حزبي
«صحيفة الثوري» – (رأي):
د. يوسف مرعي
كشفت التحركات الدبلوماسية الروسية النشطة خلال شهر سبتمبر 2026 عن تحولٍ يبدو لافتًا وجديرًا بالقراءة فيما يتعلق بمقاربة موسكو للتطورات الأخيرة في مسار الحرب اليمنية. فبعد سنواتٍ من سياسةٍ روسيةٍ اتسمت بالحفاظ على قنواتٍ مفتوحة مع مختلف أطراف الصراع، إلا أن موسكو، خصوصًا بعد الحرب الأوكرانية، استفادت من علاقتها بالحوثيين باعتبارهم من وجهة نظر الكرملين جزءًا من معادلة الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها، لكن موسكو مؤخرًا، ومن خلال تتبع تصريحات مسؤوليها، أصبحت أكثر صراحةً في الدعوة إلى وقف الأعمال القتالية، وضرورة حماية الملاحة في مضيق باب المندب والدفع نحو تسويةٍ سياسيةٍ يمنية تحت إشراف الأمم المتحدة. ولا يبدو هذا التحول تخليًا عن الحوثيين بقدر ما يعكس تغيرًا في حسابات المصلحة الروسية بعد انتقال القوة الحوثية من ورقة ضغطٍ إقليمية إلى عاملٍ مؤثر في أمن أحد أهم الممرات البحرية العالمية.
في 8 سبتمبر، أكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، خلال لقائه نظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان في موسكو، أن الهجمات الحوثية على السعودية تأتي بنتائج عكسية وتضر بالاقتصاد العالمي، مشددًا على رفض الحلول العسكرية. وبعد أقل من أسبوعين، أكد الرئيس فلاديمير بوتين وولي العهد السعودي محمد بن سلمان في اتصالٍ هاتفي على أهمية ضمان المرور الآمن عبر مضيقي باب المندب وهرمز، وربطا ذلك مباشرةً بتدهور الوضع العسكري والسياسي في اليمن وضرورة وقف الأعمال العدائية وإطلاق حوارٍ يمني برعاية الأمم المتحدة.
هذا النشاط الروسي، الذي لم يكن مألوفًا من قبل بهذه الكثافة، لا شك أنه يحمل دلالةً تستلزم أهميةً بالغة في قراءة ما وراءها، خصوصًا في هذا التوقيت. وتزامن ذلك في أعقاب التقدم الذي أحرزته جماعة الحوثي في الساحل الغربي ووصولها إلى مضيق باب المندب.
وبهذا التطور في المشهد اليمني انتقلت الأزمة من كونها حربًا يمنيةً بأبعادٍ وامتداداتٍ إقليميةٍ إلى أزمةٍ أبعد مدى تمس بصورةٍ مباشرة أمن الملاحة الدولية وأسواق الطاقة، وتشتبك فيها حسابات كل من السعودية وإيران والولايات المتحدة وروسيا والصين في وقتٍ واحد.
الانتقال من الحياد الانتقائي إلى إدارة المخاطر
في قراءة المحطات التاريخية لطبيعة الموقف الروسي تجاه الأزمة في اليمن؛ سنجد أنه لم يكن الموقف الروسي من الحوثيين يومًا ما على نفس التطابق مع الموقفين الأمريكي والسعودي. فقد حافظت موسكو على إبقاء قنوات تواصلها مع الحركة، وزادت من اتصالاتها بها عقب الحرب الأوكرانية، كما أنها في الوقت نفسه حافظت على علاقاتها بالحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا وبالسعودية.
وهذه الاستراتيجية برأيي منحت موسكو القدرة على التحرك بين الخصوم، وهو ما يمكن وصفه بالحياد البراغماتي.
ظهرت العديد من التقارير والتحليلات التي تتحدث عن تقديم روسيا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة عبر قنوات وسيطة كإيران دعمًا عسكريًا واستخباراتيًا للحوثيين، بما في ذلك معلومات فضائية أو بحرية ساعدت الحركة كثيرًا في تحديد أهداف الملاحة.
فخلال أزمة التصعيد في البحر الأحمر بعد طوفان الأقصى في غزة كان نشاط الحوثيين التصعيدي يخدم بصورةٍ غير مباشرة العديد من المصالح الروسية. فتهديد الملاحة البحرية المرتبطة بالغرب وارتفاع تكاليف التأمين والشحن البحري وإجبار الكثير من السفن على تبديل مساراتها كلها كانت عوامل تزيد بدرجةٍ رئيسية في الضغط الاقتصادي والاستراتيجي على الولايات المتحدة وأوروبا. وفي سياق المواجهة الروسية ـ الغربية حول أوكرانيا، لم يكن من الصعب رؤية البحر الأحمر كأحد المسارح التي تتوزع فيها أدوات الضغط على النظام الغربي.
