مبادرات فردية... متطوعون يدعمون آلاف النازحين اللبنانيين
عربي
منذ 3 أيام
مشاركة
أطلق لبنانيون مبادرات فردية لمساعدة النازحين، إيماناً بأنّ كل مساعدة، مهما كانت صغيرة، تُحدث فرقاً. غالبيتهم أشخاص رفضوا الاكتفاء بالبقاء في منازلهم، وقرّروا العمل على تخفيف أوجاع الناس. بات حجم النزوح كبيراً مع توسّع العدوان الإسرائيلي على لبنان خلال الأيام الماضية، بحسب بيانات وحدة إدارة الكوارث الحكومية ووزارة الشؤون الاجتماعية، لكن العاملين على الأرض يشيرون إلى أن الأعداد تفوق تلك الرسمية. وحتى مساء الأحد، بلغ العدد الإجمالي للنازحين المسجّلين 517 ألف شخص، حسب ما قالت وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيّد، ووفقاً للبيانات المتوفّرة، يقيم 117 ألفاً و228 نازحاً في 538 من مراكز الإيواء التي تشرف عليها الحكومة، لكنّ التقديرات تشير إلى مئات آلاف الأشخاص الذين لم يسجّلوا أسماءهم بعد. وخلال العدوان الإسرائيلي السابق، أو ما يسمى بحرب الـ66 يوماً، كانت الخيارات متاحة أكثر، إذ لجأ البعض إلى سورية أو إيران أو العراق، وكان التكاتف بين الناس أكبر، وفتح أهالي مناطق كثيرة بيوتهم للنازحين، كما فتحت مراكز إيواء. الأمر مختلف هذه المرة في ظل عدم شفاء البلاد من آثار العدوان السابق. ودفعت المشاهد الصعبة القائمة العديد من الأفراد إلى النزول إلى أرض الواقع لاستطلاع حاجات الناس في مراكز الإيواء، وفي الطرقات، ومحاولة تأمين ما تيسّر منها لهم، مستفيدين من بعض الخبرات التي اكتسبوها خلال فترة العدوان السابق، مع الاعتماد بالأساس على جمع التبرعات من الأصدقاء والجيران.  يقيم 117 ألفاً و228 نازحاً في 538 من مراكز الإيواء الرسمية، ويستفيد المتطوّعون من خبرات اكتسبوها خلال فترة العدوان السابق مع بداية توسع العدوان الإسرائيلي، كتبت اللبنانية روان مهنا، على "إنستغرام": "خلال الحرب الماضية، لم أستطع البقاء متفرجة. كنت أقدم المساعدة في مراكز الإيواء، وبمجهود شخصي، وعملت على تأمين الطعام واحتياجات العائلات النازحة، ووصلني في ذلك الوقت أكثر من 7000 دولار. الحمد لله، كان كل شيء واضحاً ويجري توثيقه، وأشكر الله على ثقة الناس. لكنني تعبت كثيراً، وما فعلته أثر على طاقتي، وظهر الأثر على صحتي بعد انتهاء الحرب، فقررت أن أهدأ قليلاً. لكن بعد ما رأيته خلال اليومين الأخيرين، وبعدما تواصل معي الناس وطلبوا مني بعض الأغراض الأساسية التي لم أكن قادرة على تأمينها، أرهقت نفسياً أكثر من التعب الجسدي، فقررت العودة لتقديم المساعدة من جديد"، تقول روان لـ"العربي الجديد": "ليل الأحد، حين توسّعت الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، كل ما فكرت به هو الاطمئنان على أمي القاطنة في منطقة صور في الجنوب. خلال حرب الـ66 يوماً، كنت أقدم المساعدات للأشخاص الذين حصلوا على بيوت بالمجان من فاعلي خير، لأن حاجاتهم كانت كبيرة، في حين كانت الجمعيات تقدم المساعدات اللازمة للنازحين في مراكز الإيواء. وقتها لم أكن أملك سيارة، وفي بعض الأحيان، كنت أجد نفسي أحمل أغراضاً أثقل مني، وكنت أكتفي بالنوم لساعتين أو ثلاثة". تتابع روان: "الاتصالات التي تلقيتها من النازحين والتبرعات التي بدأت تصل إليّ بعدما كسبت ثقة الناس خلال الحرب الماضية، كانت بالنسبة لي نداء للعودة إلى العمل التطوعي، وقد لاحظت أن هناك حاجة كبيرة لتأمين حليب الأطفال، إضافة إلى الحفاضات للأطفال وكبار السن. في البداية، فكرت في الاكتفاء بالتطوع مع إحدى الجمعيات، لكن عدد المتطوعين كبير، وأنا قادرة على مساعدة أشخاص لا تصلهم المساعدات. إحدى العائلات التي نزحت إلى مدينة صيدا (جنوب لبنان)، حيث يتلقى طفلهم (خمس سنوات) المصاب بالسرطان العلاج، هاتفتني لحاجتهم إلى الفرش والمال، فأرسلت لهم ما يحتاجون إليه، وآخرون ممن ينامون في الشارع طلبوا مساعدات أيضاً". تقضي روان يومها في تأمين احتياجات النازحين صباحاً، والمساعدة في أحد المطابخ التي تقدم الوجبات الغذائية للنازحين خلال فترة بعد الظهر، ثم المساعدة ليلاً في أحد مراكز الإيواء. تعود إلى منزلها نحو الساعة الثانية فجراً، لتنام قليلاً قبل أن تبدأ يوماً جديداً مماثلاً، وتقول: "لم نُشفَ بعد من الحرب الماضية. لذلك تعد وطأة هذه الحرب، وحاجات النازحين أكثر قسوة. أشعر أن أحوال الناس في مراكز الإيواء مختلفة، فغالبيتهم لا طاقة لهم على الكلام". بدّلت صدمة اليومين الأولين مشاعر وقرارات رجاء شاهين أيضاً، تقول لـ"العربي الجديد": "ربما كانت هذه المشاعر نتيجة إدراكي لما ينتظرني على الأرض. شعرت لفترة بفقدان القدرة على المساعدة، كأن طاقتي قد نفدت، علماً أنني الشخص نفسه الذي نزل إلى الشوارع للمساعدة في اليوم الأول من الحرب السابقة. لكن خارت قواي بعد اتفاق وقف إطلاق النار، وعانيت من نوبات هلع واكتئاب. لم نُشفَ بعد مما عشناه. لكن الاتصالات التي تلقيتها من أشخاص نازحين مدّتني بالقوة". تضيف رجاء: "الناس بحاجة إلى الدعم، وكلنا ندعم بعضنا البعض. أحياناً هم بحاجة إلى من يسألهم كيف حالكم فقط. لأنهم لا يريدون الشعور بأنهم تُركوا لمصيرهم المجهول. قررت سريعاً العودة إلى الشارع، وبدأت التواصل مع مسؤولي مراكز الإيواء لمعرفة كيفية توزّع النازحين، ثم تحديد المدارس التي لا تزال أكثر حاجة إلى المساعدات. الناس تتقاسم الفرش على سبيل المثال، والحاجة إلى الطعام أكبر، إضافة إلى الحفاضات وحليب الأطفال. كانت البداية عبر الإعلان على إنستغرام عن الحاجة إلى تبرعات مادية للبدء في تأمين احتياجات النازحين، إضافة إلى تبرع الناس بأغراض قد لا تلزمهم. أي مساعدة تحدث فرقاً، وليس هناك أعذار في أزمة كهذه، فالجميع قادرون على المساعدة، حتى لو من خلال التبرع بقطعة من ملابسهم". توزّع رجاء كل ما تشتريه أو تحصل عليه يومياً، وإضافة إلى مراكز الإيواء، تقصد الناس على الطرقات الذين لم يجدوا مأوى بعد، حتى أنها تتواصل مع الأشخاص في مراكز الإيواء لتعرف مقاس الحفاضات وأنواع الحليب، وقد عملت على تأمين الغاز لبعض مراكز الإيواء حتى يتمكن الناس من الطهي، وساعدها البعض في العثور على سلع أساسية بأسعار أرخص، وبالتالي باتت قادرة على شراء كميات وأغراض أكثر، تقول: "تبرع شخص بسيط بما قيمته نحو خمسة دولارات، وقد عنى لي ذلك الكثير، فهذا الشخص اقتسم حرفياً اللقيمات التي لا يملك غيرها مع النازحين". يثق الكثير من الناس برجاء التي تعمل مدربة على الصحة الغذائية وتملك "KayofHealth" الذي تبيع من خلاله المنتجات الصحية، وباتت تتولى شراء الأغراض وتوزيعها بنفسها، وتستخدم سيارتها الشخصية مكاناً للتخزين. لكنها تشير إلى أن سماع قصص الناس أمر قاسٍ، والغالبية يكرّرون إنهم لا يمكن أن يبقوا نازحين. "ليس سهلاً أن أرى مجدداً كبار السن يطلبون الطعام وغيره من الاحتياجات داخل مراكز الإيواء، فلدى هؤلاء عزة نفس، وكانوا يقطنون في بيوت محترمة. من أكثر ما يحزنني أن أقابل عائلة، وفي اليوم التالي أعرف أن عدد أفرادها تناقص لأنهم استشهدوا". قرر كثيرون مثل روان ورجاء العمل من أجل إغاثة النازحين بـ"اللحم الحي". من هؤلاء أحمد شحادة الذين كوّن مع مجموعة من الأصدقاء، بلغ عددهم لاحقاً 15 فرداً، خلية عمل للمساهمة في تلبية احتياجات الناس خلال الأسبوعَين الأولين من النزوح، إلى أن تستقر أوضاعهم. ويوضح أحمد أنه لا يستطيع أن يبقى طويلاً على هذه الحال بسبب حاجته للعودة إلى العمل. ويقول: "أعمل مصوراً، لكن لا يمكن تصوير الناس بينما هم في حاجة إلى أساسيات الحياة. تواصلنا مع أصدقاء موجودين في لبنان وفي الخارج، وطلبنا منهم إرسال المال لشراء مستلزمات للنازحين. أعددنا لائحة بالاحتياجات في عدد من مراكز الإيواء في العاصمة بيروت، وحاولنا الاستفادة من تجربة قطاع غزة، ومن نصائح الطبيب غسان أبو ستة الذي ركز على مواد النظافة، على اعتبار أن الكثير من الأمراض الجلدية التي أصيب بها الأطفال كانت مرتبطة بعدم توفر مقومات النظافة، وعدم قدرة الناس على غسل الثياب كما يجب". وعمد أحمد ورفاقه إلى شراء غسالات للنازحين، على أن تستفيد العائلات المقيمة في نفس المكان من الغسالة بالدور، إضافة إلى توفير كل ما يتعلق بالنظافة، لكنه يؤكد أن الحاجة إلى الفرش والبطانيات كبيرة، وتحتاج إلى دعم أكبر لتوفيرها لآلاف النازحين.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية