أدب الحرب وثقافة المقاومة – 5
حزبي
منذ 9 ساعات
مشاركة

صحيفة الثوري – دراسات 

عبدالجليل عثمان الأكحلي 

(الحلقة الخامسة)

أدب الحرب في تراثنا العربي

إن الحرب في حياة العرب كانت ضرورة؛ كانوا بغريزتهم يحملون لها من الكره قدر ما يحملون من الشجاعة في مواجهتها، ويدركون مآسيها، وكان زهير بن أبي سلمى معروفاً بحبه للسلم وسعيه لأنها الحرب وحذر من ويلاتها؛

وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم – وما هو عنها بالحديث المترجم
متى تبعثوها تبعثوها ذميمة – وتضر إذا ضريتموها فتضرم
فتعرككم عرك الرحى بثقالها – وتلقح كشافاً ثم تنتج فتتئم
فتغلل لكم ما لا تغل لأهلها – قرى بالعراق من قفيز ودرهم
فتغلل لكم غلمان أشأم كلهم – كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم

فهو يرى في الحرب الشر ويكره أن تقوم بين العرب، وتخلف في واقعهم ما تخلف، ويتناقل الناس أخبار الرجال الذين عرفوا بالفروسية وقد أدانوا الحرب بأكثر من قول ووصفوها بالقبح، فقال عنترة: (أولها شكوى، وأوسطها نجوى، وآخرها بلوى).

أما عمرو بن معد يكرب فقال: (مرة المذاق، إذا كشفت عن ساق، من صبر فيها عرف، ومن نكل عنها تلف). وقوله:

الحرب أول ما تكون فتية –
تسعى بزينتها لكل جهول
حتى إذا حميت وشب ضرامها –
عادت عجوزاً غير ذات خليل
شمطاء جزت رأسها وتنكرت –
مكروهة للشم والتقبيل

فالحرب لم تكن هواية أو نزعة للعنف والعدوان، ولكن ظروفهم تسود فيها العصبية القبلية، ويصبح الغزو أحد موارد العيش، اضطرتهم إلى القتال سبيلاً إلى الكلاء والماء.

وإن نزعتهم ليست للاستيلاء على أراضي الغير ولا للنزعة العنصرية، فقد كانت الحرب في دم العربي صرخة الكرامة ومعنى الرجولة، يعبر عنهم كراهيته لها وقد تجلب العار.

وقد جاء بالقرآن الكريم: (كتب عليكم القتال وهو كرهاً لكم، وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شراً لكم، والله يعلم وأنتم لا تعلمون).

هذه الآية تعبر عن وجدان الإنسان العربي وتكشف عن موقف نفسي وروحي من الحرب في كرهها وفي الإقبال عليها، حين تفرض ولا مناص من مواجهتها دفعاً لعدوان.

الحرب إذن واقع في حياة العرب وفي غيرهم من الأمم، وقد بلورت في تعريفات كثيرة: “الحرب رحى ثقالها الصبر، وقطبها المكر، ومدارها الاجتهاد، وثفالها الأناة، وزمامها الحذر، ولكل شيء من هذه ثمرة، فثمرة الصبر التأييد، وثمرة المكر الظفر، وثمرة الاجتهاد التوفيق، وثمرة الأناة اليمن، وثمرة الحذر السلامة، ولكل مقام مقال”.

وصورة الحرب الرحى تطحن وتمعن في الطحن، وهي صورة راسخة في ذهن العربي الذي كان يعيش هو وأولاده وقبيلته في دوامتها، عليه أن يمارس الصبر، فالحرب ليست نزهة، وعلى المحارب أن يحشد كل طاقاته النفسية والجسدية والفكرية ويستعين بكل ملكات القتال كي يحقق النصر، ويستعين بحكمة الممارسة والتأييد المعنوي والمادي والحرص على ارتباطه بشعبه والحفاظ على سلامتهم.

ومارس العرب أشياء كثيرة حول الحرب من حكمائه، ومن ذلك مثلاً ما تحدث أكثم بن صيفي عن الحرب في الريادة للمقاتلين: ((أقلوا الخلاف على أمرائكم، فلا جماعة لمن اختلف عليه. واعلموا أن كثر الصياح من الفشل، فتثبتوا فإن أحزم الفريقين الركين، ورب عجلة تعقب ريثاً.)) ويجب أن تكون للحرب آداب عامة يلتزم بها من أرادوا تحقيق النصر في الفطنة والإدراك.. وهكذا تكون وثائق الحزم في (مخاتلة العدو عن الريف، وإعداد العيون على الرصد، وإعطاء المبلغين على الصدق، ومعاقبة المتوصلين بالكذب، وأن لا تحرج هارباً إلى قتال، ولا تضيق أماناً على مستأمن، ولا تشدهنك الغنيمة عن المحاذرة).

وحين انطلق بالإسلام من الجزيرة حمل المقاتلين معهم وصايا يحق لهم أن يباهو بها العالم بالمقارنة مع موقف همجية المستعمر والصهاينة. فالتاريخ يروي أن عمر بن الخطاب كان يقول عند عقد الألوية:

(باسم الله وبالله وعلى عون الله، “أمضوا بتأييد الله والنصر، ولزوم الحق والصبر، فقاتلوا في سبيل الله من كفر بالله، ولا تعتدوا أن الله لا يحب المعتدين، ولا تجبنوا عند اللقاء، ولا تمثلوا عند القدرة، ولا تسرفوا عند الظهور، ولا تقتلوا هرماً ولا امرأة ولا وليداً، وتوقوا قتلهم إذا التقى الزحفان، وعند حمة النهضات، وفي شن الغارات)”1” وكذا وصية أبي بكر الرفيقة بالإنسان وبالأرض تكرس للعرب أخلاقاً.

هكذا تحددت للحرب عندهم معالم واضحة تبناها الأدب وحفظها في نصوص ووثائق عقلية متقدمة للإنسان العربي الذي لم يكن آنذاك مستلباً، بل كان سيد مصيره، ويتفاعل بإيجابية مع واقعه لإيجاد إنسان متحرر الإرادة بالبساطة والصدق والذي يمارسه في أدبه، فحين خاف قال أنا خائف، وحين كان لا يبالي أعلن لا مبالاته. تحولت مشاعره إلى شعر عفوي، وكان الشاعر يعيش القتال لأنه مقاتل ويشارك القبيلة حياتها.


المرجع.
1- د. نجاح العطار، حنا مينه
أدب الحرب بتصرف.

يتبع5

The post أدب الحرب وثقافة المقاومة – 5 first appeared on الثوري | آخر أخبار اليمن والأخبار العربية والدولية.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية