عربي
تشهد منطقة الشرق الأوسط مرحلة بالغة الحساسية في ظل الحرب الدائرة ضد إيران، وهي حرب لا تقتصر آثارها على أطرافها المباشرين، بل تمتد انعكاساتها لتشمل دولاً عديدة في الإقليم. وتأتي سورية في مقدمة الدول التي يمكن أن تتأثر بتداعيات هذه الحرب، رغم أنها ليست طرفاً مباشراً فيها.
الموقع الجغرافي لسورية، وتعقيدات وضعها السياسي والأمني والاقتصادي بعد سنوات طويلة من الصراع، يجعلانها عرضة للتأثر العميق بأي تغيرات في التوازنات الإقليمية. ورغم أن دمشق تحاول اليوم النأي بنفسها عن هذه المواجهة الإقليمية، يفيد الواقع بأن تأثيرات الحرب لن تكون مباشرة بالضرورة، بل ستظهر في الغالب عبر مسارات غير مباشرة تتعلق بإعادة تشكيل التحالفات والتوازنات السياسية والاقتصادية والعسكرية في المنطقة. كما أن هشاشة الوضع الداخلي السوري تجعل البلاد أكثر عرضة لتلقي الصدمات الخارجية، خصوصاً مع استمرار الأزمة الاقتصادية وضعف الموارد المالية للدولة.
... مع اندلاع الحرب وتزايد حدتها، باتت الأنظار الدولية مركزة على تطورات الصراع مع إيران، الأمر الذي دفع الملف السوري إلى مرتبة ثانوية على جدول الاهتمامات العالمية، فالدول الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، إضافة إلى دول الخليج العربي، أصبحت منشغلة بشكل أساسي بمجريات الحرب اليومية وتداعياتها الاستراتيجية.
وكانت سورية في مرحلة ما بعد الحرب الداخلية تأمل بالحصول على دعم سياسي واقتصادي من هذه الدول من أجل المساهمة في عملية التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار. غير أن انخراط هذه القوى في الصراع الدائر يعني عملياً تأجيل أي مشاريع دعم كبيرة للاقتصاد السوري، ما يضع الحكومة السورية أمام تحديات إضافية في ظل موارد مالية محدودة وخزانة شبه خاوية. ويأتي ذلك في وقت تحتاج فيه البلاد إلى استثمارات ضخمة لإعادة بناء البنية التحتية المدمرة وإنعاش الاقتصاد المتعثر، الأمر الذي يزيد من تعقيد الوضع الاقتصادي والاجتماعي للبلاد.
من الناحية العسكرية والأمنية، تبقى المخاوف الرئيسية في سورية مرتبطة بإمكانية توسع نطاق الحرب إلى دول الجوار، ولا سيما العراق ولبنان
بين الحياد الإقليمي وإعادة التموضع
في السياق السياسي، تبدو سورية اليوم في موقع مختلف عما كانت عليه في السنوات الماضية، فهي لم تعد جزءاً من "محور المقاومة" الذي كانت تقوده إيران، وفي الوقت نفسه، لم تستكمل بعد عملية إعادة تموضعها الكامل داخل المنظومة العربية والإقليمية الجديدة. وقد حاولت دمشق أخيراً اتباع سياسة خارجية أكثر مرونة وبراغماتية، تقوم على الانفتاح على أطراف متعددة إقليمياً ودولياً، مع تجنّب الانخراط في محاور صلبة. ويعكس النشاط الدبلوماسي السوري في الفترة الماضية، والذي شمل التواصل مع قوى إقليمية ودولية مختلفة، توجّهاً واضحاً نحو بناء سياسة خارجية جديدة تقوم على قراءة
واقعية لموازين القوى بعيداً عن الشعارات السياسية التقليدية. وبهذا المعنى، يمكن القول إن سورية نجحت في تجنّب النتائج المباشرة للحرب الإقليمية عبر الابتعاد عن الاصطفافات الحادّة، إلا أن ذلك لا يعني أنها ستكون في منأى عن تداعياتها غير المباشرة.
ومن الناحية العسكرية والأمنية، تبقى المخاوف الرئيسية في سورية مرتبطة بإمكانية توسع نطاق الحرب إلى دول الجوار، ولا سيما العراق ولبنان. ففي حال امتد الصراع إلى هذه الدول أو شهدت أراضيها مواجهات عسكرية مباشرة وواسعة النطاق، ستجد سورية نفسها تلقائياً في دائرة التأثر المباشر. ولهذا السبب، عمدت الحكومة السورية إلى تعزيز انتشار قواتها على الحدود مع العراق ولبنان، تحسّباً لأي تطورات قد تؤدي إلى تسلل مجموعات مسلحة عبر الحدود، فيما تشير تقديرات إلى احتمال حدوث موجات نزوح من لبنان نحو سورية في حال تصاعُد المواجهة هناك، بما في ذلك أعداد كبيرة من اللاجئين السوريين في لبنان، ما سوف يزيد من الضغط الاقتصادي على الحكومة.
كما سجلت بعض الحوادث التي تمثلت بسقوط بقايا صواريخ ومسيرات في مناطق متفرقة داخل الأراضي السورية نتيجة التصدي للقصف الإيراني الموجّه إلى إسرائيل فوق الأراضي السورية، وهو ما يبرز مدى هشاشة الوضع الأمني وإمكانية انتقال تداعيات الحرب إلى الداخل السوري حتى من دون مشاركة مباشرة فيها.
آثار اقتصادية مباشرة
وقد بدأت بعض آثار الحرب تظهر بالفعل داخل سورية. فقد شهدت البلاد عودة أزمات الطاقة التي كانت قد بدأت بالانحسار تدريجياً في الأشهر الماضية، حيث عادت طوابير الغاز والوقود إلى الظهور في مناطق عديدة، فيما أعلنت وزارة الطاقة السورية أن انخفاض ساعات التغذية الكهربائية يعود إلى تراجع كميات الغاز الطبيعي الواردة عبر الأردن والمخصصة لتشغيل محطات توليد الكهرباء، نتيجة التصعيد الإقليمي، وتعذر استمرار ضخ الغاز مؤقتاً وفق الاتفاقات السابقة.
وتعتمد سورية جزئياً على الغاز القادم عبر الأردن لتشغيل محطات توليد الكهرباء، في ظل ضعف
الإنتاج المحلي وتضرر البنية التحتية للطاقة خلال سنوات الحرب الطويلة. وكانت دمشق قد بدأت في مطلع العام تسلم الغاز الطبيعي عبر خط الغاز العربي بمعدل يقارب أربعة ملايين متر مكعب يومياً بهدف التخفيف من أزمة الكهرباء، إلا أن التطورات الإقليمية أخيراً أدّت إلى تعطيل هذا المسار. كما أدّى سقوط بقايا صاروخ في ريف دمشق إلى خروج أحد محولات محطة تحويل العتيبة الصناعية عن الخدمة، ما سبّب مزيداً من الضغط على شبكة الكهرباء الهشة أصلاً.
اضطراب خطط التعافي
تعتمد سورية في ميزانيتها لعام 2026 على خطة تعافٍ صناعي، لكن الحرب ضد إيران تضرب عصب هذه الخطة. ووصول سعر النفط المحتمل إلى عتبة 100-110 دولارات يعني زيادة فاتورة الاستيراد السورية بنسبة لا تقل عن 40%. ويترجم هذا الارتفاع فوراً إلى تضخم في أسعار المواد الغذائية، ما يهدد الأمن الغذائي لشرائح واسعة. كما أن تعطل خط الغاز العربي يعني عودة "التقنين القاسي" للكهرباء، ما يعطّل المعامل والمصانع التي بدأت لتوها بالعمل في مدن مثل الشيخ نجار وحسياء. وسيكون لهذا الارتفاع انعكاسات مباشرة على قطاعات الإنتاج المختلفة، مثل الزراعة والصناعة والنقل، ما قد يؤدّي إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج ومن ثم زيادة أسعار السلع في الأسواق المحلية. كما أن أي استهداف محتمل للبنى النفطية في دول الخليج قد يؤدي إلى تقليص الاستثمارات الخليجية في المنطقة، بما في ذلك سورية التي كانت تأمل في جذب استثمارات عربية لدعم اقتصادها المتعثر.
ومن التداعيات المباشرة أيضاً استمرار إغلاق الأجواء وتعطل حركة الطيران في مطار دمشق الدولي، وهو ما يعرقل حركة نقل الركاب والشحن الجوي. ويؤثر ذلك مباشرةً على حركة التجارة الخارجية، خصوصاً في ظل اعتماد سورية بشكل كبير على الاستيراد لتأمين سلع أساسية عديدة. كما شهدت حركة شحن البضائع تباطؤاً ملحوظاً بعد فترة من التحسّن النسبي، الأمر الذي يزيد من الضغوط على الأسواق المحلية، ويسهم في ارتفاع الأسعار.
