عربي
بعد أقل من أسبوع على غارة جوية أسفرت عن مقتل عشرات الأطفال في مدرسة ابتدائية في إيران، ويوم واحد بعد إعلان البنتاغون أسماء اثنين من الجنود الأميركيين الستة الذين قُتلوا بطائرة مسيّرة، نشر البيت الأبيض مقطع فيديو على منصة إكس يمزج بين لقطات قصف حقيقية ومشاهد من أفلام الحركة وألعاب الفيديو.
وحمل الفيديو عنوان "العدالة على الطريقة الأميركية" (Justice the American Way)، وتضمن مقاطع و"ميمز" من أعمال مثل "توب غان" (Top Gun) و"هالو" (Halo) و"دراغون بول زد" (Dragon Ball Z). وروّجه عدد من كبار المسؤولين في إدارة الرئيس دونالد ترامب. كما أعاد نائب مدير الاتصالات في البيت الأبيض، كايلان دور، نشره مرفقاً بعبارة: "استيقظوا، الأب عاد إلى المنزل".
وأثار الفيديو موجة غضب على الإنترنت، إذ اعتبره كثيرون مزحة قاسية وغير لائقة صادرة عن أعلى مؤسسة في البلاد. وكتب جون فافرو، كاتب خطابات سابق للرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، في منشور على منصة "إكس": "فتيات صغيرات قُتلن. ستة أميركيين قُتلوا. هذه ليست لعبة فيديو... وليست فرصة أخرى لاستفزاز الليبراليين. إنها حرب".
ويأتي الفيديو ضمن نشاط رقمي غير مسبوق للبيت الأبيض يحوّل الحرب مع إيران إلى حملة "ميمز" على الإنترنت، عبر مزج لقطات صواريخ غير سرية صادرة عن القيادة المركزية الأميركية مع محتوى خيالي وترفيهي شائع بين مستخدمي الإنترنت.
وفي اليوم نفسه نشر البيت الأبيض مقطعاً آخر يضع لقطات غارات جوية على خلفية كلمات أغنية الراب الرائجة "بازوكا" (Bazooka). كما بث فيديو آخر يمزج انفجارات صواريخ مع مشاهد من مسلسل الرسوم المتحركة "سبونج بوب سكوير بانتس" (SpongeBob SquarePants).
No pause. No hesitation. 💥 pic.twitter.com/TTjS98VKAb
— The White House (@WhiteHouse) March 5, 2026
ونشر البيت الأبيض، أمس الجمعة، مقطعاً جديداً يستلهم لعبة "غراند ثفت أوتو: سان أندرياس" (Grand Theft Auto: San Andreas)، ظهرت فيه كلمة WASTED، وهي العبارة التي تظهر للاعبين عند موت الشخصية، فوق لقطات صواريخ تُظهر شاحنات وأشخاصاً تلتهمهم النيران. وطالب الممثل بن ستيلر البيت الأبيض بحذف مقطع من فيلمه "تروبيك ثاندر" (Tropic Thunder) المستخدم في الفيديو، إذ كتب على منصة "إكس": "لم نمنحكم أي إذن، ولا نرغب في أن نكون جزءاً من آلة دعايتكم. الحرب ليست فيلماً".
في المقابل، دافع بعض أنصار ترامب عن هذا النهج الرقمي، معتبرين أنه يساعد على جذب الانتباه وبناء الدعم للعمل العسكري الأميركي. كما استخدم مدير الاتصالات في البيت الأبيض، ستيفن تشيونغ، عبارةً عاميةً شائعةً بين مُذيعي ألعاب الفيديو على "إكس"، أرفقه بفيديو يمزج ضربات حقيقية مع مقطع من لعبة "كول أوف ديوتي: مودرن وورفير 3" (Call of Duty: Modern Warfare 3): "W في الدردشة يا شباب"، في إشارة إلى الحرف الذي يستخدمه اللاعبون للتعبير عن الفوز.
من جهتها قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، آنا كيلي، إن وسائل الإعلام "تريد من الإدارة الاعتذار عن إبراز نجاح الجيش الأميركي"، مضيفة أن البيت الأبيض سيواصل نشر مقاطع تُظهر تدمير الصواريخ الباليستية الإيرانية ومنشآت إنتاجها وما وصفته بـ"طموحاتها النووية".
وتندرج هذه المقاطع ضمن استراتيجية إعلامية يتبعها البيت الأبيض منذ أشهر، تقوم على تحقيق مكاسب سياسية عبر تناول قضايا سياسية جادة من خلال عدسة ثقافة الإنترنت الساخرة. ويضم مكتب الاتصالات في البيت الأبيض فريقاً من محرري الفيديو ومنتجي المحتوى على وسائل التواصل الاجتماعي، ونشر خلال الأشهر الماضية مقاطع و"ميمز" وأغاني قصيرة بأسلوب "تيك توك"، تتميز بما وصفه كايلان دور بـ"السرعة" و"الجرأة غير المواربة"، وذلك في مقابلة مع صحيفة واشنطن بوست العام الماضي.
ويرى دور أن الانتشار الواسع لهذه الفيديوهات قد يساعد على تشتيت الانتباه عن التقارير الإعلامية الناقدة، وإضعاف رسائل الخصوم السياسيين، فضلاً عن دعم أهداف الإدارة السياسية، واصفاً ذلك بأنه "آلة رقمية" تعيد إنتاج ما نجح ترامب في تحقيقه مراراً في الواقع السياسي.
من جانبه قال أستاذ الإعلام والحرب في جامعة جورجيا، روجر ستال، إن الإدارة الأميركية تأمل أن تسهم هذه الفيديوهات الاستفزازية في حشد القاعدة السياسية لترامب، وفي الوقت نفسه التقليل من إبراز الكلفة البشرية للحرب. وأضاف ستال: "إنهم يستخدمون صوراً مبالغاً فيها ومصممة بأسلوب استعراضي لبناء نوع من جمالية التعطش للدماء… وتحويل الحرب والشؤون العسكرية إلى ترفيه". وتابع قائلاً إن هذه المقاطع تقدم للأميركيين "نسخة من الحرب على طريقة هوليوود وألعاب الفيديو، خالية من التعاطف"، ما يبعد الجمهور "عن الحقائق التي قد تثير انزعاجهم".
Courtesy of the Red, White & Blue. pic.twitter.com/kTO0DZ56IJ
— The White House (@WhiteHouse) March 4, 2026
في المقابل، حذر بعض المحاربين القدامى من أن هذه الاستراتيجية قد تأتي بنتائج عكسية عبر التقليل من خطورة الحرب. وكتب كونور كريهان، وهو جندي أميركي سابق خدم في حرب العراق ويشارك في تقديم بودكاست "بولد أميركان" (Bold American)، في منشور على منصة إكس: "الحرب ليست لعبة فيديو. عواقبها نهائية. أتمنى ألا نتعامل معها بهذه الخفة".
ويشارك أكثر من 50 ألف جندي أميركي في الحرب على إيران، وقُتل ستة جنود أميركيين خلال ضربات إيرانية استهدفت مواقع ومصالح أميركية في أنحاء المنطقة. وصرح ترامب أنه من المرجح أن يقع "مزيد من القتلى" في صفوف الجيش الأميركي.
وعملت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) مع هوليوود منذ أربعينيات القرن الماضي، وبشكل أكثر كثافة منذ هجمات 11 سبتمبر 2001، على التأثير في نظرة الأميركيين إلى الحروب، من خلال تقديم دعم لإنتاجات سينمائية وتلفزيونية تسهم في تمجيد أو التطبيع مع القتال. واستفاد ما يسميه منتقدون "المجمع العسكري الترفيهي" من هذا التعاون، إذ يمنح الأعمال الفنية قدراً أكبر من الواقعية، كما يسهم في تهيئة جيل جديد من المجندين المحتملين للانضمام إلى القوات المسلحة.
غير أن ستال أشار إلى أن هذا النوع من الخطاب الذي يحوّل الحرب إلى عرض ترفيهي نادراً ما يصدر على مستوى الرئاسة، إذ اعتاد مسؤولو السلطة التنفيذية الحديث عن الحروب بأسلوب رسمي وجاد، تجنباً للظهور بمظهر من يستخف بإرسال الجنود الأميركيين إلى ساحات القتال.
ويختلف أسلوب الـ"ميمز" الذي يتبعه البيت الأبيض عن نهج القيادة المركزية الأميركية، ومقرها مدينة تامبا في ولاية فلوريدا، والمسؤولة عن العمليات العسكرية في الشرق الأوسط. إذ تنشر القيادة عادة لقطات خام التقطتها كاميرات حرارية على متن طائرات مسيّرة أو مروحيات قتالية. وأظهر أحد المقاطع الصامتة التي نُشرت صباح الجمعة ضربة صاروخية، مع إشارة إلى "الاستمرار في توجيه قوة نارية أميركية ساحقة".
وركز فريق الإعلام في البيت الأبيض، خلال الأشهر الماضية، على نشر مقاطع ساخرة تتعلق بعمليات الترحيل الجماعي للمهاجرين، إلا أن تصاعد الضربات الجوية على إيران وفر له مادة جديدة للنشر.
وبعد أن نشر البيت الأبيض ميم "لنجعل أميركا عظيمة مجدداً" بأسلوب لعبة "بوكيمون" أول من أمس الخميس، صرحت المتحدثة باسم الشركة، سرافانثي ديف، أن الشركة لم تمنح أي إذن لاستخدام ملكيتها الفكرية، وأضافت: "مهمتنا هي جمع الناس حول العالم، وهي مهمة لا ترتبط بأي موقف أو أجندة سياسية".

أخبار ذات صلة.
إسبانيا قلقة من التدهور الخطير في لبنان
العربي الجديد
منذ 7 دقائق