على امتداد الجغرافيا اليمنية، تقف المواقع الأثرية شاهدة على تعاقب حضارات ضاربة في القدم، غير أن هذه الشواهد التاريخية تحولت في السنوات الأخيرة إلى مسرح لعمليات تنقيب عشوائية عن الكنوز المدفونة مدفوعة بالفقر، تنتهي في كثير من الأحيان بخسائر بشرية وتدمير لا يمكن إصلاحه.
ومع تردي الأوضاع الاقتصادية وانعدام فرص العمل، اندفع كثير من الشباب إلى البحث عن بدائل، ولو كانت محفوفة بالمخاطر، كالتنقيب عن الذهب المدفون والدفائن في الجبال والمواقع الأثرية، التي باتت بالنسبة للبعض خيارا أخيرا للبقاء.
يقول مدير عام الهيئة العامة للآثار والمتاحف – فرع تعز، محبوب الجرادي، إن الحفر العشوائي عمل تخريبي يمارسه ضعاف النفوس وهواة البحث عن الكنوز، مشيرا إلى أن الظاهرة تنامت مع تدهور الأوضاع العامة في البلاد.
مواضيع مقترحة
• آثار تهامة تحت رحمة هواة التنقيب العشوائي
• شبوة.. موطن 3 ممالك يمنية قديمة الأكثر شهرة
يحذر الجرادي، في حديثه لـ”ريف اليمن”، من أن هذه الممارسات تؤدي إلى خلط الطبقات التاريخية وتدمير السياق الأثري، وهو ما يفقد المواقع قيمتها العلمية ويصعّب على الباحثين لاحقا دراسة التسلسل الزمني للمكان أو فهم دلالاته الحضارية.
ويرجع أسباب تفشي الظاهرة إلى عدة عوامل، أبرزها ضعف الوعي المجتمعي بأهمية هذه المواقع التي تمثل حقبًا زمنية من تاريخ اليمن العريق، وعدم تفعيل القوانين الرادعة، وهشاشة الإطار التشريعي المنظم لحماية الآثار، إلى جانب الفقر والبطالة اللذين يدفعان البعض إلى المخاطرة بتاريخ البلاد بحثًا عن الكنوز دون مسؤولية.
ودعا الجرادي المواطنين إلى عدم التورط في مثل هذه الأعمال التخريبية والخطيرة، ومساندة الجهات المختصة عبر الإبلاغ عن أي نبش أو عبث بالمناطق الأثرية، مؤكدًا أن حماية التراث مسؤولية جماعية، خاصة في ظل الظروف الراهنة.

تنتشر المواقع الأثرية في مختلف أرجاء اليمن، من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب. وفي يوليو/تموز 2025 أدرجت منظمة اليونسكو 26 موقعًا أثريًا وطبيعيًا ضمن القائمة التمهيدية للتراث العالمي، ليرتفع عدد المواقع اليمنية المدرجة إلى 35 موقعًا ومحمية طبيعية.
يعتمد المنقبون الهواة على أدوات بدائية أو أجهزة تقليدية، ويقضون ساعات طويلة في الحفر تحت ظروف قاسية، مدفوعين بأمل العثور على كنز يغيّر حياتهم. غير أن معظم المحاولات تنتهي بالفشل، أو بإصابات جسدية، أو بإحباط نفسي عميق.
محمد سليم (28 عاما)، يعيل أسرة مكوّنة من خمسة أفراد، يروي تجربته لـ”ريف اليمن” قائلا:”كنا نقطع مسافات جبلية وعرة ليلا تقدر بخمسة كيلومترات، حاملين معدات الحفر ومولدا كهربائيا، بحثا عن الكنوز”.
ويضيف:”كنا نحفر دون دليل دقيق، مستندين إلى تحليلات تعلمناها من بعض المهتمين. في البداية كان الحماس يدفعنا، لكن مع الوقت أدركنا أننا نبحث عن سراب، ويقول:”أصبت بإحباط شديد أثر علي نفسيا بشكل بالغ”.
ويتابع ناصحا: “أنصح الجميع بعدم الانخراط في مثل هذه الأعمال، لأن المخاطر كبيرة، والنتائج غالبًا محبطة”.
أما الحاج عبد الله (55 عاما)، فيقول إنه صنع جهازا نحاسيا لرصد المعادن، وتنقل بين عدة مواقع محاولا قراءة النقوش والإشارات القديمة، مضيفا: “كنا نظن أن الأمر مسألة وقت فقط لكن لم يكن بهذه السهولة”.
“تنص المادة (38) على معاقبة من يجري أعمال حفر وتنقيب دون ترخيص بالحبس مدة لا تزيد عن سنتين أو بغرامة لا تقل عن 30 ألف ريال، أو بالعقوبتين معًا”.
ورغم إخفاق معظم المحاولات، يرى بعض الشباب في هذه المغامرات متنفسا نفسيا يمنحهم شعورا مؤقتا بالأمل في واقع اقتصادي ضاغط، وتشير تقارير محلية إلى تعرض مواقع أثرية في عدد من المحافظات لعمليات حفر وعبث متكررة، بعضها يتم بأدوات بدائية، وأخرى تقف خلفها مجموعات تستغل ضعف الرقابة.
لم تتوقف المخاطر عند التعب النفسي والجسدي، بل أصبح التنقيب العشوائي سببا في حوادث مميتة، إذ دفع البعض حياتهم ثمنا لهذه المغامرات، نتيجة انهيارات صخرية أثناء الحفر، أو لدغات ثعابين سامة، أو مخاطر طبيعية داخل المغارات.
محمد مزهر الزيلعي أحد ضحايا الكنوز المدفونة حيث وجدته أسرته متوفى بعد انهيار كومة ترابية عليه أثناء الحفر على عمق خمسين مترا في إحدى قرى تعز، بعد أن استمر في الحفر بجوار منزله لمدة شهر كامل.
وفي العام الماضي، أودت صخرة بحياة أحد المنقبين في قرية خربة بمديرية ميفعة عنس، أثناء قيامه بالحفر أسفلها مباشرة بعد أن لاحظ بعض النقوش الحميرية، ولقي حتفه قبل وصول المساعدة.
إلى جانب المخاطر الجسدية، يواجه المنقبون تبعات قانونية، وبحسب المحامي والناشط الحقوقي رشيد البرطي، فإن قانون الآثار اليمني يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على خمس سنوات وبغرامة لا تقل عن 50 ألف ريال كل من يهرّب آثارًا إلى خارج البلاد وفقا للمادة (37).

ويضيف:”كما تنص المادة (38) على معاقبة من يجري أعمال حفر وتنقيب دون ترخيص بالحبس مدة لا تزيد عن سنتين أو بغرامة لا تقل عن 30 ألف ريال، أو بالعقوبتين معًا”.
ويحرم قانون المناجم والمحاجر رقم (24) لسنة 2002، التنقيب عن الذهب باعتبار ملكيته للدولة، وتنص المادة (30) من هذا القانون على أنه “لا يجوز لأي شخص طبيعي أو اعتباري البحث أو الكشف أو الاستغلال أو المتاجرة، بالمعادن أو مواد الصخور الصناعية والإنشائية قبل الحصول على إذن بذلك…”، لكن القانون يظل حبرًا على ورق، والتنقيب مستمر بلا ضوابط.
يرى مختصون أن استمرار البعض في التنقيب لا يرتبط فقط بالرغبة في الثراء، بل بمحاولة الهروب من واقع اقتصادي قاس، تمنحهم المغامرة شعورا مؤقتا بالأمل والسيطرة، لكنها غالبا ما تنتهي بخيبة أمل مضاعفة.
ونتيجة لضعف الاهتمام وغياب الأجهزة الرقابية، يستمر بعض الشباب في عالم التنقيب، ليس بحثا عن الذهب فحسب، بل كملجأ نفسي للهروب من الواقع المأساوي والفقر المتفاقم، كما يقولون، متخذين من المغامرات متنفسًا مؤقتًا يمنحهم شعورا بالتحكم في حياتهم، ويخفف شعورهم بالحرمان والتعب.