استعمار جديد يهدّد المنطقة
عربي
منذ ساعة
مشاركة
بينما تمتّعت دولة الاحتلال الإسرائيلي في حروبها السابقة بدعم أميركي سخي: تسليحي واستخباري وسياسي ومالي ودبلوماسي، إضافة إلى دعم أطراف غربية أخرى، فإنها حظيت في الحرب الأولى على إيران (يونيو/ حزيران الماضي)، وفي الحرب الثانية الحالية (منذ 28 فبراير/ شباط)، بمشاركة أميركية مباشرة في العمليات العسكرية وما يتّصل بها. وبهذا دُشّنت حروب ثنائية مشتركة. والانتقال إلى هذا المستوى العالي من التعاون المباشر يُسجَّل لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو الذي لم يفلح في حمل رؤساء أميركيين سابقين على إشراك بلادهم في حروبه، بمن فيهم الحالي دونالد ترامب في ولايته الأولى (2017 – 2021). وقد بلغ التوافق بين الجانبين هذه المرّة درجةً عملت معها الإدارة الأميركية لإطلاق عملية تفاوض غير مباشرة مع طهران للتمويه على قرار شنّ الحرب، فقد أُطلقت العمليات العسكرية فيما كان الوفدان المفاوضان الأميركي والإيراني قد اتفقا في آخر جولة بينهما في جنيف على استكمال التفاوض في فيينا. وقد شاركت إدارة ترامب في هذه الحرب بعد سبعة لقاءات جمعت ترامب ونتنياهو، وهو رقم قياسي للقاءات بين رئيسيَ دولتَين في غضون عام، من دون تهيئة الجمهور الأميركي لهذا القرار، ومن وراء ظهر الكونغرس. وكان الوزير ماركو روبيو قد كشف أن قرار الحرب إسرائيلي، حين قال إن الإدارة كانت تتوقّع ردّاً فعلياً إيرانياً ضدّ أهداف أميركية مع بدء إسرائيل بالحرب، وأن الإدارة استبقت مثل هذا التطوّر بدخولها الحرب بجانب إسرائيل. ورغم ركاكة هذا التبرير، ومع "التسليم" به، كان في وسع القوات الأميركية مثلاً توجيه ضربة تحذيرية إلى أهداف إيرانية، خلافاً لما حدث من مشاركة كثيفة وشاملة في هذه الحرب، وبالتنسيق الكامل مع حكومة تل أبيب. ومن الشواهد الإضافية على أن قرار شنّ الحرب كان إسرائيلياً، ما يظهر من تباين في أهداف الجانبَين، فبينما كرّر ترامب غير مرّة أن الحرب سوف تنتهي قريباً، كرّر مسؤولون إسرائيليون أنهم يواصلون خوض هذه الحرب من غير قيد زمني، وأن الحرب ستستمر أسابيع أخرى. وهذه الأسابيع، وهو ما لم يقله هؤلاء، قد يبلغ عددها العشرات، إذ تتركّز الأهداف الإسرائيلية على إلحاق أكبر قدر من التدمير بإيران، وتهيئة الأرضية لتفكّك اجتماعي وعرقي، فيما يتركّز الهدف الأميركي على القضاء على البرنامج النووي والصاروخي، ودفع بلاد فارس نحو تغيير السياسات المتّبَعة، ومحاولة تكرار نموذج فنزويلا بتصعيد مسؤولين يرتضون التعاون مع واشنطن، علاوةً على حرمان روسيا والصين من وجود نظام حليف لهما في هذه المنطقة. ولئن كانت هذه أهدافاً مباشرة للطرفَين، فإن الهدف الأبعد محاولة تغيير الشرق الأوسط، كما تباهى نتنياهو بذلك على الدوام، ومن غير اعتراض أميركي. وقد كانت تصريحات السفير الأميركي في تل أبيب مايك هاكابي، قبل أيام من شنّ هذه الحرب، حول القبول بخطة "إسرائيل الكبرى"، إيذاناً بتوافق ثنائي حول التوسّع الإسرائيلي في أراضٍ عربية وتصفية القضية الفلسطينية. ورغم أن واشنطن حاولت لاحقاً تصوير هذه التصريحات على أساس أنها أُخرجت من سياقها، إلا أن سياق هذه التصريحات كلّه