عربي
يكتسي رمضان في قطر هذا العام طعماً مختلفاً، فبينما تحافظ البيوت والمجالس على روحانيتها ودفئها المعتاد، ألقى العدوان الإسرائيلي الأميركي على إيران، والهجمات الصاروخية الإيرانية على البلاد، بظلالها الثقيلة على تفاصيل شهر الصيام، وغابت بعض المظاهر الاحتفالية مثل كرنفالات "القرنقعوه" و"الغبقات" الكبرى، لتحضر مشاعر القلق والدعاء برفع العدوان وانتهاء الهجمات.
ورغم ذلك، يظل هذا الشهر مناسبة يعيد فيها المجتمع ترتيب أولوياته الروحية والإنسانية، والتشبث بعاداته قدر المستطاع، في مشهد يزاوج بين الصبر والإيمان والتمسك بالهوية.
منذ الأيام الأولى من شهر شعبان، دأب القطريون على استقبال رمضان ضيفاً عزيزاً، يستعدون له روحياً واجتماعياً عبر تزيين البيوت بالفوانيس والإضاءات التراثية، وتهيئة المجالس لاستقبال الأهل والأصدقاء، وتجديد النية لاستثمار الشهر في العبادة وصلة الرحم. ومع حلول رمضان، يأخذ إيقاع الحياة شكلاً مختلفاً، يغلب عليه الهدوء نهاراً والحركة النشطة بعد الإفطار، في الأسواق والمساجد والمجالس.
وتقول الكاتبة وسيدة الأعمال، ميرفت إبراهيم لـ"العربي الجديد" إن رمضان في قطر "يتجاوز حدود الصيام والعبادة إلى فضاء اجتماعي وثقافي متكامل، تتجلى فيه ملامح الهوية القطرية الأصيلة"، مؤكدةً أن الشهر الكريم يشكل موسماً يتلاقى فيه الماضي بالحاضر، وتتجدد فيه قيم الكرم والتراحم والانتماء.
يبدأ اليوم الرمضاني في قطر قبل الفجر، مع جلسة سحور عائلية بسيطة يغلب عليها الطابع الصحي، إذ تجتمع الأسرة حول مائدة خفيفة في جو يملؤه الدعاء والسكينة، ثم يتوجه الناس لأداء صلاة الفجر، قبل أن تنطلق ساعات العمل والدراسة بإيقاع مراع لخصوصية الشهر.
ومع اقتراب الغروب، تتوجه الأنظار إلى لحظة الإفطار التي طالما ارتبطت في الوجدان القطري بصوت المدفع، الذي كان دويه يعلن دخول المغرب، فيتوقف المارّة وتُرفع الأيادي بالدعاء. هذا العام، تراجع حضور الناس بعد 28 فبراير/ شباط، لإطلاق مدفع رمضان في عدد من المواقع العامة التي كانت تشهد تجمعات جماهيرية، التزاماً بالاشتراطات الأمنية وتوقف الفعاليات الكبيرة، وبقي حاضراً بأعداد بسيطة ويبث عبرالقنوات التلفزيونية المحلية.
على مائدة الإفطار، تحضر الأطباق القطرية التقليدية التي توارثتها الأجيال، مثل الهريس المصنوع من القمح واللحم المطهو لساعات طويلة حتى يكتسب قوامه المعروف، والثريد الذي يجمع خبز الرقاق بمرق اللحم والخضراوات، إلى جانب أصناف الأرز والمشاوي والتمور والعصائر.
صاحب حساب"الوكرة لايف" محسن الجاسم، يصف أهم ما يميز رمضان بقوله إن "من أبرز العادات القطرية في رمضان اجتماع العائلة كاملة على مائدة الإفطار، والحرص على الإفطار في البيت مع الأهل، ومشاركة الجيران والأقارب في بعض الأيام"، ويشدد الجاسم في حديث مع"العربي الجديد" على أن تلك العادة تعكس عمق الروابط الأسرية والاجتماعية. وبعد الإفطار والتراويح، تأتي "الغبقة" بوصفها أحد أهم الطقوس الليلية، فهي وجبة اجتماعية متأخرة تجمع الأهل والأصدقاء في المجالس، تمتد لساعات يتخللها الحديث وتبادل الذكريات والتهنئة بالشهر.
