حرب الحسابات الخاطئة
عربي
منذ ساعة
مشاركة
هذه حرب الحسابات الخاطئة. على نقيض مخطّط ترامب ونتنياهو، اتسعت رقعة النار، وخرج سقفها الزماني من الحسابات المتوهَّمة. اجتثاث رأس النظام الإيراني بعملية جراحية عسكرية لم يُفتِّت جسم الدولة. تصعيد مجتبى خامنئي خيارٌ ثأريٌّ وليس انتقاءً موضوعياً، فالابن لن يملأ جلباب أبيه. ما من عمامة تغطّي الفراغ بعد غياب المرشد المخضرم. الخسائر المهولة لم تجبر الدولة على الركوع، لكن النظام لن يخرج مرفوع الرأس. ليس بالتشدّد وحده يُعاد بناء الدولة، فالحرب أجهضت الحراك الجماهيري، لكن غبن الأقليات الإثنية قابل للاشتعال حينما ينقشع الدخان. ألحق العدوان الإيراني أضراراً بدول الخليج، غير أنها كسّرت بصمودها الرهانات المكرورة على هشاشة بُناها. أخفقت إيران في تصدير النار إلى دول الحوار مثلما فشلت في تصدير الثورة. أثبتت دبي أنها ليست فقاعة مصنَّعة كما يزعم المرجفون في الإعلام، بل أكّدت أنها كرة بلّورية صلبة عصية على الكسر، ومكتنزة بشبق الحياة ونفاذ البصيرة وجاذبية المغناطيس. *** تجاهل ترامب أصوات الحكمة التي دعت إلى تفادي الحرب لم يصدر عن قوة منطق نتنياهو، بل نتيجة وقوع الأميركي فريسة لمتلازمة الغطرسة. هاجس الرجل أن يشغل مقعداً تاريخياً وثيراً في شرفة رجال الدولة العظام، وخطيئة هذه الحرب لم تنزع منه ذلك الشرف، بل أدخلته التاريخ من أحد أسوأ الأبواب. المغامرة الفنزويلية ضخّمت عند ترامب متلازمة الغطرسة وجنون العظمة حتى فقد القدرة على الإصغاء للمخلصين، واستسلم للمحرّضين. هكذا وقع ترامب ضحية الحسابات الخاطئة، فثمّة بون شاسع بين النظامين في فنزويلا وإيران يتجاوز أضعافاً مضاعفة المدى الجغرافي بينهما. ذلك الخطأ الاستراتيجي لم يورّط فقط أميركا في مستنقعٍ دَبِق، بل حمّل حلفاء واشنطن كلفة باهظة. رغم التوغل في الحسابات الخاطئة، لم يعترف ترامب بأن ليس المغامرات كلّها قابلة للاستنساخ. *** حقّقت العملية العسكرية الخاطفة في كاراكاس هدفاً سياسياً. الضربات العسكرية المكثّفة المدمّرة على طهران أخفقت في إنجاز غاياتها المعلَنة، رغم أن هناك اختُطف الرئيس فقط، بينما هنا (في طهران) صُفّي طاقم القيادة العليا بأسره. حسابات ترامب الخاطئة ستكلّف الجمهوريين غالياً عند الانتخابات النصفية المرتقبة. ربّما يتحمّل الأميركيون فاتورة حرب خاطئة مهما جاءت باهظة، لكنّهم لن يصبروا على مشاهدة عودة جنود في توابيت. كابوس فيتنام لم ينم بعد مضي جيلَين أو ثلاثة. إرسال قوات برّية إلى إيران لا يزيد فقط أعباء أخطاء ترامب وكلفة الحرب، أو يوسّع جبهات القتال، بل يباعد توقيت النصر المتوهَّم. تناقض التصريحات في شأن الحرب يعكس ضعف النفوذ أكثر من تباين المواقف *** نتنياهو يتوغّل في الخطيئة كلّما توهّم فرض السلام بقوة السلاح، فما أصابه غير الخسران السياسي والعسكري رغم إصراره على تحويل غزّة والجنوب اللبناني إلى جبهات مفتوحة. فأفدح من ذلك خسارةً رهانه على العودة إلى معاركه الداخلية