يفيد بقبول أميركي لأهداف التمدّد على حساب أراضٍ وحقوق لدول عربية ترتبط بصداقات راسخة مع واشنطن. من المفارقات أن النظام الإيراني يخوض حرباً دفاعية ضدّ إسرائيل، لكنّه يشنّ في الوقت نفسه حرباً هجومية على الدول الخليجية ... وهكذا، فإذ تُشنّ الحرب على إيران، فإن الغاية تتخطى إضعاف هذا البلد وتحجيمه إلى رسم ملامح شرق أوسط جديد، تتسيّد فيه إسرائيل المنطقة. ومن المفارقات أن النظام الإيراني يخوض حرباً دفاعية ضدّ إسرائيل، لكنّه يشنّ في الوقت نفسه حرباً هجومية على الدول الخليجية، وعلى الأردن، حتى أن عدد الاستهدافات الإيرانية لهذه الدول يفوق عدد الاستهدافات ضدّ أهداف أميركية وإسرائيلية. فهذه هي طريقة هذا النظام في تحويل الجيران إلى خصوم ألدّاء له نتيجة العمى السياسي والأيديولوجي لهذا النظام. غير أن ذلك لا يطمس الاستراتيجية الإسرائيلية الرامية إلى تغيير الشرق الأوسط بالسطوة العسكرية. فبينما تجري الحرب ضدّ إيران، تواصل تل أبيب حرباً من جانب واحد ضدّ سورية لقضم مزيد من الأراضي السورية، ولفرض التطبيع على نظام هذا البلد. ولم تتوقّف الحرب الإسرائيلية على لبنان، لا قبل هذه الحرب على إيران ولا بعدها، والهدف فرض منطقة عازلة وقضم ما تيسّر من الأراضي في جنوب لبنان توطئة لفرض التطبيع على الحكومة اللبنانية، وإنه أمر ليس بغير دلالة أن ترفض حكومة نتنياهو طلباً رسمياً لبنانياً بالتفاوض المباشر، فيما كان ذلك ذروة الأهداف الإسرائيلية على مدى عقود. وفي هذه الأثناء تتواصل الحرب على غزّة، وإن بوتيرة أقلّ، وفي تجويف متمادٍ لقرار وقف إطلاق النار الصادر في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي من البيت الأبيض، ذلك أن الهدف حالياً يتمحور حول فرض التطبيع بشروط إسرائيلية، كما نُسب إلى وزير الحرب يسرائيل كاتس. وقد جاءت تصريحاتٌ كاشفةٌ أخيراً لوزير الخارجية العُماني بدر الدين البوسعيدي لتدلّ على خطورة هذا التوجّه الإسرائيلي، داعياً إلى الاستعداد لأسوأ الاحتمالات. لعب الوزير دوراً مشهوداً باسم بلاده، وبتوجيهات من القيادة العمانية، في تسهيل المفاوضات الإيرانية الأميركية، وقد واكب هذه المفاوضات حتى اليوم الذي تم فيه شنّ الحرب. وقد أشار البوسعيدي، وفقاً لصحيفة عُمان، إلى أن "المفاوضات الأخيرة وصلت إلى مراحل متقدّمة، شملت تعهّد إيران بعدم امتلاك مادّة نووية يمكن أن تُنتج قنبلة، مع الالتزام بعدم تراكم المواد المخصَّبة أو تخزينها، وتحويل المخزون القائم إلى وقود لا يمكن إعادته إلى حالته السابقة". وتحدّث الوزير عن "مخطّط أوسع يستهدف المنطقة، وأن إيران ليست الهدف الوحيد فيه، وأن أطرافاً إقليمية كثيرة تدرك ذلك"، وكشف أن "الحرب الحالية هدفها إضعاف إيران وإعادة تشكيل المنطقة، والدفع بملفّ التطبيع، ومنع قيام دولة فلسطينية". بهذا، ومع انفجارات حروب نتنياهو التي لا تتوقّف، فإن ما ينتظرنا إعادة تشكيل المنطقة بالانتقاص من حقوقها السيادية في أراضي دولها، وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء بإحلال سطوة استعمارية، بما يحمل تهديداً مباشراً لم تتعرّض المنطقة لمثيله منذ حرب 1967.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية