الحوثيون والحرب الإيرانية: فخاخ الانخراط ورهانات الداخل
أهلي
منذ يومين
مشاركة

ترجمة وتحرير “يمن موينتور”

(ذا اتلانتك كاونسل) “المجلس الأطلسي” كتبته: أليسون مينور

بعد مرور أسبوع على اندلاع الحرب الإيرانية، لم يتدخل الحوثيون بعد للدفاع عن طهران، لكنهم حذروا في مراسلات رسمية من أن “أصابعهم على الزناد”. وقد شكل هذا التريث الحوثي الواضح مفاجأة لمن يعتبرونهم مجرد وكيل لإيران أو ميليشيا مولعة بالقتال. غير أن هذين الوصفين قاصران؛ فالحوثيون جماعة شديدة التكيف، تمتلك أهدافاً إقليمية كبرى وطموحات محلية لم تتحقق بعد.

إن الانخراط في الحرب الإيرانية لن يحقق للحوثيين ذات المكاسب الداخلية والدولية التي جلبها لهم مهاجمة إسرائيل والملاحة في البحر الأحمر خلال حرب غزة، بل إن القتال في الصراع الإيراني قد ينطوي على مخاطر أكبر. ففي حين أدت مشاركتهم في حرب غزة إلى رفع مكانتهم على الساحة الدولية وسمحت لهم بالاستثمار في التأييد الشعبي الواسع للفلسطينيين بين اليمنيين في وقت كان يتصاعد فيه التذمر الداخلي، يبدو اليمنيون أكثر تحفظاً حيال دعم إيران؛ وهي الدولة ذات الموارد الوفيرة التي يراها الكثيرون في اليمن مجرد قوة أجنبية أخرى تتدخل في شؤون بلادهم. وعلاوة على ذلك، فإن انخراط المملكة العربية السعودية في الحرب الحالية يعني أن تدخل الحوثيين قد ينهي حالة التهدئة السعودية الحوثية القائمة منذ عام 2022، مما قد يغرق اليمن مجدداً في أتون حرب مباشرة مع الرياض.

وإذا قرر الحوثيون إقحام أنفسهم في الحرب الإيرانية، فقد يكون ذلك نابعاً من قناعتهم بأن التهدئة لم تعد تخدم مصالحهم. وبناءً عليه، فإن تورط الحوثيين في هذه الحرب قد يعيد إشعال فتيل الحرب اليمنية بعد أربع سنوات من الهدوء النسبي، وهو ما سيحمل تداعيات خطيرة على اليمن والمنطقة بأسرها.

 

ثلاثة سيناريوهات لانخراط الحوثيين في الحرب الإيرانية

يتمثل الخيار الأقل خطورة بالنسبة للحوثيين في استئناف الهجمات ضد إسرائيل. ورغم أن الغالبية العظمى من صواريخ الحوثيين وطائراتهم المسيرة خلال حرب غزة قد جرى اعتراضها أو فشلت في الوصول إلى أهدافها، إلا أن الجماعة أثبتت قدرتها على اختراق الأجواء الإسرائيلية. وبالفعل، أدت الضربات الحوثية على إسرائيل إلى وقوع عشرات الضحايا وإلحاق أضرار بمطار بن غوريون. ومن شأن هذا السيناريو أن يستدعي ضربات جوية إسرائيلية متجددة على اليمن، وهي ضربات كانت مكلفة عسكرياً واقتصادياً للحوثيين، لكنها ساعدت أيضاً في حشد الدعم الشعبي الداخلي لهم. وكانت الضربات الإسرائيلية لميناء الحديدة مؤلمة بشكل خاص، حيث يعد الميناء شريان حياة أساسياً لليمن الذي يعتمد على الواردات، فضلاً عن كونه مصدراً لعائدات النفط غير القانونية للحوثيين. وفي الوقت نفسه، أظهر الحوثيون مرونة ملحوظة تجاه الضربات الجوية، بعد أن صمدوا أمام حملات جوية مكثفة طوال العقد الماضي. ورغم أن ضربة إسرائيلية أدت لمقتل بعض القيادات السياسية في صنعاء، إلا أن القيادة العسكرية للحوثيين وصناع القرار الفعليين داخل الحركة لم يمسهم سوء.

أما الخيار الثاني، فهو استئناف الحوثيين هجماتهم ضد السفن التجارية في البحر الأحمر، مما قد يهدد تهدئتهم مع السعودية. إن تعطيل الملاحة التجارية أسهل بكثير بالنسبة للحوثيين من ضرب إسرائيل، نظراً لموقعهم الاستراتيجي المطل على مضيق باب المندب. وقد أغرق الحوثيون عدة سفن تجارية خلال حرب غزة باستخدام مزيج من المسيرات والصواريخ والزوارق المأهولة وغير المأهولة، وكادت المخاطر الناجمة عن هجماتهم أن توقف المرور عبر البحر الأحمر وقناة السويس في عام 2023. لكن مهاجمة البحر الأحمر في عام 2026 ستكون أكثر تأثيراً وأشد خطورة؛ فمع إغلاق مضيق هرمز فعلياً بسبب الحرب الإيرانية، تعتمد السعودية على منشآتها المطلة على البحر الأحمر للحفاظ على صادراتها النفطية، التي يتجه معظمها إلى آسيا وتمر عادةً جنوباً باتجاه اليمن. وفي حال تعطل مسار البحر الأحمر، قد تتوقف تدفقات النفط الخليجية تماماً بعد أسبوعين آخرين من الحرب. وبناءً على ذلك، يرجح أن السعودية تبلغ الحوثيين حالياً بأن الهجمات في البحر الأحمر تعد خطاً أحمر قد يستدعي رداً عسكرياً سعودياً. ولأن الحوثيين يميلون إلى اختبار الخطوط الحمراء، فقد يشنون هجمات محدودة ثم يتراجعون إذا وجدوا أنها ستنهي التهدئة مع الرياض، أو قد يسعون لاستغلال المخاوف السعودية المتزايدة لانتزاع تنازلات جديدة.

الخيار الثالث والأكثر تأثيراً هو استئناف الحوثيين هجماتهم ضد السعودية و/أو الإمارات العربية المتحدة. وقد يتزامن ذلك مع هجمات في البحر الأحمر وعمليات برية داخل اليمن تهدف للسيطرة على موارد النفط والغاز وإضعاف الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً. وبقيامهم بذلك، سيعيد الحوثيون إشعال الحرب اليمنية فعلياً. وإذا قررت السعودية أو الإمارات الرد عسكرياً على الهجمات الإيرانية التي تستهدف البنية التحتية المدنية والاقتصادية في البلدين، فقد يستخدم الحوثيون ذلك الرد للادعاء بأن دول الخليج هي من خرقت التهدئة. وإذا اختار الحوثيون هذا المسار، فسيكون دافعهم الأساسي هو حساباتهم المتعلقة بالوضع الداخلي في اليمن، وليس الحرب في إيران.

رمال متحركة داخل اليمن

وافق الحوثيون على هدنة برعاية الأمم المتحدة مع الحكومة اليمنية في أبريل 2022، بعد سلسلة من الهجمات المكلفة التي فشلت في السيطرة على موارد النفط والغاز في محافظة مأرب. ورغم أن نحو 75% من سكان اليمن (البالغ عددهم حوالي 35 مليون نسمة) يعيشون في مناطق سيطرة الحوثيين، إلا أن الجماعة لا تسيطر على أي من موارد النفط والغاز. وقد اعتمد الحوثيون على مبيعات النفط غير القانونية، والضرائب الباهظة، والقبضة الحديدية على النشاط الاقتصادي لتمويل بنائهم العسكري، لكن شمال اليمن يواجه أزمة اقتصادية مستمرة تهدد استدامة سيطرتهم على المدى الطويل. وقد تفاقمت هذه الأزمة بعد أن أجبرت مضايقات الحوثيين واحتجازهم لعمال الإغاثة برنامج الأغذية العالمي على وقف توزيع المساعدات الغذائية في الشمال في يناير، مما ترك المناطق الخاضعة لسيطرتهم في عزلة متزايدة.

لقد كانت هدنة أبريل 2022 والمحادثات السعودية الحوثية عبر القنوات الخلفية مؤشراً على تحول في نهج الجماعة؛ فبعد فشلهم في تأمين مصدر دخل مستدام وترسيخ سيطرتهم عسكرياً، سعوا لتحقيق ذلك عبر المفاوضات. وظل الحوثيون يأملون في أن تضغط السعودية على الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً لقبول اتفاق يمنحهم السيطرة على معظم موارد البلاد، حتى بعد بدء حملتهم في البحر الأحمر وإعادة تصنيفهم كمنظمة إرهابية أجنبية من قبل الولايات المتحدة في مارس 2025. وربما كانت المخاوف من هكذا اتفاق أحد الدوافع وراء تحرك المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً للسيطرة على أراضٍ من فصائل حكومية أخرى في ديسمبر.

وعقب عمليات المجلس الانتقالي ووسط توترات متصاعدة بين السعودية والإمارات، قررت القيادة السعودية مضاعفة دعمها للحكومة المعترف بها دولياً، حيث قدمت لها مئات الملايين من الدولارات كدعم اقتصادي جديد وعملت على توحيد قيادتها العسكرية. قد يشير هذا إلى تحول في النهج السعودي؛ فبينما كانت الرياض ترى في مجلس القيادة الرئاسي عند تشكيله عام 2022 هيئة تفاوضية لمحادثات السلام المستقبلية، فإنها تعمل الآن على تعزيزه كجهة حاكمة فعالة، وهو ما قد يمثل تهديداً مباشراً للحوثيين في حال نجاحه.

وإذا قدر الحوثيون أن النهج السعودي قد تغير وأن الاتفاق لم يعد ممكناً، فقد يدفعهم ذلك لاستئناف الحرب. إذ قد يرون أن انشغال السعودية بالهجمات الإيرانية وحالة إعادة التشكيل التي تمر بها الحكومة اليمنية، يمثلان فرصة سانحة لشن هجوم عسكري للسيطرة على موارد النفط والغاز. وقد بدأ بعض المحللين يحذرون من أن الحوثيين يبدو أنهم يستعدون لحرب برية، بما في ذلك عبر حملات تجنيد واسعة النطاق.

 

تداعيات إعادة إشعال الحرب اليمنية

بينما يظل اليمن مصدراً مستمراً لعدم الاستقرار الإقليمي، ظلت الحرب الأهلية والهجمات الحوثية العابرة للحدود ضد السعودية والإمارات متوقفة طوال السنوات الأربع الماضية. وحتى قبل هدنة 2022، كان التحالف بقيادة السعودية قد قلص عملياته داخل البلاد بشكل كبير، ولم يشهد اليمن صراعاً واسع النطاق وحملات للتحالف تهدف للإطاحة بالحوثيين منذ عام 2018.

إن إعادة إشعال الحرب اليمنية ستفتح جبهة كبرى أخرى في وقت يعاني فيه الشرق الأوسط أصلاً من ويلات الحرب. وبالنسبة لليمنيين، سيعمق ذلك الأزمة الإنسانية التي ستتفاقم أكثر بسبب نقص المساعدات الغذائية. كما ستمثل الهجمات الحوثية المتجددة تحدياً تكتيكياً خطيراً للسعودية، حيث ستضطر الرياض لتوجيه دفاعاتها الجوية المحدودة أصلاً للتصدي لهجمات قادمة من الجنوب والشرق في آن واحد.

ومن خلال زيادة عدد الأطراف المنخرطة في صراعات متشابكة عبر الخليج، فإن اندلاع حرب نشطة داخل اليمن سيجعل من الصعب للغاية إيجاد مسارات لخفض التصعيد، وسيوسع من دائرة تداعيات حرب من المؤكد أنها ستغير وجه المنطقة لسنوات قادمة.
_________

أليسون مينور: مديرة مشروع التكامل في الشرق الأوسط بمركز رفيق الحريري وبرامج الشرق الأوسط التابع للمجلس الأطلسي. شغلت سابقاً منصب نائبة المبعوث الأمريكي الخاص إلى اليمن ومديرة شؤون شبه الجزيرة العربية في مجلس الأمن القومي.

 

The post الحوثيون والحرب الإيرانية: فخاخ الانخراط ورهانات الداخل appeared first on يمن مونيتور.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية