عربي
في ظل تصاعد التوترات في المنطقة وإغلاق مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الحيوية لنقل الطاقة والتجارة العالمية، تتزايد المخاوف من تداعيات اقتصادية ولوجستية قد تمتد آثارها إلى مختلف الدول. وفي هذا السياق، أعلنت تركيا اتخاذ إجراءات احترازية لتعزيز أمن سفنها وضمان استمرار حركة النقل والتجارة، مع البحث عن طرق بديلة لتفادي تأثيرات الاضطرابات في المنطقة.
وفي السياق، قال وزير النقل والبنية التحتية التركي، عبد القادر أورال، إن التوترات الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل وإغلاق مضيق هرمز هزّت الاستقرار العالمي بشكل عميق. وأكد أن أنقرة اتخذت سلسلة من الإجراءات لحماية مواطنيها وقطاع الأعمال وضمان استمرار حركة النقل والتجارة.
وخلال إفطار أُقيم أمس السبت في ولاية إسبرطة، أوضح أورال أن تركيا واصلت تسيير الرحلات البحرية عبر طرق بديلة، مشيراً إلى أن السفن التي ترفع العلم التركي تواصل عملها بأمان، فضلاً عن توفير طرق آمنة لشركات النقل البري التابعة لتركيا. وأضاف: "رفعنا مستوى الأمن إلى المستوى الثالث وفقاً لمعايير أمن السفن والموانئ الدولية (ISPS) للسفن التي ترفع العلم التركي، كما وفرنا طرقاً آمنة لشركات النقل البري التابعة لنا".
وأضاف الوزير أن الحرب الدائرة في المنطقة وإغلاق مضيق هرمز "أثّرا بشكل كبير في الاستقرار العالمي نتيجة تعطّل التجارة الدولية وخطوط الطاقة". وأوضح أنه خلال هذه الفترة اتخذت وزارة النقل والبنية التحتية خطوات لحماية البلاد وقطاع الأعمال، مشيراً إلى أنه عندما أُغلقت الأجواء الإيرانية والعراقية والأردنية واللبنانية والسورية، واصلت تركيا عملياتها عبر طرق بديلة، ولا سيما عبر عُمان – مسقط، لمنع تعرض المواطنين لأي صعوبات.
وأشار أورال إلى أنه نظراً إلى المخاطر في مضيق هرمز، بدأت السلطات بمراقبة السفن والبحارة الأتراك من كثب، كما جرى التنسيق مع الدول المعنية للسماح لشركات النقل البري التركية باستخدام طرق بديلة عبر جورجيا وأذربيجان وكازاخستان لتخفيف مخاطر الهجمات المحتملة، مؤكداً أن السلطات "تتابع تطورات المنطقة لحظة بلحظة وتتخذ الإجراءات اللازمة".
وفي ما يتعلق بتداعيات إغلاق مضيق هرمز، أكد أورال لرجال الأعمال أن الحكومة "تستمع إلى احتياجاتهم ومطالبهم، وتعمل على التعاون معهم لتجاوز التحديات". وأوضح أن "تعطّل أي طريق نقل يُظهر بوضوح أن التجارة لا يمكن أن تزدهر من دون بنية تحتية قوية للنقل، إذ يؤدي ذلك إلى تأخر وصول البضائع وارتفاع التكاليف وتراجع القدرة التنافسية وتوقف حركة التجارة". وأشار إلى أن وزارة النقل والبنية التحتية ركزت جهودها على تنفيذ مشاريع تربط المدن التركية بعضها ببعض وبالممرات الدولية، بما يدعم الاقتصاد الوطني. ولفت إلى أن "تركيا استثمرت خلال السنوات الأربع والعشرين الماضية نحو 355 مليار دولار في البنية التحتية للنقل والاتصالات، فيما بلغت الاستثمارات في ولاية إسبرطة وحدها نحو 35.4 مليار ليرة تركية خلال الفترة نفسها". كما وعد بتنفيذ مشاريع جديدة في الولاية لدعم الاستثمارات وتعزيز التنمية الاقتصادية.
وفي تفسير معنى رفع مستوى أمن السفن التركية إلى المستوى الثالث، قال الخبير التركي باكير أتاجان، مدير مركز فكر في إسطنبول، إن "هذا المستوى يمثل أعلى درجات التأهب الأمني، ويتم تطبيقه في حالات الأخطار المحتملة أو التهديدات الأمنية المتوقعة". وأوضح أتاجان لـ"العربي الجديد" أن هذا المستوى يفرض على السفن التي ترفع العلم التركي اتخاذ إجراءات دفاعية مشددة، وزيادة وتيرة المراقبة، وتغيير المسارات عند الضرورة، والتنسيق المستمر مع القوات البحرية ومراكز التنبيه والبحث والإنقاذ للإبلاغ عن أي خطر محتمل، بهدف حماية الطواقم والسفن من أي عملية احتجاز أو استهداف.
وأضاف أتاجان أن "تركيا لا تزال حتى الآن خارج نطاق الحرب والاستهداف المباشر، باستثناء ثلاثة صواريخ إيرانية جرى إسقاطها قبل وصولها إلى الأراضي التركية"، معتبراً أن رسالة الوزير أورال تهدف إلى "طمأنة الداخل التركي وشركات الشحن بأن الدولة تتعامل مع التطورات بأعلى درجات الجدية". وفي ما يتعلق بتأثير إغلاق مضيق هرمز على الاقتصاد التركي، يرى الخبير التركي أن الأثر الأبرز يتمثل في ارتفاع أسعار النفط والغاز عالمياً، نظراً إلى أن المضيق يُعد شرياناً مهماً للاقتصاد التركي، حيث تمر عبره نسبة من واردات الطاقة والمواد الأولية القادمة من دول الخليج، بما في ذلك النفط والغاز المسال والمواد الكيميائية والأسمدة وبعض السلع الاستهلاكية. وبدأت آثار الإغلاق تنعكس على الصناعة والاقتصاد التركي مع ارتفاع أسعار النفط والمواد الأولية، ما أثار تحذيرات من تراجع القدرة التنافسية للسلع التركية بسبب زيادة تكاليف مدخلات الإنتاج.
وفي هذا السياق، قال رئيس غرفة صناعة أنقرة، سيد أرديتش، إن النزاع في مضيق هرمز، الذي أدى إلى تعطّل النقل البحري بشكل خطير، لا يؤثر فقط على الأمن الإقليمي، بل يمتد تأثيره إلى أسواق الطاقة العالمية وطرق التجارة وسلاسل التوريد. وأوضح، في تصريحات أمس السبت، أن انقطاع تدفق النفط وتراجع حركة ناقلات النفط وارتفاع تكاليف التأمين أدت إلى موجة جديدة من عدم اليقين في الاقتصاد العالمي، مؤكداً أن الاقتصادات التي تعتمد على الطاقة تواجه ضغوطاً واسعة تمتد من تكاليف الإنتاج إلى معدلات التضخم. وأشار أرديتش، في بيان صدر أول من أمس الجمعة، إلى أن "ارتفاع فاتورة الطاقة لا يقتصر تأثيره على المصانع والمصافي، بل يضعف أيضاً القدرة التنافسية للصادرات". وأضاف أن الصناعيين في تركيا باتوا يواجهون ضغوطاً متزايدة بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة والخدمات اللوجستية والتأمين.
ورغم تحقيق تركيا رقماً قياسياً في صادرات السلع عام 2025، فإن بيانات الأشهر الأولى من عام 2026 تشير إلى توقعات أكثر هشاشة للصادرات وضغوط تصاعدية على الواردات. كما قد تؤدي الصدمات السعرية الجديدة في الطاقة والخدمات اللوجستية إلى أعباء إضافية على الميزان التجاري الخارجي، وجهود مكافحة التضخم، ومستويات الإنتاج الصناعي. وختم أرديتش بالقول إن "المرحلة المقبلة يجب التعامل معها ليس فقط باعتبارها قضية أمنية، بل أيضاً باعتبارها مسألة تتعلق بالسياسة الصناعية واستراتيجية التجارة الخارجية وتعزيز المرونة الاقتصادية"، مؤكداً أن "حماية الصناعيين من تكاليف الطاقة وتنويع أسواق التصدير وتأمين خطوط الإمداد ونشر التكنولوجيا المتقدمة لم تعد خيارات، بل أصبحت ضرورة".
