حزبي
«صحيفة الثوري» – (رأي):
إلهام محمد زارعي
دخل الرجل المنجم صباحًا، بلا معول ولا خوذة، ولم يكن يبحث عن الذهب.
أمامه عشرات الأحجار؛ حجر يلمع من النظرة الأولى، وآخر يغطيه الغبار، وثالث خشن الحواف، ورابع يبدو عاديًا إلى حدّ أن عاملًا مستعجلًا قد يمر بجواره ولا يلتقطه.
لكن الرجل يعرف سرّ المهنة: ليس كل ما لا يلمع رخيصًا.
ذلك الرجل هو المعلّم، والمنجم هو الصف، والأحجار هم أطفالنا.
كل صباح يدخل المعلّم واحدًا من أغنى مناجم اليمن، لكنه لا يستخرج ثروته، بل يصقلها. وبين يديه أحجار بشرية لا تتشابه: طفل سريع الفهم، وآخر يتأخر، وواحد يملأ الصف ضجيجًا، وآخر يختبئ خلف صمته. والمعلّم الحقيقي لا يسأل فقط: من أذكى طلابي؟ بل يسأل السؤال الأصعب: من الجوهرة التي لم أكتشفها بعد؟
وهنا تكمن خطورة المهنة؛ فكلمة من المعلّم قد تكون أداة صقل، وقد تتحول إلى مطرقة. كلمة «أنت تستطيع» قد ترافق طفلًا نصف عمره، كما أن سخرية عابرة قد تترك فيه شرخًا لا يراه أحد.
وفي اليمن، لا تنتهي الحكاية عند شهادة أو امتحان. ففي هذه المناجم الصغيرة يجلس طبيب الغد، وقاضيه، ومهندسه، وصحفيّه، ومعلّمه، وربما يجلس في آخر الصف مسؤول ستصبح في يده يومًا مصالح الناس.
فأي مسؤول نريد أن يخرج من المدرسة؟
إذا رأى الطفل معلّمه ينصف الضعيف، تعلّم أن القوة مسؤولية. وإذا احترم سؤاله، تعلّم أن التفكير حق. وإذا احترم المختلف، عرف أن الاختلاف لا يصنع عدوًا. وإذا اعترف المعلّم بخطئه، تعلّم الطفل أن المكانة لا تجعل الإنسان فوق الاعتذار.
أما إذا تعلّم أن الأقوى دائمًا على حق، وأن السؤال وقاحة، وأن الخوف أفضل من الكلام، فقد نحفّظه جدول الضرب كاملًا، ثم نستغرب بعد عشرين عامًا لماذا لم يتعلم جدول الحقوق والواجبات.
في يوم المعلّم، ربما علينا أن ننظر إلى المهنة من زاوية أخرى. مستقبل اليمن لا يجلس كله خلف المكاتب الكبيرة؛ جزء منه ما يزال يجلس على مقاعد صغيرة، يحمل حقيبة مدرسية، ويرفع إصبعه طالبًا الإذن بالكلام.
لذلك، أيها المعلّم، حين تدخل صفك غدًا، تمهّل أمام الحجر الذي لم يلمع بعد.
فقد يكون أكثرها قيمة.
كل عام ومعلّمو اليمن بخير؛ حرّاس المنجم الوحيد الذي لا نستخرج منه ثروة الوطن، بل نصنعها.
The post المعلّم الذي دخل المنجم first appeared on الثوري | آخر أخبار اليمن والأخبار العربية والدولية.