لكن الهجمات الإيرانية الجوية التي بدأت على قطر في الحادي عشر من رمضان، فرضت واقعاً مختلفاً، فتوقفت الغبقات الجماهيرية الكبرى في الفنادق والقاعات بموجب قرارات رسمية حفاظاً على السلامة، لتبقى الغبقة حاضرةً في نطاق ضيق داخل البيوت وبعض المجالس العائلية المحدودة، مع تقليص الأعداد والاكتفاء بالدوائر الأقرب.
وتُعد ليلة "القرنقعوه" من أكثر المناسبات الرمضانية بهجةً في قطر، حيث يخرج الأطفال في منتصف الشهر مرتدين الأزياء الشعبية، حاملين الأكياس المزركشة، يطرقون أبواب البيوت مردّدين الأهازيج الخاصة بهذه الليلة، فيستقبلهم الأهالي بالحلويات والمكسرات، في مشهد يجسد فرح الطفولة وكرم المجتمع. وفي المعتاد، كانت المراكز التجارية والأحياء التراثية تنظم فعاليات واسعة للقرنقعوه، تشمل عروضاً شعبية ومسابقات وتوزيع هدايا على الأطفال. غير أن ظروف الحرب والتوتر الأمني هذا العام دفعا إلى إلغاء الفعاليات العامة لـ"القرنقعوه"، وتراجع خروج الأطفال في مواكب جماعية كما في السابق، ما أطفأ جزءاً من البهجة التي اعتادتها الأسر، وإن حاول البعض إحياء الأجواء داخل نطاق البيت أو العمارة السكنية، بشكل محدود وبعيداً عن التجمعات الكبيرة.
بعد صلاة التراويح، تظل المجالس القطرية نبضاً اجتماعياً وروحياً مهماً، ويتبادل الرجال والنساء في مجالسهم الأحاديث الودية، ويطمئنون على الأقارب والجيران، ويستعرضون أحوال العالم الإسلامي والمنطقة. في السنوات الماضية، كانت هذه المجالس تُزيَّن لاستقبال الضيوف في أجواء يغلب عليها الفرح وتبادل الأطباق الرمضانية، بينما تحوّل جزء كبير من أحاديث هذا العام إلى متابعة أخبار الهجمات الجوية على قطر ودول الخليج وتوقف إنتاج الغاز، والقلق على الأوضاع الأمنية والمعيشية.
ورغم تقليص عدد الضيوف في بعض المجالس، ازدادت روح التكافل حضوراً، إذ نشطت مبادرات فردية وجماعية لتقديم وجبات إفطار للصائمين المتضررين أو العالقين بعيداً عن أسرهم، إلى جانب زيادة الإقبال على الصدقات وزكاة المال دعماً للأسر المتضررة من آثار الحرب الاقتصادية. وفي قلب كل هذه المشاهد، يعلو صوت الدعاء، فالكثيرون باتوا يخصّصون جزءاً من صلواتهم وتهجدهم للدعاء برفع الاعتداءات، وحفظ البلاد وأهلها، وعودة الأمن والاستقرار للمنطقة.
هكذا يبدو رمضان في قطر هذا العام بين حضور طقوس راسخة وغياب بعض المظاهر التي اعتادها الناس، فمدفع الإفطار لم يعد مكاناً للتجمع كما كان، والغبقات الضخمة والاحتفالات الجماهيرية توقفت، وكرنفالات "القرنقعوه "خفتت في الشوارع. لكن في المقابل، تعززت جوانب أخرى من التجربة الرمضانية: التركيز على جوهر العبادة، والالتفاف الأسري داخل البيت، واستحضار نعمة الأمن التي تهتز تحت وقع الأخبار اليومية عن الهجمات والاعتداءات.
وبين ضوء الفوانيس في البيوت وصوت التلاوة في المساجد، يتمسك المجتمع بهويته وقيمه، ويحوّل هذا الامتحان القاسي إلى مساحة إضافية للصبر والرجاء، فالدعاء المشترك اليوم لا يقتصر على القبول والمغفرة، بل يتسع ليشمل التضرع إلى الله بإنهاء العدوان عن بلادهم وبلاد المسلمين، ليعود رمضان كما عرفوه موسماً كاملاً للفرح الروحي والاجتماعي، لا تفسده مدافع الحرب ولا تعكره أصوات الصواريخ.

أخبار ذات صلة.
مجتبى مرشداً... رسائل إيرانية
العربي الجديد
منذ 10 دقائق
كُتب على طاولات الرؤساء
العربي الجديد
منذ 11 دقيقة
من يوقف الحرب؟
العربي الجديد
منذ 11 دقيقة
متى تنتهي الحرب؟
العربي الجديد
منذ 12 دقيقة