سبتمبر نت/ تقرير – وئام الصوفي
بينما تزدحم أسواق مدينة تعز بالمتسوقين، وتفوح من أزقتها روائح المأكولات الرمضانية، ثمة مشهد آخر يصاغ خلف الدخان وعلى قمم الجبال المحيطة بالمدينة، هناك، حيث تعانق جبال “صبر” و”جبل هان” كبد السماء، يستقبل أبطال الجيش في محور تعز شهر رمضان المبارك، لا بموائد عامرة، بل بعزائم لا تلين وقلوب معلقة بخالقها ووطنها.
في الوقت الذي تنشغل فيه العائلات بتجهيز “سفرة” الإفطار، ينهمك المرابطون في جبهات تعز بتجهيز عتادهم العسكري، تفقد الخنادق، وتنظيف السلاح، ورصد تحركات مليشيا الحوثي الإرهابية هي الأولويات القصوى، بالنسبة لأولئك الأبطال، رمضان ليس مجرد انقطاع عن الطعام والشراب، بل هو “ملحمة صمود” تتجسد فيها أسمى قيم التضحية، حيث لا تعرف المليشيات الإرهابية لحرمة الشهر وقارا، وتستمر في ممارسة هوايتها في القنص والقصف الغادر.
تتجلى صورة البطولة في “المتارس” الممتدة من الضباب غربا وصولا إلى جبهات “كلابة” و”القصر” شرقا، حين يرفع أذان المغرب، لا يهرع المقاتلون إلى الموائد، بل يتقاسمون الوقت والمهام.
الإفطار هناك ليس طقسا للتفنن في المأكولات، بل هو لحظة خاطفة تضم بضع تمرات ورشفة ماء، وربما “قرص خبز” يتقاسمه الرفاق داخل الخندق، وسط أجواء تفيض بالكرامة والأنفة، حيث تتحول المتارس في لحظات الاستراحة القصيرة إلى مساجد مصغرة؛ تسمع دوي تسبيحهم في الهدوء، وتراهم يتسابقون على تلاوة القرآن، مستمدين من آياته الصبر والثبات.
رمضان.. موسم التصعيد الحوثي
تاريخيا، تستغل المليشيا الحوثية أجواء الهدوء الرمضاني للتصعيد العسكري والقنص العشوائي. لذا، فإن استقبال رمضان في جبهات تعز يعني رفع الجاهزية القتالية إلى حدها الأقصى، المقاتل في تعز يدرك أنه يحمي هوية وأمة، وأن صبره على الجوع والحرارة في المرتفعات هو امتداد لصموده في وجه القذائف.
يؤكد الأبطال المرابطون في قمم تعز أن للإفطار في الجبهة طعما يفوق ألذ الموائد في البيوت؛ فهو إفطار مغمس بعزة الرباط وشرف الدفاع عن الكرامة.
ويقول أحد المرابطين في جبل هان لـ ” سبتمبر نت”: “نحن لا نصوم عن الطعام والشراب فحسب، بل نصوم عن الخنوع، إفطارنا الحقيقي سيكون يوم استعادة كرامة تعز وفك حصارها الجائر.”
وبضيف :””نحن هنا لا نحمي ترابا فحسب، بل نحمي هوية وأمة، صيامنا هنا له مذاق مختلف، فنحن نشعر بمعية الله في كل لحظة، وصبرنا على الجوع والحر يقابل بصبرنا وثباتنا في مواجهة المليشيات”.
وفي غمرة هذا الصمود، لا تغيب سيرة الشهداء عن أحاديث المرابطين، فكل زاوية في تلك الجبال شهدت بطلا سقط مقبلا غير مدبر وهو صائم، إن دماءهم التي روت قمم “الجبال” لا تزال هي الوقود الذي يستمد منه المقاتلون صمودهم، وفي هذا الشهر الكريم، تتضاعف المسؤولية تجاه أسر هؤلاء الشهداء الذين قدموا أغلى ما يملكون، فوفاء المجتمع والدولة لعائلاتهم هو جزء أصيل من الوفاء للقضية التي استشهدوا من أجلها.
رسالة من القمة
من جبل هان الاستراتيجي، يرسل الأبطال رسالتهم لكل اليمنيين: “صيامنا رباط، وإفطارنا جهاد، وعيدنا الأكبر هو يوم يتحرر كل شبر من تراب هذا الوطن”.
أن تلك الكلمات ليست مجرد عبارات حماسية تقال في لحظة تجل، بل هي “دستور حياة” يسطره الرجال الذين اختاروا أن يكونوا السياج المنيع أمام أطماع الكهنوت الحوثي، محولين شعائر الشهر الكريم من طقوس استرخاء إلى “ملاحم صمود” تتجاوز حدود الجوع والعطش، وإرادة فولاذية تثبت يوما بعد يوم أن جبال تعز ليست وحدها الشامخة، بل إن من يسكنون قممها هم الشموخ ذاته.
إن الرسالة القادمة من قمة “جبل هان” هي دعوة لكل يمني بأن يستلهم من أولئك الأبطال معنى التضحية إنهم يذكروننا بأن الحرية لها ثمن، وأن الكرامة لا توهب بل تنتزع بصبر المرابطين وعزيمة الصائمين، فسلام على تلك الوجوه السمراء التي لفحتها شمس تعز، وباركتها آيات القرآن في الليالي الوترية، وسلام على أقدام ثبتت في الثغور، ليبقى اليمن حرا، كريما، ومهابا.
يظل أبطال الجيش في تعز هم الحصن المنيع والدرع الواقي. هم الذين اختاروا أن يكون “سحورهم” غبار الجبهات، و”إفطارهم” عزة الأنفس، لتبقى تعز مدينة شامخة، عصية على الانكسار، وحرة في وجه كل من يحاول النيل من كرامتها.