ولذلك ظهرت العديد من التقارير والتحليلات التي تتحدث عن تقديم روسيا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة عبر قنوات وسيطة كإيران دعمًا عسكريًا واستخباراتيًا للحوثيين، بما في ذلك معلومات فضائية أو بحرية ساعدت الحركة كثيرًا في تحديد أهداف الملاحة. غير أن هذه الادعاءات في العديد من هذه التحليلات تحتاج إلى درجةٍ كبيرة من التعامل معها بحذر إذ لا تتوافر، حتى الآن أدلة علنية مستقلة تكفي لإثبات حجم هذا الدعم ونوعه أو طبيعته بصورة قاطعة.
لكن في النهاية حتى في حال استبعاد تلك التقارير والتحليلات يبقى المهم أن الثابت سياسيًا في موقف موسكو أنها حافظت على علاقةٍ تسمح لها بالتواصل مع الحوثيين وزادت من أوجه تعاونها معهم، وأنها لم تتعامل معهم باعتبارهم مجرد طرفٍ ينبغي عزله بل أضحت تتعامل معهم باعتبارهم الطرف الأقوى والاكثر فاعلية في المشهد اليمني وإشراكهم في التسوية دون شروط.
باب المندب: اللحظة التي تغيّرت فيها المعادلة
هناك فارق جوهري بل واستراتيجي بين أن تستخدم الحركة الحوثية قدراتها العسكرية لتهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر وبين أن يمتلكوا سيطرةً مباشرة على مضيق باب المندب. ففي الحالة الأولى تستطيع الحركة أن تؤدي وظيفة الضغط. أما في الحالة الثانية المتعلقة بامتلاكهم السيطرة المباشرة على المضيق فإن الحركة ستصبح جزءًا من بنيةٍ أمنيةٍ جديدة في البحر الأحمر.
وبرأيي أن ذلك قد لا يحمل تداعيات تصيب الغرب وحده بالنظر إلى أن روسيا نفسها دولة تجارية وجزء كبير من صادرات طاقتها يذهب إلى الهند ودول آسيوية عبر باب المندب، وتسعى إلى توسيع حضورها في الشرق الأوسط والبحر الأحمر والمحيط الهندي. إلا إذا كان الأمر يتعلق بتنسيقٍ روسي إيراني حوثي، بالنظر إلى أن وكالة بلومبيرج للأنباء كانت قد ذكرت عقب استهداف الحوثيين للملاحة في البحر الأحمر أن الحوثيين أبرموا اتفاقًا مع موسكو وبكين يقضي بعدم استهداف السفن الروسية والصينية مقابل التزام الدولتين دائمتي العضوية في مجلس الأمن بتوفير دعمٍ وغطاءٍ سياسي للجماعة في الأمم المتحدة.
رئيس المجلس القومي الروسي الحالي أثناء مشاركته في تشييع المرشد الإيراني السابق علي خامنئي كان قد صرح أن لإيران سلاح نووي رائع وهو مضيق هرمز، مضيفًا أن لديها سلاحًا نوويًا آخر ستستخدمه في ظروف التصعيد وهو باب المندب
الأكثر حساسية أن مضيقي هرمز وباب المندب باتا يظهران في الخطاب الرسمي الروسي كجزءٍ من معادلةٍ استراتيجية واحدة، وإذا أصبح المضيقان أكثر عرضة للاضطراب في الوقت نفسه فإن أزمةً إقليميةً محدودة قد تصير إلى أزمةٍ كبيرة في النظام العالمي للتجارة والطاقة؛ ما سيصعب على أي قوةٍ وقف تداعياتها بعد ذلك، اللافت أن دميتري ميدفيدف الرئيس الروسي السابق ونائب رئيس المجلس القومي الروسي الحالي أثناء مشاركته في تشييع المرشد الإيراني السابق علي خامنئي كان قد صرح أن لإيران سلاح نووي رائع وهو مضيق هرمز، مضيفًا أن لديها سلاحًا نوويًا آخر ستستخدمه في ظروف التصعيد وهو باب المندب بحسب وكالة تاس للأنباء، وهو ما حدث لاحقًا من خلال سيطرة وكلاء إيران الحوثيين على باب المندب.
كيف فسرت موسكو هذا التحول على الأرض؟
المتابع لتصريحات روسيا سيفهم أن موسكو انتقلت من توظيف الأزمة إلى محاولة إدارة مخاطرها بما يمنحها العديد من المكاسب. ولا شك أن تصريحات ناطق الحوثيين بأنهم لن يستهدفوا الملاحة الدولية تأتي في سياق دفع روسي لإيصال رسائل طمأنةٍ للمجتمع الدولي، ومن ثم التفاوض مع الرياض؛ لأن هدف الحوثيين الأساسي من السيطرة على هذه الورقة البالغة الأهمية هو رفع منظومة العقوبات الدولية المفروضة عليهم وصولًا إلى الاعتراف الدولي بهم كالطرف اليمني الأبرز والفاعل والطرف القادر على فرض سيناريوهات التسوية المستقبلية.
الرياض كشريك مهم لروسيا.. كيف تتعامل الدبلوماسية الروسية معها؟!
من المعروف أن موسكو لا تنظر إلى الرياض باعتبارها طرفًا في الحرب اليمنية، فحسب بل باعتبارها شريكًا رئيسيًا لها في الطاقة، وعضوًا مركزيًا في مجموعة (أوبك+) وقوةً إقليمية كبيرة لا يمكن تجاوزها في أي ترتيباتٍ أمنية للخليج والبحر الأحمر، وبوصفها قوةً قادرة على التأثير في ملفات حساسة تخشى موسكو أن تنخرط الرياض فيها بشكل أكثر فاعلية؛ الأمر الذي سيزيد من أعباء موسكو المتصلة بحربها في أوكرانيا وإضعاف نفوذها في القوقاز. ومن هنا تكتسب اتصالات لافروف وبوتين بالقيادة السعودية أهميةً تتجاوز الملف اليمني نفسه.
لكن حتى هذه الاتصالات باتت تصطدم بشكل واضح بالإدراك الاستراتيجي السعودي الذي بات يرى أن موسكو انخرطت بطريقةٍ أو بأخرى في ورقة باب المندب، وتمكين الحوثيين من ذلك من خلال تقديم بعض صور الدعم الفضائي والاستخباراتي للحوثيين بحسب تقارير حديثة نشرت مؤخرًا، وأن موسكو صارت من خلال تكثيف دعواتها لوقف الأعمال العدائية والعودة للحوار لا تسعى إلا إلى تثبيت ورقة باب المندب بيد الحوثيين لحرص موسكو وسعيها الحثيث للبحث عن تواجدٍ عسكري بحري في جنوب البحر الأحمر، كما أن هذه التحركات تأتي في سياق حاجتها لإبقاء قنواتها مع الرياض مفتوحةً تمامًا، كما تحتاج إلى الاحتفاظ بعلاقتها مع طهران والحوثيين.
لأن هذه ميزة السياسة الروسية التي عملت على بنائها حوالي أكثر من عقد في المنطقة، وتظن هذه السياسة أنها لا تحتاج إلى اختيار أحد الطرفين كي تحتفظ بنفوذها، وكانت الحالة السورية استثناءً، إذ تدخلت موسكو عسكريًا لصالح نظام الأسد، أما في باقي ملفات المنطقة تحاول أن تكون الطرف الذي يستطيع التحدث مع الجميع عندما تتعطل قنوات الآخرين.
الرسالة ليست للحوثيين وحدهم
الدعوة الروسية لوقف الأعمال العدائية تحمل رسائل لأكثر من اتجاه، فهي رسالة موجهة إلى إيران أيضًا، فموسكو تستطيع الاستفادة من الشراكة مع طهران ومن علاقاتها بالحوثيين، لكنها لا تريد أن تتحول القوة (الإيرانية ـ الحوثية) إلى منظومةٍ يصعب ضبطها وتنتج مواجهةً مفتوحة مع واشنطن والرياض تقود في النهاية إلى هزيمة إيران وما تبقى من شبكة نفوذها الإقليمي بمن فيهم الحوثيين؛ لأن ذلك سيجعل موسكو تفقد هامش مناورتها المتبقي في المنطقة.
وعليه فإن الموقف الروسي الحالي المتمثل في ضرورة وأهمية حماية الملاحة ووقف الأعمال العدائية لا يعني بالضرورة أنها (تخلت) عن الحوثيين بقدر ما تريد إدارة مكاسبهم وتثبيتهم في معاملة الصراع اليمني على قواعد اشتباك جديدة، كما لا يعني ذلك أن صور مساعدتها للحوثيين صارت مفتوحةً دون ضوابط أو منحهم حريةً مفتوحة في استخدام باب المندب آخذةً في الاعتبار تداخل مصالحها وتشابكها مع السعودية ودول الخليج إجمالًا.
والأدق من وجهة نظري هو أن روسيا تريد تحويل القوة الحوثية من أداة تصعيدٍ إلى ورقة تفاوض. فالنفوذ يكون أكثر قيمةً وجدوى عندما تستطيع موسكو استخدامه على طاولة المفاوضات لا عندما يقود إلى حربٍ إقليمية واسعة النطاق قد تتجاوز قدرتها على التحكم في تداعياتها.
من المحتمل في ضوء التصعيد الحالي أن الدور الروسي المحتمل قد يتمثل في أن موسكو ستعمل على الانتقال من مجرد الدعوة إلى السلام إلى محاولة تقديم نفسها كوسيطٍ بين الرياض والحوثيين إذا استمر الوضع العسكري الحالي، فقد تجد موسكو فرصةً للإنتقال من مجرد الدعوة إلى السلام إلى لعب دور الوسيط بين الرياض والحوثيين، وربما بصورة غير مباشرة بين الرياض وطهران.
كانت الحركة الحوثية تمتلك قدرةً محدودة على إزعاج الغرب كان وجودهم بالنسبة للكرملين ورقةً يمكن الاستفادة منها
إلا أن نجاح هذا الدور برأيي سيبقى مرهونًا بقبول الأطراف الرئيسية به وبوجود تفاهماتٍ إقليمية أوسع حول مستقبل اليمن وأمن البحر الأحمر. في النهاية موسكو لا تحتاج بالضرورة إلى حسم الحرب اليمنية كي تحقق مكسبًا استراتيجيًا فيها، يكفي أن تصبح طرفًا لا يمكن تجاوزُه عند صياغة نهايتها.
ختامًا، إن النشاط الدبلوماسي الروسي المتزايد في اليمن خلال سبتمبر 2026 لا يمثل انقلابًا في السياسة الروسية بقدر ما يمثل إعادة ضبطٍ لها استجابةً لتغير ميزان القوى والمخاطر في نفس الوقت.
فحين كانت الحركة الحوثية تمتلك قدرةً محدودة على إزعاج الغرب كان وجودهم بالنسبة للكرملين ورقةً يمكن الاستفادة منها. أما بعد انتقالهم إلى الساحل الغربي واقتراب نفوذهم من باب المندب صحيح أن ذلك رفع من استثمار طهران حليفة موسكو بورقة القوة غير المباشرة في ظروف المواجهة الحالية مع واشنطن، إلا أن هذه الورقة أصبحت تحمل مخاطر محتملةً أكبر على التجارة والطاقة والاستقرار الإقليمي سيتضرر الجميع منها.
لذلك كان النشاط الدبلوماسي الروسي متزامنًا وربط بين ثلاثة مسارات وهي: التواصل مع الحوثيين وحتى انخراطهم غير المباشر في تقديم بعض أشكال الدعم العسكري وتكثيف اتصالاتهم وتنسيقهم مع المملكة العربية السعودية؛ فضلًا عن الدعوة إلى وقف الأعمال العدائية وحماية الملاحة في باب المندب وهرمز. أي أن المعادلة الجديدة لموسكو في اليمن ليست أنها ضد الحوثيين وليست معهم دون حدود وضوابط. وتحاول الحفاظ عليهم كقناة نفوذٍ مهمة، لكن في نفس الوقت تعمل على أن لا يتحولوا إلى مصدر فوضى استراتيجية يصعب احتواؤها. وهنا بالتحديد تكمن المفارقة: كلما ازدادت القيمة الجيوسياسية للحوثيين بالنسبة إلى موسكو ازدادت حاجتها إلى احتواء القوة التي جعلتهم بهذه القيمة.
وهذا قد يكون المدخل الحقيقي لفهم التعاطي الروسي الأخير من سياسة الاستفادة من الصراع إلى سياسة التأثير في نهايته.
نقلاً عن المشاهد نت
The post موسكو والحوثيون: من توظيف أزمة باب المندب إلى محاولات احتواء تداعياتها first appeared on الثوري | آخر أخبار اليمن والأخبار العربية والدولية.