عربي
ارتكبت إسرائيل فجر الخميس مجزرة أدت إلى استشهاد ثمانية مواطنين وجرحت أكثر من 31 آخرين في منطقة الرملة البيضاء الواقعة عند الواجهة البحرية لبيروت. هؤلاء كانوا من بين مئات النازحين الذين اتخذوا من شواطئ البحر ملاذاً لهم بعد تلقيهم إنذارات إسرائيلية بإخلاء منازلهم في الضاحية الجنوبية لبيروت (جبل لبنان)، وجنوب لبنان والبقاع (شرق).
عمدت إسرائيل إلى توجيه إنذارات بإخلاء قرى بأكملها في الجنوب والبقاع، كما طلبت إخلاء كل مناطق الضاحية الجنوبية، محذرة الأهالي من البقاء وإلا الموت. هرب هؤلاء إلى بيروت، وبقية بلدات ومدن جبل لبنان، والشمال بمحافظتيه، لتغص بمئات آلاف النازحين، ليصل عددهم إلى نحو 780 ألفاً منذ توسع العدوان الإسرائيلي على البلاد في الثاني من مارس/ آذار، وليرتفع أكثر مع إصدار الاحتلال إنذاراً بإخلاء القرى الواقعة بين نهري الليطاني والزهراني (قضاء صيدا في معظمها)، أول من أمس الخميس.
وبين أزمة البطالة والفقر وتضاؤل القدرة الشرائية من جهة، وغلاء الإيجارات من جهة أخرى، لم يستطع غالبية النازحين إيجاء مأوى، فلجأ بعضهم إلى المدارس والمساحات العامة ومنهم من لجأ إلى شاطئ البحر. أدى تدفق النازحين إلى زيادة ملحوظة في الطلب على الشقق السكنية في مناطق النزوح، الأمر الذي خلق حالة من الضغط على العرض المتاح في السوق. وبين صعوبة العثور على منازل شاغرة وارتفاع بدلات الإيجار في بعض المناطق، تجد العديد من العائلات النازحة نفسها أمام تحديات إضافية لتأمين مسكن مؤقت.
يشرح أبو علي (فضل عدم ذكر اسمه)، وهو نازح من إحدى القرى الحدودية في جنوب لبنان، لـ"العربي الجديد"، أنه اضطر لمغادرة منزله مع عائلته خلال الأيام الماضية والبحث عن شقة للإيجار في منطقة المتن. وأضاف: "واجهنا صعوبة كبيرة في إيجاد منزل، لأن معظم الشقق كانت مؤجرة. وعندما وجدنا شقة مناسبة كان بدل الإيجار أعلى بكثير مما كنا نتوقع، إضافة إلى طلب دفع أجرة عدة أشهر سلفاً". من جهتها، تقول أم محمد، التي نزحت مع عائلتها إلى إحدى بلدات جبل لبنان: "بحثنا في أكثر من منطقة عن منزل للإيجار، لكن الأسعار ارتفعت بشكل واضح. بعض المالكين يطلبون كفالة مرتفعة أو الدفع لعدة أشهر مسبقاً، وهذا الأمر يشكل عبئاً كبيراً على العائلات النازحة".
يقول الخبير الاقتصادي باتريك مارديني لـ"العربي الجديد" إنه بسبب التوترات الأخيرة في لبنان والتحذيرات وبيانات الإخلاء، وخصوصاً في جنوب الليطاني، شهدت مناطق مثل بيروت والمتن وجبل لبنان والشمال حركة نزوح كثيفة. ويوضح أن هذا النزوح أدى إلى زيادة الطلب على الإيجارات، حيث تنشط مكاتب العقارات حالياً وتتلقى العديد من الاتصالات والاستفسارات من المواطنين. ويضيف أن الطلب المتزايد جاء في مرحلة كان فيها السوق متوازناً نسبياً، إذ إن الشقق التي بقيت فارغة بعد أزمة عام 2019 بدأت تُشغَل مجدداً بالمستأجرين، ويشير إلى أن كثيراً من المواطنين لم يعد بإمكانهم شراء شقق بسبب الأزمة الاقتصادية وغياب القروض السكنية، ما دفعهم إلى التوجه نحو الإيجار.
ونتيجة لذلك، امتلأ سوق الإيجارات تدريجياً، وجاءت موجة النزوح الأخيرة لتضغط على سوق مكتمل تقريباً، حيث أصبح العرض قريباً من حجم الطلب، ما أدى إلى خلل في الأسعار. ويؤكد أن التضخم الحالي في الإيجارات مرتبط بمدة النزوح، موضحاً أنه إذا استمرت الحرب وطال أمد النزوح فقد يتحول إلى ضغط هيكلي في السوق.
أما في الوقت الحالي، فيرى أن كثيرين يتوقعون العودة إلى منازلهم، ما يعني أن الارتفاعات قد تبقى ظرفية، ويلفت إلى أنه في حال عاد النازحون إلى مناطقهم، فإنّ المالكين الذين رفعوا الإيجارات إلى مستويات مرتفعة قد يواجهون صعوبة في إيجاد مستأجرين بالقيمة نفسها.
ويشير مارديني إلى أن الارتفاع السريع الذي حصل في الإيجارات يُعدّ ارتفاعاً طبيعياً يعكس عاملين أساسيين: الأول هو ازدياد الطلب، والثاني هو مطالبة بعض المالكين بدفع عدة أشهر مقدماً أو تقديم كفالات مرتفعة، ويلفت إلى أن هذه الشروط تُطلب في كثير من الحالات لتغطية المخاطر، بخاصة في ظل الخوف من استهداف الشقق أو المباني التي يقيم فيها نازحون، نتيجة احتمال استضافة أشخاص قد تكون لهم علاقة بعمليات عسكرية، وهو أمر لا يستطيع المالكون ضبطه. ويشدد على أن الدولة لا ينبغي أن تتدخل في تحديد الأسعار، لأن أي تدخل من هذا النوع قد يؤدي، برأيه، إلى نتائج عكسية، مثل خروج الناس إلى الشارع أو تراجع العرض في السوق.
بدوره، يشير حسين، وهو نازح من جنوب الليطاني، إلى أن الخيارات المتاحة أمام النازحين محدودة، موضحاً أن "الكثير من الشقق غير متوفرة حالياً بسبب كثافة الطلب. وفي بعض الأحيان نضطر إلى قبول أسعار أعلى لأننا بحاجة إلى مكان سريع للإقامة".
كذلك، تؤكد ليلى، وهي نازحة مع عائلتها إلى بيروت، قائلة: "لم يكن أمامنا وقت طويل للبحث، لذلك استأجرنا شقة بسعر أعلى من المعتاد. الأهم بالنسبة لنا كان إيجاد مكان آمن نقيم فيه خلال هذه الفترة".

أخبار ذات صلة.
نهاية حرب إيران مرهونة بمن "يصرخ أولاً"
العربي الجديد
منذ 22 دقيقة