عربي
في درجات حرارة بدت مثالية حتى بالنسبة لأجواء فلوريدا المشمسة، في 29 ديسمبر/ كانون الأول، وصل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للقاء الرئيس دونالد ترامب في منتجعه مارالاغو. كانت الليلة التالية مجهزة لاختطاف رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو، غير أن سوء الأحوال الجوية أدى إلى تأجيل العملية التي ستتم لاحقاً في فجر الثالث من يناير/ كانون الثاني، والتي أعلن بعدها ترامب أنه لا حدود لقوته عالمياً، وأنه هو من يحدد القيود على صلاحياته وليس القانون الدولي.
في هذه الأجواء، وضع نتنياهو خرائطه للهجوم على إيران وخطته لتغيير النظام فيها، وأرفقها بتفاصيل قدمها على أنها دقيقة حول أعداد الأكراد الذين سيعبرون الحدود لإسقاط النظام هناك. كانت هذه اللحظة التي يشعر فيها ترامب أنه قادر على إدارة العالم، خاصة مع الخطط المحكمة المعدة بخصوص فنزويلا، مناسبة تماماً لنتنياهو لممارسة هوايته في التملق وتذكيره أنه سيفعل ما لم يفعله أي رئيس أميركي في التاريخ.
لم يكن ترامب قبل هذه الزيارة منشغلاً بشكل كبير بإيران، بعد الضربات التي شنها على برنامجها النووي في يوليو/ تموز 2025. لكن ترامب كان يستعد لمرحلة جديدة في علاقته مع العالم، خاصة مع اكتمال خططه بشأن فنزويلا. وفي المؤتمر الصحافي في ذلك اليوم، قال ترامب: "أسمع الآن أن إيران تحاول إعادة بناء قواتها. وإذا كان الأمر كذلك، فسيتعين علينا تدميرها. سنلحق بها هزيمة نكراء"، قبل أن يحاول تقديم نفسه على أنه رجل السلام، مستكملاً: "لكن نأمل ألا يحدث ذلك. سمعت أن إيران ترغب في إبرام اتفاق".
كانت هذه هي المرة الأولى منذ الهجمات الأميركية على المنشآت النووية الإيرانية التي يتناول فيها ترامب قضية الصواريخ الباليستية. وكانت هذه الزيارة مقررة لمناقشة المرحلة الثانية من اتفاق السلام في غزة التي تماطل إسرائيل في تنفيذها، والانتهاكات الإسرائيلية في الضفة الغربية. وطُرحت أسئلة في هذا اللقاء لأول مرة من صحافة إسرائيلية عما إذا كان سيتدخل لتغيير النظام الإيراني، إضافة إلى موقفه حال شن إسرائيل هجمات على برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية.
تتكشف هذا الأسبوع كيف غيرت هذه الزيارة رؤية ترامب جذرياً فيما يخص إيران، بل أيضاً كيف انعكست هذه الزيارة على ملف الضفة الغربية، إذ أطلقت بعدها إسرائيل يدها بشكل كامل لاتخاذ إجراءات تعمق ضمها، بينما كانت ردة فعل ترامب مجرد اعتراض شفهي بلا قيمة على أرض الواقع، متنصلاً من وعود سابقة للحكام العرب بأنه "لن يسمح لإسرائيل بضم الضفة وإلا ستفقد دعم الولايات المتحدة".
كانت خطة نتنياهو التي طرحها في هذه الزيارة تستهدف إسقاط النظام الإيراني وهجمات على إيران ترسخ لترامب قدرة على أن يكون زعيماً عالمياً يخشاه الآخرون. ويبدو أن ترامب انبهر بهذه الخطة فقرر تنفيذها بالكامل، خاصة مع نجاح خططه بخصوص فنزويلا، كما يبدو أنه يحمل تقديراً لنتنياهو الذي سيترك له شرف قيادة هذه الخطة، مما قد يكون أدى إلى تساهله معه في ملفات أخرى مثل ملف الضفة الغربية وانتهاكاته اليومية في غزة.
أشار موقع أكسيوس هذا الأسبوع إلى بعض تفاصيل هذا اللقاء المغلق في ديسمبر/ كانون الأول، نقلاً عن مصدر بدا أنه من الدائرة المقربة للرئيس، طبقاً لنوعية المعلومات التي سربها للصحافي باراك رافيد المقرب من أجهزة الاستخبارات في البلدين والبيت الأبيض، حيث قال: "عندما جاء نتنياهو وجلس مع ترامب لساعات، كنت ترى أنه وضع خططاً لكل شيء. كان قد خطط لمن سيخلف النظام، ودور الأكراد، مجموعتان من الأكراد هنا وهناك، كما قدّر أعداد من سيخرجون للقتال".
سلم نتنياهو الرئيس الأميركي أيضاً في ذلك اليوم جائزة يطلق عليها جائزة السلام الإسرائيلية، متملقاً إياه قائلاً: "لقد كسر الرئيس ترامب الأعراف ليفاجئ الناس. لذا قررنا كسر التقاليد أو ابتكار تقليد جديد"، معلناً أن ترامب أول شخص غير إسرائيلي يحصل على الجائزة. وفي هذا اللقاء سُئل ترامب عن الضفة الغربية، فقال: "لا أقول إننا متفقان بنسبة 100%.. لا أريد أن أذكرها (نقاط الخلاف)، وسيتم الإعلان في الوقت المناسب، لكنه سيفعل (نتنياهو) الشيء الصحيح. أعلم ذلك. أعرفه جيداً، لكنه سيفعل الصواب". وبعدها بأسابيع كانت إسرائيل تتخذ إجراءات رسمية لتعميق ضم الضفة دون أي ردة فعل من ترامب وإدارته سوى تصريح أن الرئيس ذكر بوضوح أنه يعارض الضم، مما يطرح تساؤلات: "هل هذا هو الصواب الذي سيفعله نتنياهو؟".
بدت الكلمات التي رددها الرئيس ترامب في خطابه السبت الماضي عن الهجمات الأميركية الإسرائيلية على إيران كأنها صدى لتملق نتنياهو وخططه ورغباته هو الذي يتحدث عن الحرية لأهل إيران، حيث قال ترامب موجهاً خطابه لهم: "أقول الليلة إن ساعة حريتكم قد حانت. ابقوا في أماكنكم. لا تغادروا منازلكم. الوضع خطر جداً في الخارج. ستتساقط القنابل في كل مكان. وعندما ننتهي، تولوا أنتم حكومة بلادكم. ستكون لكم. ربما تكون هذه فرصتكم الوحيدة لأجيال. على مدى سنوات عديدة، طلبتم مساعدة أميركا، لكن لم تحصلوا عليها. لم يكن لدى أي رئيس الاستعداد لفعل ما أفعله الليلة. الآن لديكم رئيس يمنحكم ما تريدونه، فلنرَ كيف تردون. أميركا تدعمكم بقوة تدميرية هائلة وساحقة. الآن هو الوقت لاختيار مصيركم وبدء مستقبل مزدهر ومجيد يقترب من متناول أيديكم. هذه هي لحظة التحرك. لا تتركوها تمر".
يحب ترامب تذكير الآخرين بأنه عظيم، وأنه يفعل ما لم يفعله أي رئيس من قبل، ولذا يكرر في معظم خطاباته الكبيرة تقريباً مقولة ينسبها إلى ملك السعودية أنه قال: "لقد كانت بلادكم ميتة (يقصد خلال فترة بايدن). اليوم هي أكثر البقاع سخونة في العالم". ولم يظهر على مدى العام الماضي أي شخص يغدق الثناء على ترامب مثلما يفعل نتنياهو بكل الطرق الممكنة في محاولة لتحقيق غاياته وألاعيبه وخططه. ومنذ نهاية ديسمبر/ كانون الأول يغدق ترامب أيضاً الثناء على نتنياهو ويتركه يمارس جرائمه في قتل المدنيين في غزة والاستيلاء على الضفة، والتقاه في فبراير/ شباط الماضي، بينما كان يجهز على مدى الشهرين الماضيين أكبر حشد عسكري أميركي في منطقة الشرق الأوسط منذ حرب العراق التي تعاني المنطقة من ويلاتها حتى اليوم.

أخبار ذات صلة.
"فرانس برس": انفجارات تهز طهران
العربي الجديد
منذ 7 دقائق