وعلى المستوى الاجتماعي، قد تؤدّي هذه التطورات إلى تفاقم الأعباء المعيشية على المواطنين الذين يعانون أصلاً أوضاعاً اقتصادية صعبة. فارتفاع أسعار الطاقة والمواد الغذائية سيزيد من الضغوط على الأسر السورية التي تعتمد نسبة كبيرة منها على الدخل المحدود أو التحويلات الخارجية. كما أن أي موجات نزوح محتملة من الدول المجاورة قد تضع ضغوطاً إضافية على البنية التحتية والخدمات العامة داخل البلاد. وتشير التقديرات إلى احتمال دخول مئات الآلاف من اللبنانيين والسوريين اللاجئين في لبنان إلى الأراضي السورية. هذا الضغط الديمغرافي المفاجئ يرهق البنية التحتية المتهالكة (المشافي، المدارس، المخابز)، ويستنزف إمكانات الدولة المحدودة ويجعلها منهمكة في إدارة أزمات معيشية ومجتمعية، بدل التخطيط للتعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار وتحسين مستوى الخدمات.
نتائج الحرب قد تعيد رسم خريطة النفوذ الإقليمي بين القوى الكبرى في المنطقة. ويرى بعض المحللين أن إسرائيل تسعى من خلال هذه الحرب إلى فرض واقع سياسي جديد في الشرق الأوسط
المسألة الكردية والخطط الإسرائيلية
ومن بين السيناريوهات التي يطرحها بعض المراقبين احتمال حدوث تغيرات داخل إيران نفسها في حال تعرضت لضربات قاسية أو شهدت اضطرابات داخلية. ففي مثل هذا السيناريو، قد تسعى بعض القوى الكردية الإيرانية إلى استغلال الوضع للمطالبة بكيان سياسي مستقل. وإذا حدث هذا، فقد يشجع الأكراد في دول الجوار، بما في ذلك سورية، على رفع سقف مطالبهم السياسية، وربما إعادة النظر في الاتفاقات القائمة بين "قوات سوريا الديمقراطية" والحكومة السورية والتي أخذت طريقها إلى التطبيق منذ فترة وجيزة فقط، ما قد يشكل تحدّياً إضافياً أمام الدولة السورية التي تسعى إلى تثبيت الاستقرار
الداخلي وإعادة بناء مؤسساتها بعد سنوات من الصراع.
وعلى المدى الأبعد، من المرجّح أن يكون التأثير الأكبر للحرب على سورية مرتبطاً بإعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية في الشرق الأوسط. فنتائج الحرب قد تعيد رسم خريطة النفوذ الإقليمي بين القوى الكبرى في المنطقة. ويرى بعض المحللين أن إسرائيل تسعى من خلال هذه الحرب إلى فرض واقع سياسي جديد في الشرق الأوسط، يقوم على إعادة ترتيب موازين القوى بما يعزز هيمنتها العسكرية والسياسية والاقتصادية في المنطقة. وفي حال خرجت إسرائيل منتصرة من هذه المواجهة، فقد تحاول فرض ترتيبات أمنية جديدة على الدول المجاورة، بما في ذلك سورية. وقد يتجاوز الأمر مسألة تثبيت السيطرة على هضبة الجولان المحتلة، ليصل إلى فرض شروط أمنية وسياسية جديدة على دمشق تحت ذرائع أمنية أو عبر استغلال بعض القضايا الداخلية المعلقة مثل الوضع في السويداء.
وتثير تقارير إعلامية إسرائيلية مخاوف مزعومة من تحرّكات عسكرية سورية قرب هضبة الجولان، رغم نفي السلطات السورية هذه المعلومات. إلا أن هذه التقارير تعكس حساسية الوضع العسكري في تلك المنطقة وإمكانية تحولها إلى بؤرة توتر جديدة في حال تغيرت موازين القوى الإقليمية. وإذا خرجت إسرائيل منتصرة بوضوح من المواجهة الحالية، فمن المرجّح أن تسعى إلى تحويل هذا الانتصار العسكري إلى مكاسب سياسية وأمنية طويلة الأمد. وفي سورية، قد يظهر ذلك بعدة طرق، مثل محاولة فرض ترتيبات أمنية جديدة حيث تعتبر إسرائيل الجبهة السورية من أهم مصادر التهديد تاريخياً. لذلك قد تسعى إلى توسيع المنطقة الأمنية العازلة إلى حدود دمشق وفرض قيود صارمة على انتشار الجيش السوري في الجنوب، بغية اقامة نظام ردع طويل الأمد يفرض واقعاً أمنياً جديداً، إضافة إلى منع وصول أسلحة استراتيجية إلى سورية، وتكثيف ما تسميه "الضربات الوقائية" إذا رأت تهديدات مزعومة.
كما سوف تعمل حكومة الاحتلال على تثبيت احتلال الجولان، مع التشبث بمواقع احتلتها بعد سقوط النظام السابق، مثل قمة جبل الشيخ، لكن من دون ترجيح التوسع الجغرافي داخل الأراضي السورية، لأن ذلك قد يفتح جبهات جديدة ويثير رفضاً دولياً واسعاً.
وبوجه عام، سوف تجد إسرائيل في هزيمة إيران فرصة لإعادة ترتيب البيئة الاستراتيجية في الشرق الأوسط عبر تعزيز تفوقها العسكري المطلق في المنطقة، بحيث تصبح القوة الأكثر تأثيراً من دون منافس إقليمي قوي، وقد تحاول استثمار اللحظة لدفع مزيد من الدول العربية نحو عقد اتفاقيات تطبيع وتعاون اقتصادي وأمني وبناء تحالفات إقليمية ضد "التهديدات المشتركة"، مع تجاهل ملف القضية الفلسطينية الذي ظل عاملاً حساساً في فرملة التعاون العربي مع إسرائيل.
وفي المقابل، ورغم الدعم الأميركي القوي لإسرائيل، قد تفرض ظروف المنطقة المعقدة والمتغيرة نفسها، خصوصاً أن الولايات المتحدة لا تريد فوضى إقليمية، حتى لو دعمت إسرائيل عسكرياً، فإنها غالباً لا تريد حروباً مفتوحة طويلة، أو احتلال أراضٍ جديدة، أو انهيار دول المنطقةـ لأن ذلك قد يؤدي إلى عدم استقرار يضر بالمصالح الأميركية التي هي أوسع من الاهتمامات الإسرائيلية الضيقة والمبالغ فيها، خصوصاً حرص الولايات المتحدة على استقرار الخليج وأمن الطاقة العالمي ومنع توسع نفوذ قوى أخرى مثل روسيا أو الصين في المنطقة.
الحرب ضد إيران يمكن أن تكون اختباراً قوياً لصلابة الدولة السورية وقدرتها على النهوض من بين الركام، وسط تداخل غير مسبوق بين الملفات الداخلية والخارجية
بين المخاطر والفرص
رغم المخاطر الكبيرة التي قد تحملها هذه الحرب لسورية، قد تفتح التغيرات الإقليمية أيضاً فرصاً محدودة أمام دمشق لإعادة تعزيز موقعها السياسي والدبلوماسي، خاصة إذا نجحت في الحفاظ على سياسة التوازن والابتعاد عن سياسة المحاور. ففي حال أعادت الحرب تشكيل النظام الإقليمي بشكل جذري، قد تجد سورية نفسها أمام فرصة لإعادة الاندماج في المنظومة الإقليمية الجديدة بشروط أفضل، خصوصاً إذا تمكنت من تثبيت الاستقرار الداخلي وتحسين علاقاتها مع الدول العربية.
وعلى الصعيد الاقتصادي، في حال استقرار الوضع الأمني النسبي في سورية مقارنة بجيرانها المشتعلين، فإن الموانئ السورية (اللاذقية وطرطوس) قد تصبح هي المنافذ الأكثر أماناً للتجارة المتوجهة نحو العراق والأردن والخليج، هرباً من توترات الخليج العربي ومضيق هرمز.
وفي المحصلة، تبدو سورية اليوم في موقع حساس بين محاولتها النأي بنفسها عن الحرب الإقليمية الدائرة وواقع جغرافي وسياسي يجعلها عرضة لتداعياتها. فالتأثيرات المباشرة للحرب قد تبقى محدودة نسبياً، لكنها قد تتفاقم عبر مسارات غير مباشرة تتعلق بالاقتصاد والطاقة وحركة التجارة والتوازنات السياسية في المنطقة.
وعلى المدى الأبعد، سيعتمد حجم تأثير هذه الحرب على سورية إلى حد كبير على نتائجها النهائية وعلى شكل النظام الإقليمي الذي قد ينشأ بعدها. فإما أن تجد دمشق نفسها أمام بيئة إقليمية أكثر استقراراً تسمح لها بالتركيز على إعادة البناء، وإما أن تدخل مرحلة جديدة من عدم اليقين الجيوسياسي الذي قد يفرض عليها تحديات إضافية في مسار التعافي الطويل.
بطبيعة الحال، لا يعني ما سبق أن سورية اليوم مجرد ضحية للجغرافيا، بل هي فاعل سياسي يحاول اجتراح معجزة البقاء والازدهار وسط النيران. والحرب ضد إيران يمكن أن تكون اختباراً قوياً لصلابة الدولة السورية وقدرتها على النهوض من بين الركام، وسط تداخل غير مسبوق بين الملفات الداخلية والخارجية، ما يتطلب إدارة رشيدة تسهم في تجنب المخاطر وتحويلها إلى فرص.
