عربي
لم تعد تداعيات الحرب في المنطقة مقتصرة على أسواق النفط والغاز الطبيعي، بل بدأت آثارها تمتد إلى طيف واسع من السلع الأساسية التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي. فمع تعطل سلاسل الإمداد في الخليج، وإغلاق مضيق هرمز أمام جزء كبير من حركة الشحن، شهدت أسواق المعادن والمواد الخام والسلع الزراعية والغازات الصناعية اضطرابات متزايدة في الأسعار والإمدادات.
وبحسب تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز"، اليوم الأربعاء، فإن الحرب أثرت بالفعل في إنتاج أو نقل عدد من السلع الحيوية، من البلاستيك والأسمدة المنتجة في السعودية وعُمان، إلى السكر القادم من البرازيل، والهيليوم من قطر.
وشهدت أسواق السلع الأساسية تقلبات حادة هذا الأسبوع، بعدما أرسلت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب رسائل متباينة بشأن مدة الحرب في المنطقة. وأمس الثلاثاء أشار مسؤولون أميركيون إلى أن العمليات العسكرية ضد إيران تتصاعد، وأن فرص إجراء محادثات دبلوماسية ضئيلة، وهو ما بدد الآمال التي عبّر عنها ترامب بأن الحرب قد تنتهي قريباً.
ويحذر خبراء من أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى نقص في بعض المواد الأساسية وارتفاعات إضافية في الأسعار عالمياً. وقال محللون إن حجم الاضطراب سيعتمد بدرجة كبيرة على مدة استمرار الحرب. ففي حال التوصل إلى وقف إطلاق نار، قد تعود الموانئ وخطوط الملاحة والمصانع إلى العمل تدريجياً، ما يخفف الضغط على الأسواق. أما إذا استمرت المواجهة، فإن ارتفاع تكاليف المواد الخام قد ينتقل سريعاً إلى المستهلكين عبر زيادة أسعار السلع النهائية. ونقلت الصحيفة عن مدير المحافظ الاستثمارية في شركة لوغان كابيتال مانجمنت، كريس أوكيف، قوله إن "التضخم أصبح مصدر قلق رئيسي مع ارتفاع تكاليف المدخلات في العديد من الصناعات"، مضيفاً أن محافظ المستهلكين قد تتعرض لضغوط إضافية إذا استمرت الأزمة.
وفي ما يلي 6 سلع رئيسية تأثرت بالحرب على إيران إلى جانب النفط والغاز:
الألمنيوم
ارتفعت أسعار الألمنيوم بنحو 8% منذ بداية الحرب، وهو ما دفع أسعار العلاوة المعروضة في اليابان إلى أعلى مستوى لها خلال 11 عاماً، بحسب وكالة "بلومبيرغ" الأميركية. وصعدت العقود الآجلة للألمنيوم لأجل ثلاثة أشهر إلى ما فوق 3400 دولار للطن، لتقترب من أعلى مستوى في أربع سنوات الذي سجل يوم الاثنين. وجاء ذلك بعدما أدى الصراع إلى خفض الإنتاج في المنطقة، الذي يمثل نحو 9% من الإنتاج العالمي. كذلك فإن مضيق هرمز لا يزال مغلقاً فعلياً، ما يمنع تصدير المنتجات النهائية إلى الخارج. وعرضت مجموعة ريو تينتو أمس الثلاثاء توريد المعدن بعلاوة قدرها 350 دولاراً للطن للمشترين اليابانيين لشحنات الربع الثاني، وفق الوكالة الأميركية.
وإذا تم الاتفاق على هذا السعر، فسيكون الأعلى منذ عام 2015. وجاء هذا الارتفاع بعد توقف الإمدادات من مصاهر رئيسية في قطر والبحرين، ما دفع المشترين إلى البحث عن بدائل من الأسواق الآسيوية. ويعود ازدهار صناعة الألمنيوم في الخليج إلى توفر الطاقة الرخيصة، إذ يتطلب إنتاجه كميات هائلة من الكهرباء. غير أن المواد الخام اللازمة لتصنيع الألمنيوم تُستَورَد عبر السفن التي تمر عبر مضيق هرمز، الذي تعطلت حركة الملاحة فيه منذ اندلاع الحرب، ما أدى إلى اختناق في الإمدادات. ويستخدم الألمنيوم في صناعات واسعة تشمل الطائرات وخطوط الكهرباء وعلب المشروبات، ما يعني أن استمرار ارتفاع أسعاره قد ينعكس على أسعار العديد من المنتجات اليومية.
الإيثانول
قفزت أسعار الإيثانول بنحو 10% منذ بداية الحرب، إذ أدى ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة الطلب على الإيثانول المستخدَم وقوداً للسيارات، خصوصاً في البرازيل التي تُعَدّ أكبر منتج لقصب السكر في العالم. وهو ما قد يدفع مصانع السكر البرازيلية إلى تحويل جزء أكبر من محصول قصب السكر لإنتاج الوقود بدلاً من السكر خلال موسم الحصاد المقبل، وسط توقعات بأن تضطر شركة النفط الوطنية في البرازيل "بتروبراس" إلى رفع أسعار البنزين، ما يدعم الوقود الحيوي في السوق المحلية، بحسب صحيفة "فالور إكونوميكو" البرازيلية. ونقلت الصحيفة عن كريستيان كويلِس، المحلل في شركة الاستشارات FG/A قوله إن وصول سعر النفط إلى 100 دولار للبرميل وتمرير هذه الزيادة إلى السوق المحلية قد يلغي معظم الانخفاض المتوقع في أسعار الإيثانول خلال موسم الحصاد.
السكر
ارتفعت عقود السكر الخام تسليم مايو/ أيار في بورصة نيويورك بنسبة 3.48% أول أمس الاثنين لتصل إلى 14.59 سنتاً للرطل، مع صعود أسعار النفط إلى أكثر من 119 دولاراً للبرميل، قبل أن تتراجع لاحقاً مع انخفاض أسعار الخام. ويرتبط سعر السكر ارتباطاً وثيقاً بأسعار النفط بسبب العلاقة المباشرة بين إنتاج السكر والإيثانول في البرازيل. فعندما تصبح صناعة الوقود الحيوي أكثر ربحية، تتجه المصانع إلى تحويل القصب لإنتاج الوقود بدلاً من السكر، ما يقلص المعروض العالمي من السكر ويرفع الأسعار. ونقلت "فالور إكونوميكو" عن رافائيل بورغيس، المحلل في شركة ستون إكس، قوله إن المصانع قد تقلص إنتاج السكر إذا أصبح الإيثانول أكثر ربحية، مضيفاً: "إذا قدم الإيثانول عائداً أفضل، فإن مزيج الإنتاج يميل إلى الابتعاد عن السكر".
اليوريا (الأسمدة النيتروجينية)
ارتفع سعر اليوريا بنحو 35% منذ بداية الحرب. وبحسب وكالة "الأناضول" ارتفع السعر خلال تداولات أمس الثلاثاء فقط بنسبة 10% على أساس أسبوعي، مسجلاً أعلى مستوى له منذ نوفمبر/ تشرين الثاني 2022، في ظل إغلاق مضيق هرمز وتصاعد التوترات في المنطقة. وبلغ سعر اليوريا 583 دولاراً للطن، كذلك ارتفع بنسبة 29.3% على أساس شهري، وبأكثر من 50% منذ بداية العام. وحذر كيريل دميترييف، الرئيس التنفيذي لصندوق الاستثمار المباشر الروسي والمبعوث الخاص للرئيس الروسي، من أن أسواق الأسمدة، وبالتالي الأسواق الزراعية العالمية، معرضة بشكل كبير لاضطرابات في مضيق هرمز.
وتُعَدّ اليوريا أحد أهم مكونات الأسمدة النيتروجينية في العالم، ويمر نحو ثلث التجارة العالمية منها عبر مضيق هرمز. وينتج الجزء الأكبر منها في الشرق الأوسط بسبب توفر الغاز الطبيعي، وهو المادة الأساسية في تصنيعها. لكن الحرب أدت إلى تعطل الشحنات والإنتاج في وقت حساس بالنسبة إلى المزارعين الذين يستعدون لموسم الزراعة الربيعي، ما يثير مخاوف من ارتفاع تكاليف الزراعة، وبالتالي أسعار الغذاء عالمياً.
الكبريت
سجلت أسعار الكبريت في الأسواق العالمية ارتفاعاً بنسبة 19% منذ بداية الحرب، بحسب بيانات موقع "تريدينغ إيكونوميكس". ويُعَدّ الكبريت، الذي ينتج في أثناء عمليات تكرير النفط والغاز، مادة أساسية لصناعة الأسمدة والعديد من الصناعات المعدنية. ويساعد هذا المسحوق الأصفر في عمليات قطع المعادن وتشكيلها، مثل النحاس، دون إتلاف الأدوات الصناعية. وبحسب بيانات شركة "سي آر يو غروب" المتخصصة في أبحاث السلع، فإن نحو نصف إنتاج الكبريت العالمي بات عالقاً في منطقة الخليج بسبب تعطل الشحن عبر مضيق هرمز. ويتجه جزء كبير من هذا الإنتاج عادة إلى الصين وإندونيسيا لاستخدامه في صناعة الأسمدة ومعالجة النيكل. ويعتمد القطاع الزراعي في أفريقيا على إمدادات الكبريت القادمة من الخليج. ويحذر خبراء كذلك من أن أي نقص في الأسمدة قد يؤدي إلى انخفاض الإنتاج الزراعي وارتفاع أسعار الغذاء عالمياً.
الهيليوم
قد يكون الهيليوم أقلّ شهرة بين السلع المتأثرة بالحرب، لكنه يُعَدّ عنصراً حيوياً لعدد من الصناعات التكنولوجية المتقدمة. فالغاز يستخدم في تصنيع أشباه الموصلات، وتبريد المعدات الحساسة، وتشغيل أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي، إضافة إلى استخدامات علمية وعسكرية عديدة. وتنتج قطر نحو ثلث الهيليوم في العالم، ما يجعلها ثاني أكبر مورد بعد الولايات المتحدة. وارتفعت الأسعار الفورية لغاز الهيليوم بين 35% و50% خلال الأسبوع الأول للحرب بعد توقف منشآت الإنتاج في قطر عقب الضربات الإيرانية على مجمع رأس لفان، أكبر مركز لتصدير الغاز الطبيعي المسال في العالم.
وقال فيل كورنبلوث، رئيس شركة "كورنبلوث هيليوم كونسالتين" المتخصصة في استشارات سوق الهيليوم، إن جميع مصانع الهيليوم الثلاثة في قطر توقفت حالياً، ما أدى إلى خروج جزء كبير من الإمدادات العالمية من السوق، بحسب وول ستريت جورنال. ويحذر خبراء الصناعة من أن استمرار إغلاق مضيق هرمز قد يؤدي إلى انقطاع أكثر من ربع الإمدادات العالمية من الهيليوم، ما قد يخلق أزمة في سلاسل توريد التكنولوجيا المتقدمة.
