عربي
حين كان رئيس الوزراء البريطاني وينستون تشرشل يُلحّ عليه لدعم الجزر البريطانية، العقبة الأخيرة أمام تمدّد النازيين الألمان بقيادة أدولف هتلر غرباً، كان الرئيس الأميركي روزفلت يردّ بما معناه أنّ الأولوية للداخل الأميركي، غير عابئٍ بما يحصل، لا في أوروبا ولا في آسيا من حرب عالمية ثانية (1939 ـ 1945). وكان الرئيس يشدّد على أنّ دعمه البريطانيين سيكون ضمن ما يسمح به الكونغرس والدستور، بما في ذلك شحنات الأسلحة والنفط والمواد الأولية وغيرها. ظلّت الحال على ما هي عليه حتى ارتكاب هتلر خطيئةً استراتيجيةً بمقاتلة حليفه السوفييتي جوزيف ستالين، والأهم الهجوم الياباني على بيرل هاربر في جزر هاواي الأميركية في 7 ديسمبر/ كانون الأول 1941. كانت تلك اللحظة التي أيّد فيها الأميركيون تورّط بلادهم في نزاعات خلف المحيطَين الهادئ والأطلسي، انتهت بانتصارهم ونصرة الحلفاء.
في خطاب حالة الاتحاد أمام الكونغرس الأميركي (الأربعاء الماضي)، بدا الرئيس الأميركي دونالد ترامب كأنّه في موقع روزفلت بإشارته إلى أنّ النظام الإيراني يطوّر صواريخ "ستصل قريباً إلى الولايات المتحدة"، أي أنّه يسعى إلى شحذ همم مواطنيه لتبرير أيّ هجوم على إيران. ومع أن المسوّغات المُقدَّمة حتى اللحظة لا تضاهي تلك التي كان بطلها وزير الخارجية الأميركي الراحل كولن باول في الأمم المتحدة، حين تحدّث عن أسلحة دمار شامل في العراق عشية غزو بغداد في مارس/ آذار 2003، إلا أنّ الأسباب "المثبتة" في الحالة الإيرانية تبقى أكثر ممّا كان عليه العراق أيام رئيسه الراحل صدّام حسين.
إذا صدّقتَ ما أعقب محادثات جنيف السويسرية بين الأميركيين والإيرانيين (أول من أمس الخميس)، بشأن إيجابية المفاوضات وقرب التوصل إلى اتفاق نووي... إذا صدّقت. غير أنّ المرحلة الثانية قد تكون أكثر إشباعاً بالضغط الأميركي. يعود هذا إلى أنّ شكل الاتفاق النووي مهما كان سيفضي إلى تنازل إيراني. وبعد ذلك، سيضغط ترامب في ملفَّي الصواريخ الباليستية والفصائل التابعة لإيران في المنطقة، على اعتبار أنّ من يتنازل مرّةً سيتنازل مرّات. وإسرائيل، التي تراقب بصمت صاخب مآل المباحثات السويسرية، لا تتردّد، عبر رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، في ترداد مقولة إنّ "ترامب هو أكثر رئيس أميركي دعماً لإسرائيل في التاريخ"، في إشارة إلى رهان كامل على الرئيس الأميركي. ومثل هذه الخيارات الإسرائيلية تعني أمراً واحداً: أنّ ما يفعله ترامب مطابق لتطلّعات الحكومة والمعارضة الإسرائيليَّتَين؛ إذ مهما تبدّلت التكتيكات يبقى الهدف تثبيت اللاءات الثلاثة في وجه إيران: لا نووي، لا باليستي، ولا فصائل موالية.
مع ذلك، يبقى عنصر السرعة الأهم في هذه الضوضاء كلّها. ترامب مستعجل لإنهاء ملفّاته الخارجية قبل منتصف العام الحالي. أقلّه هكذا أبلغ نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (الأربعاء الماضي) بدعوته إلى إنهاء حرب أوكرانيا في يونيو/ حزيران المقبل حدّاً أقصى. وفي ذلك انعكاس أيضاً على إيران وغزّة. يريد ترامب التفرّغ للانتخابات الأميركية النصفية المقرّرة في الثالث من نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل. ويسعى الرئيس الأميركي الجمهوري لمنع الحزب الديمقراطي من كسب إحدى غرفتَي الكونغرس (مجلس الشيوخ أو مجلس النواب)، لأن في ذلك انعكاساً بالغاً على سياسة الإدارة الأميركية وعرقلةً لتفرّد ترامب بالسلطة، وتبدّل سياسات بدءاً من إيران بالذات، مروراً بأوكرانيا، ووصولاً إلى غزّة. وفوز الديمقراطيين في نوفمبر المقبل يعني أنّ رئاسيات 2028 ستكون قاسيةً على الجمهوريين.
ربما تكون طهران ساعيةً إلى تخفيف الضغط عليها عبر الاعتماد على عامل الوقت، لكنّه أيضاً ليس في صالحها، لأنّ العقوبات المفروضة باقية حتى نيل رضا الأميركيين. وهو ما يعني مزيداً من الفوضى الداخلية والعجز الاقتصادي وتجدّد التظاهرات وتفكّك الصلات بين السلطة والشعب. وفي ظلّ هذه الضبابية، يبقى الإسرائيليون اللاعب الأكبر: كيف سيخوض نتنياهو انتخابات الكنيست المقبلة وملفّ إيران لم يُقفل بعد؟
