عربي
ليس تأخر تشكيل الحكومة في العراق بعد انتخابات نوفمبر/ تشرين الثاني 2025 حدثاً عارضاً ولا أزمة ظرفية ناجمة عن تعقيدات تفاوضية عابرة، بل هو التعبير الأوضح عن مأزق بنيوي عميق يعيشه نظام سياسي أُسِّس على المحاصصة والتوازنات الهشة لا على منطق الدولة والمؤسسات. مرة أخرى، يجد العراقيون أنفسهم أسرى مشهد مألوف يُعاد إنتاجه بدقة مملّة: اتهامات متبادلة، شروط تعجيزية، صفقات تُطبخ في الغرف المغلقة، وتسويات مؤقتة لا تعالج أصل الداء. غير أن ما يميز هذه الجولة من الانسداد سقوط الأقنعة بالكامل؛ فما يجري في بغداد لم يعد مجرد "خلاف سياسي" أو تنافس ديمقراطي طبيعي، بل إعلان إفلاس عضوي لنظام صُمِّم لإدارة الأزمات لا حلّها، وإنتاج نخب تعتاش على الفشل بدل تجاوزه، وسط استقطاب إقليمي ودولي حاد يضع السيادة العراقية في قلب التجاذبات بين واشنطن وطهران، وبين حسابات الداخل وضغوط الخارج.
السؤال المرير الذي يطرحه الشارع اليوم لم يعد: "متى ستتشكل الحكومة؟"، بل بات: "هل يملك هذا النظام أصلاً القدرة على إنتاج سلطة تمثل الشعب فعلاً؟". ومع تجاوز المهل الدستورية الخاصة بانتخاب رئيس الجمهورية وتكليف رئيس الوزراء، برز مقترح تمديد ولاية حكومة محمد شياع السوداني بوصفها حكومة تصريف أعمال بصلاحيات موسعة، في حل اضطراري للهروب إلى الأمام وتجنب الفراغ الكلي، وفي سابقة تعكس هشاشة البنية الدستورية نفسها وقابلية تأويلها تبعاً لموازين القوة لا لنصوص القانون.
تتجلى المفارقة الكبرى في نتائج الانتخابات؛ فحصول ائتلاف السوداني على 46 مقعداً فقط من أصل 329 لا يعكس ضعفاً سياسياً بقدر ما يكشف هندسة النظام الانتخابي الذي يمنع تحقيق أي فوز حاسم ويفرض تحالفات قسرية قائمة على تبادل المصالح لا على الانسجام البرامجي. ورغم ارتفاع نسبة المشاركة إلى 56% مقارنة بالاستحقاقات السابقة، فإن صوت المواطن ظل يصطدم بجدار المحاصصة الذي يحوّل الفائز انتخابياً إلى خاسر سياسي، والخاسر إلى صاحب "فيتو" معطِّل، في تكريس صارخ لما يمكن تسميته بـ"الديمقراطية الشكلية"، حيث تتحول الصناديق إلى واجهة شرعية لنتائج تُحسم مسبقاً في الكواليس.
في هذا السياق، لم يعد الانسداد مجرد أزمة تفاوضية عابرة، بل صار جزءاً عضوياً من بنية الحكم وأداة لإعادة توزيع النفوذ داخل الطبقة السياسية. فالتعطيل المتكرر يسمح للقوى المتنفذة بابتزاز بعضها بعضاً، ورفع سقوف المطالب، وفرض شروط تتجاوز الاستحقاق الانتخابي، لتتحول العملية السياسية إلى بازار مفتوح تُقايض فيه المناصب بالولاءات، وتُفرَّغ فيه فكرة التداول السلمي للسلطة من مضمونها.
داخل "الإطار التنسيقي"، لا يدور الصراع الحقيقي حول البرنامج الحكومي أو أولويات الدولة، بل حول هندسة شخصية رئيس الوزراء القادم. لقد تعلمت القوى النافذة من تجارب سابقة أن رئيس الوزراء القوي قد يتحول إلى عبء، ولذلك بات البحث جارياً عن شخصية مُسيطر عليها أكثر من كونها قائداً يمتلك رؤية مستقلة. هنا لا يُقاس المرشح بكفاءته أو مشروعه، بل بمدى قابليته للتطويع وقدرته على تمرير التوافقات الهشة دون إرباك مراكز النفوذ.
داخل "الإطار التنسيقي" لا يدور الصراع الحقيقي حول البرنامج الحكومي أو أولويات الدولة، بل حول هندسة شخصية رئيس الوزراء القادم
ويحتدم هذا الصراع بشكل خاص بين أقطاب بارزين مثل نوري المالكي وقيس الخزعلي، حيث تصطدم طموحات العودة إلى الواجهة بحسابات داخلية وخارجية معقدة. فعودة المالكي، مثلاً، تواجه تحفظاً أميركياً يهدد شرعية الحكومة دولياً، في وقت يرفض فيه شركاء الداخل أي شخصية قد تستأثر بالقرار أو تعيد إنتاج نموذج "الرجل القوي". وهكذا يتحول معيار الاختيار إلى "الضعف الوظيفي"، بما يضمن استمرار الأزمة بدل حلها، ويُبقي القرار السياسي موزعاً بين مراكز متعددة لا يجمعها سوى الخوف من فقدان الامتيازات.
في موازاة ذلك، يبرز تحدٍّ بنيوي بالغ الخطورة يتمثل في صعود الفصائل المسلحة إلى واجهة البرلمان بأكثر من 100 مقعد، في سابقة تعكس تحول السلاح من أداة ضغط خارجي إلى ورقة انتخابية داخلية. هذا الواقع يخلخل مبدأ احتكار الدولة للقوة، ويضع أي مشروع إصلاحي أمام معادلة شبه مستحيلة: كيف يمكن بناء دولة قانون في ظل وجود جماعات تمتلك شرعية مزدوجة، سياسية وعسكرية، وتعمل خارج إطار المؤسسات الرسمية؟
إن هذه الازدواجية تُفرغ فكرة الإصلاح من مضمونها، وتجعل أي حديث عن سيادة القانون أو استقلال القرار الوطني أقرب إلى الشعارات. وعلى الضفة الأخرى استكملت النخبة الحاكمة مسلسل إقصاء قوى تشرين والحركات المدنية الإصلاحية؛ فبعد تهميش نواب 2021، شهدت انتخابات 2025 شطب عشرات المرشحين المستقلين بحجج إدارية واهية، وتقليص تمثيلهم إلى حدود رمزية، في رسالة سياسية واضحة مفادها: لا مكان للإصلاح خارج قواعد اللعبة التقليدية.
هذا الإقصاء المنهجي لا يعكس فقط خوف الطبقة السياسية من المنافسة، بل إدراكها العميق أن أي اختراق مدني حقيقي سيهدد أسس النظام القائم على المحاصصة وتقاسم الغنائم. وهكذا يُفرَّغ المجال العام من البدائل، وتعيد النخب تدوير نفسها بأسماء وتحالفات مختلفة، في حلقة مفرغة تستهلك الزمن والموارد وتعمّق فجوة الثقة بين الدولة والمجتمع.
الخلاصة أن أزمة تشكيل الحكومة ليست أزمة أشخاص أو صراع أسماء، بل أزمة بنيوية بامتياز. نحن أمام نظام يكافئ الفشل السياسي عبر المال العام والسلاح، ويعاقب النجاح المدني الذي لا يملك سوى أصوات الناخبين. نظام هجين يزاوج بين آليات ديمقراطية شكلية وسطوة مليشياوية فعلية، وهو نموذج أثبت وصوله إلى طريق مسدود.
إن تعثر تشكيل الحكومة ليس خللاً إجرائياً عابراً، بل مرآة لتهالك البنية السياسية من القمة إلى القاعدة. وما دامت قواعد اللعبة لم تتغير، فإن أي حكومة مقبلة – مهما كان اسم رئيسها – ستولد مثقلة بالقيود، مرهونة للخارج، وعاجزة عن تلبية الحد الأدنى من تطلعات شعب بدأ يدرك أن التغيير الحقيقي قد لا يمر عبر هذه الصناديق المثقوبة، بل عبر إعادة تشكيل جذري تستأصل جذور المحاصصة وتعيد تعريف معنى الدولة والسلطة والمواطنة.
أخبار ذات صلة.
إصابة بطل التزلج «هوسفلوت» بارتجاج في المخ
الشرق الأوسط
منذ 16 دقيقة