بانتصارات متوهّمة في الخارج. متلازمة شهوة السلطة أعمته عن استيعاب دروس حروبه الفاشلة. مخزون الترسانة العسكرية المهولة المستخدمة في غزّة، كما في لبنان، لم ينقذه من التسليم بحتمية العمل الدبلوماسي. كلّ ما أُلحق بغزّة من دمار لم يكسر إرادة أهلها. للإيرانيين مخزون بشري وفضاء جغرافي ثري يعينانهم على التحدّي. الآن باتت الحرب والمنطقة كلّها مفتوحتَين على المجهول. صبر الإسرائيليين أقرب إلى النفاد من احتمال نفاد صبر الإيرانيين. ليس الحرس الثوري وحده القادر على ردّ القصف بالقصف، فحزب الله لا يزال يطلق النار من بين الأنقاض والجثث. *** اتكاء الإيرانيين على الاستنزاف يعين على الصمود، لكنّه لن يحقّق انتصاراً. لم تعد إيران تلك الجمهورية الإسلامية، ولم يكن علي خامنئي رأساً عادياً للدولة؛ هو سُرّة النظام الثيوقراطي وأيقونته الموقَّرة، بيده ظلّت جمرة الثورة متوقّدةً بمفهومها الخميني. أجهزة المنظومة تتصارع؛ مجلس تشخيص النظام، مجلس الخبراء، مجلس الأمن القومي، رئاسة الجمهورية، مجلس الوزراء، البرلمان، قيادة الجيش، وقيادة الحرس الثوري، كلّها تتعارك، لكنّها لا تخرج من تحت عباءة خامنئي. كلّها تعمل وفق إشاراته حرصاً على إبقاء جذوة النظام. كلّها تأتمر بإيماءاته، فتمارس أشكال القمع كافّة ضدّ الشعب. ما من طرف إيراني يجرؤ على تخطّي خطوط المرشد في الداخل والخارج. تمكّن خامنئي من فرض كاريزما ذات هيبة متكاملة الأبعاد تمزج الديني والدنيوي. بغض النظر عن سياسات علي خامنئي، من الخطأ الرهان على مرشد يعيد إنتاج دوره. فالإمام الراحل ابن ظرفه السياسي، فكما صنع أحداثاً، كان هو نفسه صنيعة وقائع زمانه. مجتبى خيار اضطراري في ظرف طارئ أكثر منه وليد قناعات جماعية في بيئة معافاة. ليس الشعب الإيراني وحده الذي أضحى يقاسي ضغوطاً مركّبة تحت العقوبات وتحت الحرب، بل أيضاً مؤسّسات الجمهورية الإسلامية كلّها *** الجهود الإيرانية الراهنة على مستوى القيادة محاولات لتعبئة الفراغ في قمّة الهرم. ما من شخصية قيادية قادرة على إكساب المؤسّسات هيبتها القابضة، ومن الجليّ للعيان بدايات التناطح بين أجنحة الدولة إزاء قضية الساعة الإيرانية الراهنة. فتناقض التصريحات في شأن الحرب يعكس ضعف النفوذ أكثر من تباين المواقف، بل أبعد من ذلك يؤشّر إلى التصارع على مفاتيح صناعة القرار. ذلك ليس فقط سباقاً شخصياً على امتلاك زمام السلطة، بل هو تنازع بين مؤسّسات على احتكار حقوق صناعة المستقبل. الآن الحلبة مشرّعة أمام مراكز القوى التقليدية داخل النظام للتصادم، المرشد الجديد سيخوض حتماً معارك بغية تثبيت نفسه الرأس الأعلى، وحطام الدولة والبنى يجعل الطريق ملغّماً بالمصاعب أمام إيران بينما تتلمّس مسارات النهوض. ليس الشعب الإيراني وحده الذي أضحى يقاسي ضغوطاً مركّبة تحت العقوبات وتحت الحرب، بل أيضاً مؤسّسات الجمهورية الإسلامية كلّها على مستوياتها المتباينة ترزح تحت عبء مأزق تاريخي.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية