"عصافير الحرب" للثنائي بولس وحبق: توثيقُ جرمٍ أسديّ يُصبح قصة حبّ
عربي
منذ 4 أيام
مشاركة
  شابّة لبنانية تعمل في لندن (BBC)، وناشط سوري يوثّق بصرياً وسمعياً بعض الجُرم الأسديّ، المدعوم من روسيا حينها، بحقّ بلد وناسه. لن يكون مهمّاً معرفة كيفية حصولها على رقم جوّاله، فالأهم أنّ علاقة مهنية تنشأ بينهما، لحاجة المؤسّسة الإعلامية البريطانية إلى أشرطة، تنقل وقائع العيش في الجحيم الأسديّ إلى مُشاهديها ومُشاهداتها، عبر شاشتها وموقعها الإلكتروني (نظام الأسد يمنع الصحافة والإعلام الأجنبيين تحديداً من دخول سورية حينها). يُصوِّر بكاميرته وهاتفه، ويبحث عن ممرّ آمن لإرسال المُصوَّر إليها، فتبثّه بموافقة إدارة التحرير. بتصويره الوقائع تلك، يريد إثبات الأفعال الجُرمية لبشار الأسد، الذي ينفيها عبر أجهزته الإعلامية والسياسية والدبلوماسية. هذا يختصر حكاية الثنائي جاناي بولس وعبد القادر حبق، التي تبدأ عام 2016 (إنّه أول عام يُذكر في المسار التوثيقي)، وتتحوّل من عمل مهني إلى حبّ، يجعل كلّ واحد منهما ينادي الآخر بـ"عصفوري" أو "عصفوري الصغير". هذا تعبير مرتبط، بقوة وعمق، بحبّ يجمع قلبين اثنين. حكاية تُصبح وثائقياً بعنوان "عصافير الحرب" (2026، 85 د.)، والعنوان واضحٌ بتلاعبه الجميل والصادق والشفّاف، فإضافة حرف الراء في الكلمة الثانية تعني أنّ من يُسمّون "عصافير الحبّ"، خاصة في بدايات العشق، يعثرون عليهما (حبّ؟ عشق؟) رغم القتل والدماء والغبار والتمزيق، وفي الحصار والجوع والنزوح. تلاعبٌ محبَّب، فالحكاية مولودةٌ في حربٍ، يُراد لها إبادة شعب، قتلاً وتهجيراً وإخفاء، وتدمير بلد، جغرافياً وتاريخياً وعمارة وبنى تحتية. تلازم مساري الحرب والحب سيكون أساس "عصافير الحرب"، الفائز بجائزة لجنة التحكيم الخاصة للأفلام الوثائقية العالمية ـ فئة التأثير الصحافي، بعد عرضه الدولي الأول في الدورة الـ42 (22 يناير/كانون الثاني ـ 1 فبراير/شباط 2026) لمهرجان ساندانس السينمائي. تلازم يفضي إلى تأريخ زمنٍ وأمكنة، وأرشفة وقائع ويوميات، وسرد تفاصيل عيشٍ وإحساس، وحفظ مشتركات بين شخصين وبلدين. فالوثائقي، الفائز أيضاً بجائزة الاسكندر الفضي في المسابقة الدولية للدورة الـ28 (5 ـ 15 مارس/آذار 2026) لمهرجان سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية، يكشف شيئاً من حالة لبنانية، تترافق والحرب السورية بلحظات عدّة منها، يشهدها بلدٌ يعاني انهياراً اقتصادياً مريراً، سيكون إحدى الركائز الدرامية للقصة، مع التغاضي عن التفجير المزدوج لمرفأ بيروت (4 أغسطس/آب 2020) وتأثيراته المستمرة إلى الآن، وقبله تفشي كورونا (تسجيل أول إصابة به في 21 فبراير/شباط 2020)، وهاتان محطّتان أساسيتان في مسار الخراب اللبناني، ترى بولس أنْ لا حاجة إليهما في فيلمها المشترك مع حبق.     في مقابل تماسك الاشتغال البصري في الحكاية السورية، يبدو سرد الحكاية اللبنانية مفكّكاً ومتسرّعاً، ومُسقَطاً على نصّ (كتابة بولس وحبق، مُصوِّرَي الفيلم برمّته أيضاً)، يُفترض به أن يوثِّق وقائع ميدانية، وقصة عاطفية، ومسارات فردية تجمع الوقائع بالقصة. إقحام بعض الشقّ اللبناني غير مُقنع، لأنّ اختيار تواريخ محدّدة، تتلاءم مع ما ترغب بولس في كشفه، مستعجلٌ، والتوقّف عند عناوين عامة من المسائل اللبنانية (المختارة) عابر سريع، والتغاضي عن مسائل أساسية في الخراب، المروي في هذا الشق، غير مُبرَّر درامياً وسردياً، رغم أنّ حرية الاختيار حقٌّ لمن يختار. كما أنّ تركيب الاختيار نفسه في السياق يجب أن يتكامل، جمالياً ودرامياً وسردياً، مع الشقّين السوري والعاطفي، لا أنْ يُولَّف (مونتاج وِل هِيويت) كأنّه خارجٌ عن الخط الدرامي الأصلي. حضور الوالدين (بعد عرض مقتطفات من أشرطة فيديو عائلية) يتكامل مع رغبة جاناي بولس في سرد حكايتها الشخصية مع الحب والمهنة والبلد والحروب. لكن المسائل اللبنانية الأخرى غير فاعلة وغير مترابطة، إذْ تبدو جزراً مستقلّة عن السياق العام، وبعضها عن بعض: انتفاضة 17 أكتوبر (2019)، لحظات متسرّعة من عامي 2020 و2024، وفي هذا الأخير تقع حربٌ إسرائيلية جديدة على لبنان (1 أكتوبر/تشرين الأول ـ 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024)، قبل إيجاد متّسع بصري متواضع للاحق على فرار الأسد (8 ديسمبر/كانون الأول 2024). مع هذا، تبدو تفاصيل لبنانية امتداداً لسيرة الناشط السوري، الذي يُصبح زوجاً للصحافية اللبنانية، بعد لقائهما المباشر الأول في تركيا: شريط التخرّج من كلية الصحافة إشارة إلى موقف شخصي لبولس من المهنة، غير الراضية عنها، ما يدفعها إلى العمل بلندن. أرشيف عائلي يشير إلى رغبتها القديمة في التصوير. كلامٌ عن حروب وأهل وبيئة مسيحية، وهذا كلّه عابرٌ، رغم جهدٍ في جعله المقابل اللبناني للحكاية السورية. رغم ملاحظات كهذه، يبقى "عصافير الحرب"، المشغول بأدوات سردية وفنية تلتزم الشرط التلفزيوني أكثر من الفعل السينمائي في صُنع الوثائقي، شهادة بصرية عن حالة وزمن ومشاعر ورغبات. كما أنّه يستعيد حيوية إنتاج صُورٍ، تقول شيئاً من حياة سورية في حربٍ أسدية، بعد خمودٍ تكاد مدّته تطول، إثر زخمٍ مرافقٍ للخراب. أهميته تتمثّل بكونه شهادة، وجائزة مهرجان ساندانس (فئة التأثير الصحافي) يؤكّد اعتماده شكلاً تلفزيونياً مهنياً مقبولاً.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية