هل يعود "داعش" إلى سورية قوةً مسيطرةً؟
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
لا يزال تنظيم "داعش" يبحث عن عودته إلى سورية قوةً مسيطرةً، وذلك بعد أكثر من عقد على التحولات العنيفة التي شهدتها البلاد، إلا أن السؤال عن إمكانية عودة التنظيم بوصفه قوة مسيطرة بات يتردد، خصوصاً مع تصاعد العمليات التي نفذها "داعش" خلال الآونة الأخيرة. وكانت البيئة التي سمحت لصعود التنظيم قبل أكثر من عقد مليئة بالفراغات الأمنية والانقسامات السياسية، إلى جانب التماهي الذي قدمه النظام أمام صعود "داعش"، وهو ما أتاح له التمدد بسرعة وفرض نمط حكم متشدد قائم على الترهيب والمراقبة اليومية. إلا أن المعطيات الحالية تشير إلى أن تلك الظروف لم تعد موجودة، وأن احتمالات عودة التنظيم قوةً مسيطرةً تبدو ضئيلة، رغم استمرار تهديده الأمني القائم على خلاياه النائمة والعمليات المحدودة التي ينفذها بين الفينة والأخرى. وسيطر "داعش" في الفترة ما بين أواخر 2013 ومطلع 2014 على مساحات واسعة من محافظات الرقة والحسكة ودير الزور وريف حلب الشرقي، مستفيداً من الانقسامات بين فصائل المعارضة وضعف البنى الإدارية والأمنية آنذاك. وكانت مجتمعات هذه المناطق تعيش حالة فراغ أمني شديد، بعد أن خرجت من قبضة النظام، ولم تتشكل أي سلطة محلية قادرة على إدارة شؤون السكان بشكل مستقر، إذ خلق هذا الفراغ، إلى جانب التنافس بين القوى المختلفة، بيئة مثالية لتوسع التنظيم، الذي استغل الخوف والتهديد أسلوباً لإخضاع السكان وإعادة هيكلة حياتهم اليومية وفق قواعده الصارمة. وتبدو البيئة الميدانية مختلفة تماماً، بعد أن فقد التنظيم أراضي حضرية وتحول إلى مجموعة خلايا متناثرة تعمل في مناطق محدودة، ما يقلل من قدرته على إعادة بناء نموذج حكم شامل، وجعل انتشار القوى العسكرية المختلفة وارتفاع مستوى التنسيق الاستخباري والأمني في مناطق الشرق السوري بين التحالف الدولي والحكومة السورية من الصعب عليه استغلال أي فراغ واسع كما حدث في السابق. وقلصت هذه التغيرات العسكرية هامش الحركة الذي استفاد منه التنظيم سابقاً، وجعلت أي محاولة للسيطرة على مدينة أو محافظة بالكامل أمراً بالغ الصعوبة، إن لم يكن مستحيلاً. إن سورية اليوم ليست كما كانت في عام 2014؛ فالتجارب السابقة عززت قدرات المجتمع المحلي والتعاون الأمني، والوعي بتكاليف حكم التنظيم يضع قيوداً حازمة أمام أي محاولة جديدة لبناء نموذج حكم شامل بالإضافة إلى ذلك، تحمل المجتمعات المحلية التي عاشت تحت حكم التنظيم إرثاً ثقافياً ونفسياً ثقيلاً من تلك التجربة، فقد ترك حكم التنظيم آثاراً عميقة على الثقة الاجتماعية، والعلاقات اليومية بين السكان، والشعور بالأمان الشخصي. وتجعل هذه الذاكرة الجمعية أي محاولة للتنظيم لاستعادة النفوذ صعبة، إذ يدرك السكان تكاليف الانخراط في أي مشروع يهدد حياتهم واستقرارهم، ما يجعل المجتمع المحلي عائقاً قوياً أمام أي سيطرة واسعة جديدة. كما أن التغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي أعقبت نهاية حكم التنظيم ساهمت في تقليل فرص عودته نموذجَ سلطة، إذ شهدت الرقة والمناطق الشرقية موجات نزوح واسعة، ودماراً كبيراً في البنية التحتية والمساكن، إضافة إلى ارتفاع معدلات البطالة والفقر بين الشباب. وتعزز هذه الظروف حرص السكان على الاستقرار النسبي، حتى لو كان محدوداً، وتفضيل البقاء ضمن بيئة أقل فوضوية على أي مغامرة جديدة تحمل معها مخاطر سياسية أو أمنية. أيضاً، يمكن النظر إلى البنية العشائرية والاجتماعية عاملاً يعيق عودة التنظيم قوةً مسيطرةً. ورغم التسييس الجزئي للعشائر خلال سنوات الحرب في سورية، إلا أن الروابط العشائرية التقليدية ما زالت تمثل إطاراً اجتماعياً قوياً، قادراً على ضبط النزاعات المحلية ومنع الانزلاق نحو الفوضى الشاملة. من جهة أخرى، شكل انخراط سورية في منظومة التحالف الدولي قوة جديدة بوجه عودة تنظيم "داعش"، وهو ما ساهم في تطوير قدرة المؤسسات الأمنية على التعامل مع أي تهديد محتمل، خصوصاً بعد الإعلان عن عدة عمليات نفذها التحالف بالشراكة مع القوى الأمنية السورية ضد التنظيم. ويضيف هذا الأمر طبقة إضافية من الحماية ضد أي محاولة للتنظيم لإعادة بناء نفوذه، ويحد من قدرة التنظيم على مفاجأة المجتمع المحلي أو استغلاله، إلا أن خطر التنظيم يبقى قائماً على شكل خلايا نائمة وعمليات محدودة، ما يستدعي استمرار اليقظة الأمنية ومنع أي استغلال للثغرات المعيشية أو الاقتصادية التي يمكن أن تنشأ في المستقبل. أخيراً، يمكن القول إن سورية اليوم ليست كما كانت في عام 2014، فالتجارب السابقة أظهرت هشاشة المجتمع أمام الفوضى، لكن السنوات التي تلت ذلك ساهمت في تعزيز قدرات المجتمع المحلي والتعاون مع المؤسسات الأمنية لمواجهة أي تهديد مشابه، إضافة إلى أن الوعي المجتمعي الكبير بتكاليف حكم التنظيم والقدرة على الردع المحلية يضعان قيوداً قوية أمام أي محاولة لإعادة السيطرة.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية