عربي
ليس من المُزاح في شيءٍ أن يقول من يقول إن الحرب الراهنة على إيران ستنتهي عندما نقرأ على شاشات الفضائيات خبراً عاجلاً أنها انتهت. ففيما يخضع مسار أي حربٍ لحساباتٍ ميدانيةٍ وسياسيةٍ، ولتقديرات قادة الجيوش وأهل القرار في عدّة مؤسّسات، مدنيةٍ وعسكريةٍ واستخبارية، ثمّة هنا عاملٌ قد تفوق قوة ثقله تلك العوامل والمفاعيل، شخصُ ترامب نفسه، نوازعُه الخاصّة، تقديراتُه الذاتية، مع شيءٍ مما يسمع من وزير الحرب وكبار الجنرالات. وكان الرجل ذو الشعر الأصفر قد أبدى عجبه، في غضون المفاوضات مع طهران في جنيف، ومع استمرار تحشيده قوةً هائلةً في مياه الخليج، من "عدم رضوخ" إيران، فلا يُخطِره قادتُها بأنهم جاهزون لفعل ما يطلب، على ما نقل عنه مبعوثه المفاوض ويتكوف. وفي غضون إسقاط القذائف والقنابل على المدن الإيرانية، يُطالب حكّام طهران بالاستسلام غير المشروط لإيقاف الحرب. ولكن هؤلاء لا يتوقّفون عن رفضهم هذا الاستسلام، ومعه النوع المشروط أيضاً، بل يزاولون تصعيداً لفظياً عالياً، يتوازى مع ضرباتٍ مستمرّةٍ على مواقع في دولة الاحتلال، تفيد تقارير بأنها صارت أكثر إيذاءً. ... وأمام هذا الحال، هل سيواصل ترامب الحرب إلى ساعةٍ يأتيه فيها أن مجتبى خامنئي أشهر ذلك الاستسلام المُراد، وهذه ساعةٌ لن يحين لها موعد، أم يفعلها، ويعلن، ساعة سحورنا، في الليلة المقبلة أو غيرها، أن الولايات المتحدة انتصرت، بفعل ما أنجزه جيشُها "الرائع" (على ما يحبّ وصفه)، فحقّقت الحرب أهدافها، وستتوقّف العمليات العسكرية فجراً؟
أتعب كاتبٌ في "نيويورك تايمز" نفسه، في مقالةٍ له أول من أمس، وهو يسترسل في أربعة سيناريوهاتٍ محتملةٍ لنهاية الحرب. وكذلك يفعل زملاء ومعلقون عربٌ بلا عدد. ولا تعني وفرة السيناريوهات المنثورة في وسائط الإعلام والتواصل غير الحيرة إيّاها أمام تحطّم معايير التحليل السياسي الذهني الذي يربط الحقائق الماثلة والمعطيات المتوفّرة ببعضها، في حالة ترامب رئيساً للولايات المتحدة وصاحب القرار الأول بشأن الحرب؛ فصحيحٌ أن هذا الرجل يُعطي أذنيه لصديقه السيناتور، ليندسي غراهام، الذي يطرح استخدام قنبلةٍ نوويةٍ على إيران خياراً إذا أصرّوا هناك على عدم الاستسلام (غير المشروط!)، إلا أنه، في البدء والمختتم، يعرف أن للمضيّ في حربٍ بلا أفقٍ محسومٍ منظورٍ أكلافَه على الداخل الأميركي، وهو الذي يرفع لواء الازدهار الاقتصادي والبنزين غير المرهق في أسعاره على المواطن الموعود بالرفاهية، وليس بمتابعة أخبارٍ عن إجلاء أميركيين من هذا البلد وذاك، في أثناء حربٍ بدأ التساؤل ما إذا كانت من أجله حقّاً أم من أجل إسرائيل تجهر به أصواتٌ وازنةٌ في "الميديا" والكونغرس وغيرهما، وذلك فيما يعتقد 55% من الأميركيين أن إيران لم تشكل تهديداً عسكرياً لبلدهم قبل الحرب الجارية.
لا يقيمُ صاحب هذه الكلمات في دماغ ترامب، ولا يدّعي قدرة خاصّة على إدراك الأحاجي المُربكة في شخص هذا الرجل، غير أن في وسعه أن يقول إن مفردة "قريباً" التي جاء عليها هذا موعداً لنهاية الحرب تقتربُ خبراً عاجلاً على الشاشات، وإنْ يثرثر وزير الحرب الإسرائيلي كاتس ورئيسه نتنياهو بما يثرثران به، وهما، وطواقم غير قليلةٍ في المؤسّستين العسكرية والسياسية في إسرائيل، أخذهم الظنّ أن وقتاً غير طويل من حربٍ كالتي عبَرت إلى أسبوعها الثاني ستدفع جموعاً حاشدةً من الشعب الإيراني إلى الانتفاض، فيسقُط نظام الملالي، وإنْ لا يستسلم مجتبى خامنئي. والراجح أن هؤلاء، وصقوراً جهلةً في البيت الأبيض، لا يعرفون تعقيدات الداخل الإيراني المركّبة، والتي تجعل إسقاط النظام بالكيفيّة التي يمضون فيها، حرباً شرسةً واغتيالات مؤلمة وتدميراً واسعاً، وهماً يقف على رجلي دجاجة. والذي بان وتبيّن، في شواهد تكاد تكون بلا عدد، أن شروط انصراف الحاكمين الراهنين في طهران إلى التاريخ ليس منها عدوانٌ إسرائيليٌّ أميركيٌّ في حربٍ كالتي نرى، والمرتقب أن تنتهي لمّا نقرأ خبراً عاجلاً على شاشات التلفزات أن ترامب أنهاها. ومؤكّدٌ أن هذا لن يحدُث بعد أي استسلامٍ في طهران، وإنما بعد أن يقرّ في ذهن الرئيس المسمّى أن النصر الذي تحقّق كافٍ... وهذا موعدُه "قريباً".
