عربي
في الأيام الماضية، أثير سجال بين القنوات التلفزيونية المحلية في الجزائر، بشأن أرقام المشاهدات للمسلسلات والإنتاجات التي تعرضها كل واحدة في رمضان. بلغ الأمر حدّ تبادل الاتهامات بتضخيم الأرقام عبر شراء المشاهدات، ما يعكس انجرار النقاش إلى ما يتعلق بمستوى الانتشار على وسائط التواصل الاجتماعي، ما غطى على كل نقاش جدي حول جودة الأعمال الرمضانية.
بدأ النقاش بعد إعلان قناة الحياة تصدُّر مسلسلها "المهاجر" للائحة المشاهدات منذ اليوم الأول، فحققت الحلقة الأولى خمسة ملايين مشاهدة، مستفيداً من مشاركة أحد المؤثرين في العمل، وهو فاروق بوجملين المعروف باسم ريفكا.
دفع ذلك قنوات منافسة إلى إثارة شكوك بشأن هذه المشاهدات، وتوجيه اتهامات بشرائها، إذ أثارت قناة الشروق التي تنافس بمسلسلها الرئيسي "البراني" نقاشاً فنياً، وعرضت اتهامات مبطنة بشأن "شراء المشاهدات عبر خوادم في الخارج، وتعمل هذه الخوادم على أن تضاعف المشاهدات للأعمال التلفزيونية مقابل مبالغ مالية".
سريعاً، رد مدير قناة الحياة، الإعلامي هابت حناشي، على هذه الاتهامات، واعتبر أن دوافعها ليست مهنية، وإنما لها علاقة "بنجاح المسلسل"، أكد أن "هذه التهم مفبركة ولا أساس لها من الصحة"، لكنه ذهب إلى أن القنوات التي تتهم "المهاجر" بشراء المشاهدات "هي من تشتري المشاهدات، ولا تحترم سلطة الضبط ولا تلتزم بالقوانين المنظمة للسمعي البصري".
لم تكن مسلسلات أخرى تبث على قنوات محلية بمعزل عن هذا السجال، إذ غطت هذه النقاشات التي انتقلت إلى مواقع التواصل الاجتماعي، على النقاشات الأساسية ذات الصلة بالمستويات الفنية والجوانب الدرامية والإخراجية لهذه الأعمال الدرامية، وجودة السيناريوهات وطبيعة القضايا التي تطرحها هذه الإنتاجات الرمضانية، وما إذا كانت حققت مستويات مقبولة من الاستجابة لتطلعات الجمهور الجزائري، وحول التطور التقني للإنتاجات التلفزيونية الجزائرية.
يعتقد أستاذ الإعلام في جامعة الجزائر والخبير في الميديا الجديدة، حمزة هواري، أن قضية شراء المشاهدات للمسلسلات أو البرامج، حقيقة قائمة، ويستخدمها بعضهم لرفع الأرقام كي يعزّز حضوره في سوق المنافسة، لكنه يؤكد في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن "شراء المشاهدات عبر الحسابات المزيفة وما يعرف بالمزارع، تقنية موجودة فعلاً، لكن هناك بعض المبالغة في نسب مستوى انتشار مسلسل أو برنامج.
هناك عوامل أخرى يمكن أن تفسر لنا نسبة المشاهدة على مواقع التواصل الاجتماعي، بينها طُرُق حساب المشاهدات، فالمتابع قد يرى خمس ثوانٍ فقط من مسلسل على موقع ما، وتحسب على أنها رقم، وهذا يعني أن هذه المشاهدة حقيقيّة ولكنّها عابرة، لا تعبر عن إعجاب أو جودة".
يشير ذلك إلى وجود فارق لافت بين الانتشار والجودة الفنية، فالمشاهدات الرقمية قد لا تعكس حقيقة شعبية العمل الفني وجودته، خاصة أن الأمر يتعلق بجمهور منصات عابر، أكثر منه جمهور للدراما يتفاعل مع القيمة الفنية والفكرة المتضمنة في العمل الدرامي.
"أرقام المشاهدات ليست معياراً دقيقاً، والعمل وإن حقق انتشاراً فهذا ليس برهان نجاح. العمل الجيد هو الذي يمتلك قيمة فنية، حتى بأدنى المشاهدات". هكذا يعلّق الناقد الفني إلياس نجمي على الأمر، مضيفاً لـ"العربي الجديد" أنّ "أرقام المشاهدات ربما تعكس النجاح والانتشار إلكترونياً لكنها لا تعكس الجودة والنجاح الفعلي لدى المتلقي. انتشار لقطات على الريلز وتحقيقها أعلى المشاهدات لا يعني بالضرورة نجاح العمل".
يتابع: "صحيح قد يكون لأرقام المشاهدات معنى تسويقي، لكن السؤال حول الجودة أمر، وانتشار العمل أمرٌ ثانٍ، أعتقد أن العمل الجيد هو الذي يترك أثراً عميقاً في المتلقي. الجودة يحدّدها أمران، هما رأي النقاد، والإقبال على العمل في التلفزيون أو المنصات، وأقصد الإقبال الحقيقي المتفاعل وليس المزيف الذي يعتمد على أرقام من خلال استطلاع آراء تُجريه مؤسسات تعمل لصالح جهة إنتاجية معينة".
