماعة لا تقوم العلاقة بين أفرادها على التبعية أو السلطة أو المصالح الاقتصادية، بل على نوع من التشارك في النقاش حول تجربة عامة مشتركة. ولأن المشاركة في هذه الأماكن تكون متاحة للجميع كي يعبّروا عن آرائهم كما يريدون، فإن الفضاء العام يمثل حيّزاً للعلاقات الديمقراطية ونموذجاً للمجتمع المدني في مقابل سلطة الدولة الرسمية. كما يدل المفهوم، من جهة أخرى، على معنى قريب من الدعاية، أي دعوة الجميع إلى المشاركة في النقاش حول القضايا العامة التي تهمهم. وبذلك لا تعود السياسة مجرد قرارات تُملى من فوق أي من الدولة أو السلطة الحاكمة أو حتى البرلمانات، بل تصبح نشاطاً تداولياً عمومياً يفسح المجال لما يسمى بالرأي العام، وهو رأي يتشكل داخل تلك الفضاءات الشعبية، ويعبّر عن قدرة المواطنين على مناقشة القضايا التي تخصهم والمشاركة في توجيهها.
العقلانية التواصلية
وبقدر ما يرتبط اسم هابرماس بمفهوم الفضاء العام، يرتبط بنظريته في العقلانية التواصلية التي قدمها بشكل أساسيّ في مجلدين ضخمين بعنوان "نظرية الفعل التواصلي" (1981)، وصدرت ترجمتها إلى العربية عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (2020) بترجمة فتحي المسكيني. حاول هابرماس، من خلال نظريته في الفعل التواصلي، أن يعيد بناء مفهوم جديد للعقل، يقوم أساساً على تحرير الطاقة العقلانية الكامنة في لغة التواصل اليومي بين أفراد المجتمع. فالعقل، في نظره، لا يتحقق في عزلة الذات كما تصورته الفلسفات الميتافيزيقية، بل يتجلى داخل التفاعل اللغوي والتواصل بين الناس. ومن هنا، يرى هابرماس أن العقل التواصلي يمثل الإمكان المتبقي لعقلٍ لا يتمركز حول ذاته، كما يشكل بديلاً أخلاقياً للعقل الأداتي الذي انحرف عن منطلقاته منذ عصر التنوير، حين تحول تدريجياً إلى عقل تقني مصلحي يخدم السيطرة والإنتاج، بل ويسهم في صناعة وسائل التدمير والأنظمة الاستبدادية، الأمر الذي وسّع الفجوة بين العلم والأخلاق.
رأى أن العقل لا يتحقق في عزلة الذات بل داخل التفاعل اللغوي
وباختصار، تقوم النظرية التواصلية على إلغاء فكرة الذات والموضوع بحيث يتحكم أحدهما في تصورات المرء عن العالم كأن يفرض الموضوع الخارجي نفسه على الذات المفكرة على طريقة الفلاسفة التجريبيين أو أن تخلق الذات العالم الموضوعي على طريقة أفلاطون أو الفلاسفة المثاليين، بل إنه يرفض حتى فكرة الذاتية الكانطية المعزولة بحيث تقوم الذات الحرة والمنزهة عن الغرض بخلق قوانينها الأخلاقية على صيغة مونولوغ أو حوار داخلي خالص. فالحقيقة بالنسبة إلى هابرماس هي حصيلة نقاش وتفاهمات يؤسسها الفعل التواصلي بين الأفراد. يرى هابرماس أن مثل هذا الحوار الحر بين الأفراد، الساعين إلى الاتفاق حول القضايا التي تخص حياتهم ومستقبلهم، يحرر الطاقة العقلانية الكامنة في لغة التخاطب اليومية. فالعقل، في هذا التصور، لم يعد جوهراً فردياً قائماً بذاته أو ملكة داخلية تنتج الأفكار بصورة منفردة كما في فلسفات الذات والميتافيزيقا، بل أصبح معياراً يظهر في قوة الحجة القادرة على الإقناع داخل نقاش حر ونزيه. ومن هنا يقوم التواصل العقلاني على المناقشة والتشاور بين أفراد يسعون بحسن نية إلى التفاهم وتوحيد وجهات نظرهم، مستندين في ذلك إلى عالمهم المعيش المشترك. انطلاقاً من هذه الفكرة، طوّر هابرماس لاحقاً مفهوم الديمقراطية التداولية، وهي رؤية للديمقراطية لا تختزلها في الانتخابات وصناديق الاقتراع، بل تراها عملية نقاش دائم بين المواطنين تهدف إلى تشكيل إرادة جماعية عقلانية.
الحداثة بصفتها مشروعاً لما يكتمل بعد
في مقابل فلاسفة ما بعد الحداثة الألمان: نيتشه وهايدغر، وتلامذتهم من الفرنسيين: فوكو ودريدا وليوتار، رفض هابرماس فكرة أن العالم الغربي قد دخل مرحلة ما بعد الحداثة بالمعنى الذي يعني نهاية مشروع التنوير، وظل يدافع عن ضرورة استمرارية مشروع الحداثة والتنوير كما فعل في كتابه الأكثر شهرة "الخطاب الفلسفي للحداثة" (1985).
ولم يتوقف تفكير هابرماس على العقلانية التواصلية بالمعنى اللغوي، إذ قدم إسهامات مهمة جداً، بخاصة في الفكر السياسي والتشريعي، فدافع مثلاً عن فكرة "الوطنية الدستورية" التي تقوم على تعريف الوطنية بوصفها انتماءً لقيم ومبادئ وليس الميلاد في البلد أو مجرد حمل جنسيته.
موقفه من القضية الفلسطينية
لم تكن آراء هابرماس السياسية يوماً بعيداً عن الجدل. وقد تعرض لانتقادات واسعة، خصوصاً في العالم العربي، بسبب مواقفه من القضية الفلسطينية. ففي عدد من تصريحاته وكتاباته أبدى تعاطفاً واضحاً مع إسرائيل انطلاقاً من اعتبارات تاريخية تتعلق بالمحرقة (الهولوكوست) وبالمسؤولية الأخلاقية لألمانيا تجاه اليهود. وقد جعله هذا الموقف أقرب في كثير من الأحيان إلى الرواية الإسرائيلية، وهو ما أثار انتقادات حادة من جانب عدد من المثقفين العرب، بل وبعض المثقفين الغربيين. ومع ذلك لا يجب علينا أن نرمي الطفل مع الغسيل الوسخ كما يقول المثل الفرنسي. فكما يجب ألا يُرفض التعاطي من فلسفة هايدغر بالكامل لمواقفه من النازية، يجب كذلك عدم التوقف عن الاستفادة من آراء هابرماس في الديمقراطية والعقلانية التداولية والتنوير، الخ.
* أكاديمي سوري/ فرنسي متخصص في الفلسفة والفكر المعاصر
