عربي
يُعدّ وليد الخالدي، الذي رحل، أول من أمس الأحد، أحد أبرز المؤرخين الفلسطينيين في القرن العشرين، ومن أكثرهم تأثيراً في كتابة التاريخ الحديث لفلسطين، وإعادة صياغة الرواية التاريخية المتعلقة بالنكبة والصراع العربي–الإسرائيلي. وقد كرّس حياته العلمية لدراسة تاريخ فلسطين والقضية الفلسطينية، وساهم من خلال أعماله البحثية ومشاريعه المؤسسية في تأسيس حقل معرفي متماسك حول تاريخ فلسطين الحديث، مستنداً إلى الوثائق التاريخية والبحث الأكاديمي الدقيق، ومواجهاً في الوقت ذاته الروايات الصهيونية التي سعت إلى تفسير تهجير الفلسطينيين عام 1948 بطرق تبرّئ المشروع الصهيوني من مسؤوليته التاريخية.
وُلد الخالدي في القدس عام 1925 لأسرة مقدسية، عُرفت بمساهمتها الثقافية والتعليمية. وكان والده، أحمد سامح الخالدي، مدير الكلية العربية في القدس خلال فترة الانتداب البريطاني، وهي مؤسسة تعليمية لعبت دوراً مهماً في تكوين النخبة الفلسطينية آنذاك. وقد نشأ الخالدي في بيئة ثقافية أكاديمية ساهمت في تشكيل اهتمامه المبكر بالتاريخ والسياسة. كما أن انتماءه إلى جيل عايش فلسطين في ظل الانتداب البريطاني ثم شهد أحداث النكبة عام 1948 ترك أثراً عميقاً في توجهاته البحثية، إذ تحوّل تاريخ فلسطين الحديث، ولا سيما النكبة، إلى محور أساسي في أعماله الأكاديمية.
لم يقتصر دور الخالدي على الكتابة التاريخية فحسب، بل كان أيضاً من المؤسسين لأهم المؤسسات البحثية المتخصصة في الدراسات الفلسطينية. ففي عام 1963 شارك مع قسطنطين زريق وبرهان الدجاني في تأسيس مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت، التي أصبحت منذ ذلك الحين أحد أهم المراكز البحثية المتخصصة في دراسة فلسطين والصراع العربي–الإسرائيلي. وقد لعبت هذه المؤسسة دوراً محورياً في نشر الدراسات الأكاديمية والوثائق التاريخية المتعلقة بفلسطين، كما ساهمت في تكوين جيل من الباحثين العرب المتخصصين في هذا المجال.
ومن أبرز مساهمات الخالدي المبكرة مقالتان شهيرتان نُشرتا في خمسينيات وأوائل ستينيات القرن الماضي، تناولتا مسألة تهجير الفلسطينيين والمخطط الصهيوني المعروف باسم خطة دالت. ففي دراسته المعنونة "لماذا غادر الفلسطينيون؟"، التي تُعد من أوائل الأعمال الأكاديمية التي سعت إلى تفكيك الرواية الإسرائيلية القائلة بأن الفلسطينيين غادروا بلادهم استجابة لنداءات أو أوامر من القيادات العربية، اعتمد الخالدي على مجموعة واسعة من المصادر التاريخية، شملت بيانات اللجنة العربية العليا، ووثائق جامعة الدول العربية، وتقارير الصحافة المعاصرة، والتسجيلات الإذاعية، إضافة إلى وثائق بريطانية وإسرائيلية. ومن خلال تحليل هذه المواد خلص إلى أنه لا توجد أدلة تاريخية تثبت صدور أوامر عامة تدعو الفلسطينيين إلى مغادرة بلادهم. بل على العكس من ذلك، تشير العديد من الوثائق إلى أن القيادات الفلسطينية والعربية كانت تدعو السكان إلى البقاء في مدنهم وقراهم وعدم مغادرتها.
وقد أظهر الخالدي أن خروج الفلسطينيين عام 1948 كان نتيجة مباشرة للعمليات العسكرية التي رافقت قيام دولة إسرائيل خلال حرب 1948 العربية الإسرائيلية. فقد أدت الهجمات العسكرية التي نفذتها القوات الصهيونية ضد المدن والقرى الفلسطينية إلى خلق حالة واسعة من الخوف وعدم الاستقرار، خاصة في ظل وقوع مجازر وأعمال عنف ضد المدنيين. كما ساهم انهيار المؤسسات الإدارية والاقتصادية في المدن الفلسطينية في تسريع حركة النزوح، إضافة إلى حالات الطرد المباشر للسكان بعد احتلال مناطقهم.
وفي هذا السياق أولى الخالدي اهتماماً خاصاً بدراسة المجازر التي رافقت العمليات العسكرية بوصفها عاملاً مركزياً في نشر الخوف ودفع السكان إلى النزوح. ومن أبرز الأمثلة التي وثقها بدقة مجزرة دير ياسين التي وقعت في إبريل/نيسان 1948، والتي تناولها بالتوثيق والتحليل في كتاب صدر في أواخر التسعينيات. فقد ارتُكبت المجزرة على يد منظمات صهيونية مسلحة، وكان لها أثر نفسي وسياسي واسع تجاوز حدود القرية نفسها. وقد اعتمد الخالدي في توثيقها على شهادات معاصرة وتقارير صحافية ووثائق تاريخية متعددة، مبيناً أن انتشار أخبار المجزرة في فلسطين والمناطق العربية المجاورة ساهم في خلق حالة من الذعر بين السكان المدنيين في القرى والمدن الفلسطينية. ويؤكد الخالدي أن تأثير المجزرة تجاوز حدود القرية، إذ تحولت إلى رمز للعنف الذي رافق العمليات العسكرية الصهيونية وساهمت في تسريع موجات النزوح الجماعي في العديد من المناطق الفلسطينية، ولا سيما في ظل التهويل الصهيوني في أعداد الضحايا وما رافق ذلك من توظيف دعائي للأحداث.
وقدم الخالدي في سياق تحليله للنزوح الفلسطيني مثال مدينة حيفا لفهم طبيعة هذه العملية. فوفقاً للوثائق التي استعرضها، لم تكن مغادرة السكان العرب المدينة نتيجة توجيهات عربية بإخلائها، بل جاءت في سياق الهجوم العسكري الذي شنّته قوات الهاغاناه وسقوط المدينة في يدها. وتشير الأدلة التاريخية إلى أن القيادات المحلية حاولت في مراحل مختلفة تشجيع السكان على البقاء، غير أن تصاعد القتال وتدهور الأوضاع الأمنية دفع كثيرين إلى المغادرة.
وفي دراسته المهمة المعنونة "خطة دالت: المخطط الرئيسي لاحتلال فلسطين"، قدّم الخالدي قراءة تحليلية لهذه الخطة التي وضعتها القيادة الصهيونية في ربيع عام 1948، والتي شكّلت الإطار الاستراتيجي للعمليات العسكرية التي أدت إلى تدمير المجتمع العربي الفلسطيني وتهجير معظم سكانه. ويبين أن هذه الخطة جاءت امتداداً لخطط عسكرية سابقة مثل الخطتين "ب" و"ج"، لكنها كانت أكثر شمولاً وتنظيماً، إذ هدفت إلى السيطرة على المناطق المخصصة للدولة اليهودية، وكذلك على المستوطنات والمناطق الاستراتيجية خارجها، مع اتخاذ إجراءات عسكرية مباشرة ضد القرى والمدن العربية، بما في ذلك احتلالها أو تدميرها أو طرد سكانها إذا اعتُبرت مراكز للمقاومة.
ومن خلال تحليل الوثائق العبرية الخاصة بتنظيم الهاغاناه، سعى الخالدي إلى إظهار أن تهجير الفلسطينيين لم يكن نتيجة عرضية للحرب فحسب، بل كان مرتبطاً بخطة عسكرية وسياسية هدفت إلى تغيير الواقع الديموغرافي في فلسطين تمهيداً لإقامة الدولة الإسرائيلية. وقد مثّلت هذه القراءة إحدى أهم المساهمات المبكرة في إعادة تفسير أحداث عام 1948، ضمن إطار تحليلي يستند إلى الوثائق التاريخية.
كرّس حياته العلمية لدراسة تاريخ فلسطين والقضية الفلسطينية
إلى جانب اهتمامه بالوثائق المكتوبة، كان الخالدي من أوائل المؤرخين الفلسطينيين الذين أدركوا أهمية الصورة الفوتوغرافية بوصفها مصدراً تاريخياً. فقد رأى أن الصور لا تمثل مجرد مواد توثيقية، بل تشكل سجلاً بصرياً للحياة الاجتماعية والعمرانية في فلسطين قبل النكبة، ويمكن أن تساهم في استعادة ملامح المجتمع الفلسطيني الذي تعرض للتدمير والاقتلاع. ومن هذا المنطلق شجع استخدام الأرشيفات الفوتوغرافية في دراسة تاريخ فلسطين، وساهم في إبراز دور الصورة في توثيق الوجود الفلسطيني وإعادة بناء الذاكرة التاريخية.
ويتجلى هذا الاهتمام بشكل واضح في أحد أهم المشاريع التي ارتبط اسمه بها، وهو توثيق القرى الفلسطينية التي دُمّرت خلال حرب 1948. وقد تجسد هذا المشروع في الكتاب المرجعي الشهير "كي لا ننسى"، الذي أشرف عليه الخالدي وصدر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية. يضم هذا العمل توثيقاً مفصلاً لمئات القرى الفلسطينية التي دُمّرت أو أُخليت من سكانها، ويعتمد على الخرائط التاريخية والوثائق الأرشيفية والروايات الشفوية والصور الفوتوغرافية. وقد ساهم الكتاب في حفظ ذاكرة هذه القرى وتوثيق تاريخها الاجتماعي والعمراني، كما أصبح مرجعاً أساسياً للباحثين في تاريخ النكبة.
لقد جمع وليد الخالدي في أعماله، التي يزيد عددها على ثلاثين دراسة بين كتبٍ ومقالات، بين البحث التاريخي الدقيق والالتزام الأخلاقي بالحفاظ على الذاكرة الفلسطينية. فقد أدرك أن كتابة التاريخ ليست مجرد عملية أكاديمية، بل هي أيضاً فعل مقاومة معرفية يسعى إلى استعادة صوت مجتمع تعرّض لمحاولات المحو والنسيان. ومن خلال مؤلفاته ومشاريعه البحثية والمؤسسات التي ساهم في بنائها، ترك الخالدي إرثاً علمياً كبيراً سيظل مرجعاً أساسياً لكل من يسعى إلى فهم تاريخ فلسطين الحديث وقضيتها.
وقد كان لي شرف التعرّف إلى وليد الخالدي والعمل معه منذ تسعينيات القرن الماضي. ومن خلال تلك التجربة عرفت فيه، إلى جانب المؤرخ الرصين والقامة الوطنية الفلسطينية البارزة، إنساناً شديد الاهتمام بدعم الأجيال الجديدة من المؤرخين والباحثين الفلسطينيين وتشجيعهم. كما عرفت عن قرب شخصيته النبيلة التي اقترنت بعشق عميق لفلسطين، وبالتزام لا ينقطع بتوثيق حياة الفلسطينيين وما حلّ بهم، منذ ما قبل النكبة وحتى أيامنا هذه.
برحيل وليد الخالدي، بعد حياة طويلة حافلة بالعطاء العلمي، فقدت الدراسات الفلسطينية أحد أهم روادها. غير أن أعماله ستبقى شاهداً على دوره المركزي في إعادة كتابة تاريخ فلسطين على أسس علمية رصينة، وفي صون الذاكرة التاريخية لشعب ما زال يناضل من أجل استعادة حقوقه وأرضه.

أخبار ذات صلة.
"فرانس برس": انفجارات تهز طهران
العربي الجديد
منذ 7 دقائق