حزبي
يثير التحول المفاجئ في الخطاب السياسي لمليشيات الحوثي، من الترحيب بمبادرة الأزهر الشريف للتهدئة إلى شن هجوم على شيخ الأزهر إثر إدانته استهداف مكة المكرمة والمدينة المنورة، تساؤلات حول حدود قبول الجماعة بجهود الوساطة، ومدى استعدادها للتعامل مع المواقف الدينية المستقلة التي تنتقد ممارساتها العسكرية.
فبعد الإشادة بدعوة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب لتشكيل لجنة وساطة إقليمية، انتقلت المليشيات إلى مهاجمة مؤسسة الأزهر ومطالبتها بسحب بيانها المندد بالهجمات الحوثية التي استهدفت الأماكن المقدسة والمنشآت المدنية في السعودية، في تناقض لافت بين الترحيب بالمبادرة ومهاجمة الجهة الداعية إليها.
ويضع هذا الموقف الحوثيين أمام اختبار لنواياهم الحقيقية: فهل يتعاملون مع الوساطة باعتبارها مسارا لخفض التصعيد وتجنيب المنطقة اتساع الصراع، أم يوظفونها غطاء سياسيا ما دامت تتجنب إدانة ممارساتهم، وينقلبون عليها بمجرد تعارض مواقف الجهات الداعية للسلام مع روايتهم السياسية؟
من الترحيب إلى الهجوم
تتجلى جذور هذا المشهد السياسي في 26 أكتوبر الجاري، حين جدد شيخ الأزهر إدانته الصارمة للهجمات التي طالت مكة المكرمة والمدينة المنورة وتخومهما، فضلا عن الاستهداف للمنشآت المدنية السعودية. وقد شدد في بيانه على الرفض القاطع لأي تجاوز يمس بقدسية الحرمين الشريفين، أو يعرض الأمن القومي للمملكة وسلامة قاصديها ومواطنيها لأي تهديد.
ولم يقف موقف الأزهر عند حدود الشجب والإدانة، بل طرح مبادرة استراتيجية عاجلة تدعو لبلورة لجنة وساطة وتهدئة تنبثق عن حكماء الأمة الإسلامية وعقلائها. واستهدفت المبادرة تفكيك بؤر التوتر ونزع فتيل الصراعات الإقليمية، وإخماد الخلافات التي تعصف بأمن واستقرار الدول، إنقاذًا لمقدرات الشعوب وحقنًا لدمائها.
غير أن نداءات التهدئة العقلانية لم تفلح في كبح جماح التصعيد الخطابي الحوثي الموجه ضد أعرق المؤسسات الدينية في العالم الإسلامي. إذ شنت هيئة دينية محسوبة على المليشيات الحوثية هجوما شرسا على بيان شيخ الأزهر، ناعتة إياه بـ "الإفك والبهتان وشهادة الزور"، ومطالبة إياه بالتراجع وسحب البيان.
وتُميط هذه الردود اللثام عن مفارقة سياسية ودينية شديدة التعقيد؛ فمؤسسة الأزهر لم تغلق باب الوساطة ولم ترفضها، بل وازنت ببراعة بين الحث على احتواء التوترات البينية من جهة، والرفض الحازم للاعتداءات التي تمثل مساسا مباشرا بحرمة الأماكن المقدسة والأمن السعودي من جهة أخرى.
ورغم ذلك، جوبهت هذه المنهجية المتوازنة بحملة حوثية عدائية، عوضا عن استثمارها كمنصة لمناقشة مضمونها أو التعاطي الإيجابي مع مساعي التهدئة.
وتتضاعف خطورة هذه المفارقة حين تُقاس على مقياس المواقف الحوثية السابقة تجاه مبادرة الأزهر؛ فاستنادا إلى الرد الأول، أبدت المليشيات ترحيبا مبدئيا وانفتاحا على دعوة الوساطة والتهدئة.
ثم جاء موقفهم اللاحق ليضع مصداقية هذا الترحيب في مهب الريح، ليؤكد أن جوهر الخلاف لم ينصب على مبدأ الحوار بحد ذاته، بل انفجر حصريا لرفض الجماعة المطلق لإدانة شيخ الأزهر للهجمات المنسوبة إليها.
استنكار برلماني مصري
وعلى الصعيد المصري، تفجرت موجة من التنديد البرلماني الحازم إزاء الموقف الحوثي، مجسدةً رفضا قاطعا لما اعتبره نواب مصريون تطاولا غير مقبول على مرجعية مؤسسة الأزهر والرمزية الروحية الرفيعة لإمامها الأكبر.
وفي هذا السياق، أكد عضو مجلس النواب المصري مصطفى بكري أن تجرؤ ما تُسمى بـ «الهيئة الدينية لعلماء الحوثيين» على مقام شيخ الأزهر ومهاجمة بيانه ومطالبته بسحب الإدانة، يُعد «أمرا خارجا عن اللياقة ويمثل خروجًا صارخا على كل الأعراف والقيم».
وشدد بكري على أن الموقف الأزهري «يعبر عن كل مسلم ومسلمة»، واصفًا إياه بأنه «بيان الحق في مواجهة الباطل».
من جانبه، اعتبر النائب عماد الدين حسين أن الخطاب الحوثي الموجه ضد الأزهر «يثير الاستنكار والدهشة الشديدين»، مؤكدا أنه يعري العقلية السياسية التي تدير بها الجماعة أزماتها استنادًا إلى قاعدة إقصائية: «إما معها أو ضدها».
وجزم حسين بأن إدانة الدكتور أحمد الطيب لجرائم استهداف الأماكن المقدسة في السعودية تمثل أمرًا طبيعيًا وبديهيًا لا يقبل المزايدة.
وتلتقي الرؤى البرلمانية عند مرتكز سياسي ثابت، يفيد بأن إدانة الاعتداءات على الأماكن المقدسة لا ينبغي أن تخضع لابتزاز التجاذبات السياسية، ولا يجوز اتخاذها سببا لاستهداف المؤسسة التي أصدرتها.
كما تبلور هذه التصريحات حالة الامتعاض المصري العميق من محاولات الضغط الفاشلة لثني شيخ الأزهر عن موقفه المبدئي، في قضية تتخطى الخلافات السياسية لتلامس ثوابت مكانة مكة والمدينة لدى عموم المسلمين.
تناقض الخطاب الحوثي
على الصعيد السياسي، يتصادم الترحيب الانتقائي بالمبادرات السلمية بشكل صارخ مع الشراسة في مهاجمة الجهة ذاتها فور إصدارها تقييما يدين سلوك المليشيات.
وعلاوة على ذلك، فإن الإصرار على مطالبة الأزهر بسحب بيانه يطرح تساؤلات مشروعة حول مدى قبول المليشيات الحوثية الفعلي باستقلالية المؤسسات الدينية الكبرى في تقييم الأحداث، ويكشف توقعاتها بتطويع هذه المرجعيات لتتبنى روايتها السياسية دون أدنى تحفظ.
في المقابل، تظل المبادرة التي أطلقها شيخ الأزهر لتشكيل لجنة وساطة إقليمية محتفظة بوجاهتها الاستراتيجية القائمة على مبدأ احتواء الصراع وحماية المجتمعات من تداعياته.
وكان حريا بالمليشيات التقاط هذا البيان وتوظيفه كفرصة لإثبات التزامها بخفض التصعيد، بدلا من الانزلاق بالخلاف حوله نحو مستنقع المواجهة الكلامية والعدائية المباشرة مع مؤسسة دينية تحظى بمكانة واسعة النطاق في العالم الإسلامي.
ولا تتوقف دلالات هذه الواقعة عند حدود السجال بين الحوثيين والأزهر؛ بل تضع المليشيات أمام اختبار سياسي حاسم يفضح مدى اتساق خطابها المعلن عن الحوار والتهدئة مع ممارساتها الفعلية فور مواجهتها بإدانة صريحة لأفعالها.
وفي المحصلة النهائية، فإن التحول الحاد من الترحيب بدعوة الوساطة إلى شن الهجوم السافر على شيخ الأزهر بسبب إدانته استهداف المقدسات، يبرهن بشكل قاطع على غياب أي نية حقيقية لدى مليشيات الحوثي للانخراط في أي حوار جاد أو القبول بحل سياسي، مما يؤكد بوضوح أنها مجرد "مشروع حرب" يستمد بقاءه من استمرار الصراع ويرفض كافة مقتضيات التهدئة السياسية والأخلاقية.