منذ تأسيس التجمع اليمني للإصلاح عام 1990، شاركت المرأة في هياكله التنظيمية وأنشطته السياسية والمجتمعية، واتسعت أدوارها تدريجيًا لتشمل العمل القيادي والانتخابي والحقوقي والإعلامي والإنساني.
وخلال سنوات الحرب، واجهت المرأة الإصلاحية تحديات إضافية، وواصلت نشاطها في رعاية المتضررين، والدفاع عن المعتقلين والمخفيين قسرًا، ومناهضة الانتهاكات، والمشاركة في الجهود الوطنية الرامية إلى استعادة الدولة ومؤسساتها.
ويستعرض هذا التقرير أبرز محطات حضور المرأة في مسيرة التجمع اليمني للإصلاح، ومجالات مشاركتها، والتحديات التي واجهتها، ورؤية عدد من القيادات النسوية لمستقبل دورها السياسي والمجتمعي.
البدايات والتأسيس
انخرطت المرأة في البنى التنظيمية للإصلاح منذ تأسيسه، ونظمت اللوائح الداخلية طبيعة مشاركتها ومسؤولياتها. وتطور الإطار التنظيمي لعملها من قطاع نسائي إلى دائرة للمرأة في الأمانة العامة، إلى جانب دوائر وأقسام مماثلة في المكاتب التنفيذية بالمحافظات.
وجاء هذا الانخراط في ظل التعددية السياسية والحزبية التي أعقبت تحقيق الوحدة اليمنية عام 1990، ما أتاح للمرأة الانتقال من العمل المجتمعي والخيري إلى ممارسة سياسية وتنظيمية أكثر انتظامًا، شملت بناء القواعد النسوية والتوعية السياسية والمشاركة في الأنشطة الجماهيرية والانتخابية.
وفي هذا السياق، تقول الأستاذة (صباح الفقيه)، مسؤولة في المجال السياسي-محافظة عمران، إن القطاع النسائي في التجمع اليمني للإصلاح اضطلع بدور بارز في تطور الحزب ومشاركته السياسية والاجتماعية منذ تأسيسه عام 1990.
وتوضح أن النشاط النسوي الإصلاحي توزع بين العمل القيادي والتنظيمي، والتوعية المجتمعية، والعمل الحقوقي والإعلامي، وامتد إلى مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني والمجال التعليمي، بما يعكس حضور المرأة اليمنية في صناعة الحياة العامة.
حضور وطني وانتخابي
مثّلت المرأة الإصلاحية رافعة مهمة في الفعاليات الجماهيرية والمؤتمرات العامة والاستحقاقات الدستورية والانتخابية، وشاركت فيها مرشحة وناخبة ومنظمة. كما حضرت في الأنشطة المرتبطة بالدفاع عن النظام الجمهوري والهوية الوطنية وإحياء أعياد الثورة اليمنية وذكرى تأسيس الحزب.
وبرز تأثيرها بصورة خاصة في الحشد الانتخابي والتوعية السياسية وتنظيم الحملات والتصويت خلال الانتخابات النيابية والمحلية والرئاسية التي شهدتها البلاد.
وامتد حضور المرأة الإصلاحية إلى مختلف المحافظات من خلال العمل التنظيمي والمجتمعي والمبادرات الإنسانية والتوعوية، والمشاركة في القضايا المتصلة بحياة السكان واحتياجاتهم اليومية. وجمعت الناشطات والقيادات النسوية بين مسؤولياتهن الأسرية والاجتماعية والعمل في المجال العام، وواصلن المشاركة في ظل أوضاع سياسية وأمنية شديدة التعقيد.
شراكة في القرار
عمل التجمع اليمني للإصلاح على إشراك المرأة في المستويات القيادية والهيئات التنظيمية المختلفة. وتشغل قيادات نسوية عضوية مجلس شورى الحزب، ودائرة المرأة، ودائرة العمل الجماهيري في الأمانة العامة، إضافة إلى مواقع تنظيمية في المكاتب التنفيذية بالمحافظات.
وركزت دائرة المرأة على تنفيذ برامج تدريبية في التفكير الاستراتيجي وإدارة الأزمات والمهارات السياسية والإعلامية والحقوقية، بهدف رفع كفاءة الكوادر النسوية وإعدادها لتولي مسؤوليات تنظيمية ومجتمعية أوسع.
وتفرض المرحلة الراهنة توسيع حضور المرأة في مواقع صنع القرار وإشراكها في رسم السياسات الوطنية والدفاع عن قضايا المجتمع والدولة، بما يتناسب مع خبرتها المتراكمة وحجم مسؤولياتها خلال السنوات الماضية.
قيادات ومجالات تأثير
برزت خلال مسيرة الإصلاح قيادات نسوية عملن في مجالات السياسة والحقوق والإعلام والعمل الاجتماعي والإنساني. وعند الحديث في هذا السياق، لا بد من القول إن الإصلاح ساهم في دخول المرأة في العديد من المجالات، التعليمية والاجتماعية والمهنية وغيرها.
حيث أقنع الإصلاح الآباء والأمهات بضرورة تعليم بناتهم، كما هو ضرورة لأبنائهم، ولا فرق بين الطرفين، وسعى أيضًا في محو الأمية للنساء المنتسبات للحزب في كل المستويات، ما أتاح لعشرات الآلاف من النساء مواصلة التعليم حتى المرحلة الجامعية، ومنهن من تقلدت مراكز مهمة على مستوى التنظيم، وأخريات حصلن على فرص عمل في القطاع الخاص.
أما في الجانب الاجتماعي والمهني، فلا يزال التجمع اليمني للإصلاح يتبنى العديد من الأنشطة تحت مظلة الدائرة الاجتماعية، بالتنسيق مع القطاع النسائي ومن ثم مع دائرة المرأة، وتبنى الكثير من المهن والحرف التي تتواءم مع طبيعتها والتي يحتاجها السوق المحلية.
وكان ذلك من خلال إنشاء العديد من المراكز في إطار المدن والقرى، بحيث تعلمن النساء الإصلاحيات وغيرهن الحياكة والخياطة والقبالة وغيرها الكثير من المجالات التي ساعدت المرأة كثيرًا لتكون مستقلة بتعليمها وذاتها وتمويل ذويها إذا لزم الأمر، وخصوصًا في ظل الظروف الراهنة لليمن، وخصوصًا للأسر التي فقدت المعيل، فهذا يرفع من مستواها المعيشي.
أما في المجال السياسي والإعلامي والحقوقي، فقد ساهم الإصلاح في هذه المحاور بفاعلية، من خلال انتشاره الواسع وثقة الشعب اليمني بأعضائه وبعلمائه، في تغيير النظرة المجتمعية للمرأة المشتغلة بالشأن العام، فظهرت وبرزت الكثير من القيادات النسائية الإصلاحية في هذه المجالات.
وتوجت تلك النضالات بريادة المرأة الإصلاحية في العمل العام وفي الدفاع عن الحقوق والحريات، وقد كان مما لفت أنظارنا من اهتمام للإصلاح بالمرأة إعطاؤها أكثر من نسبة 30% من بين أعضائه في لجنة الحوار، وحتى قبل أن يتم إقرار نسبة المرأة في قوائم الأطراف.
وسجلت المرأة الإصلاحية مشاركة فاعلة في الحوار الوطني وحملها هم الوطن وقضايا المرأة بعيدًا عن المزايدة والخروج عن النواب وضوابط الشرع وقوفها الشجاع في وجه عصابات الموت الانقلابية، وعلى الرغم مما تعرضت له من الاعتداء والاضطهاد النفسي والتشريد، إلا أن المرأة الإصلاحية أثبتت أنها رمز للنضال، وهي تقف مع أخيها الرجل خلف مشروع الوطن واستعادة شرعيته المسلوبة.
أدوار زمن الحرب
توسعت أدوار المرأة الإصلاحية خلال سنوات الحرب لتشمل العمل الإنساني والحقوقي وإسناد المتضررين. وأسهمت الناشطات والقيادات النسوية في رعاية أسر الشهداء والجرحى، وتخفيف معاناة النازحين، ومساندة الأسر المتضررة من الحرب.
وشاركت كوادر نسوية في تأسيس منظمات المجتمع المدني وتدريب العاملين فيها، والدفاع عن المعتقلين والمخفيين قسرًا، ورصد الانتهاكات ومناهضتها. وساعد هذا النشاط على تعزيز ارتباط الحزب بقضايا المجتمع واحتياجاته اليومية، مستفيدًا من قدرة المرأة على الوصول إلى الأسر والفئات الاجتماعية المختلفة.
حضور فكري وإعلامي
كما أسهمت الكاتبات والإعلاميات الإصلاحيات في صياغة خطاب سياسي وفكري يدافع عن الحقوق والحريات والثوابت الإسلامية والوطنية. كما شاركن في تطوير الحضور الإعلامي للحزب عبر المنصات الصحفية والحزبية وشبكات التواصل الاجتماعي، ونقل الوقائع ومواجهة الخطاب التضليلي.
وفي هذا السياق، تقول الأستاذة (سارة الجابري)، مسؤولة الإعلام في دائرة المرأة في حضرموت الساحل، إن ذكرى تأسيس التجمع اليمني للإصلاح تأتي هذا العام في ظل مرحلة استثنائية تمر بها البلاد، وهو ما يمنح المناسبة أهمية في استحضار مسيرة المرأة الإصلاحية، وتقييم دورها في العمل السياسي والمجتمعي والوطني، واستشراف مسؤولياتها خلال المرحلة المقبلة.
وتضيف أن المرأة حضرت، منذ تأسيس الإصلاح، في ميادين العمل التنظيمي والسياسي والمجتمعي، وأسهمت في الأنشطة التربوية والحقوقية والإنسانية. وامتد نشاطها إلى مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني والمجالين التعليمي والإعلامي، بما يؤكد موقع المرأة اليمنية شريكًا أصيلًا في الحياة العامة.
وترى (الجابري) أن ذكرى التأسيس تمثل فرصة لتقييم التجربة وتجديد الدور والمسؤولية والعمل من أجل مستقبل تشارك فيه المرأة بفاعلية في صناعة القرار.
من جانبها، تقول الأستاذة عايدة خميس- إعلامية المرأة في إصلاح عمران، إن المرأة الإصلاحية تمثل ركيزة مهمة في المشهدين الإعلامي والفكري، وتسهم من خلال أدوارها إعلامية وكاتبة وناشطة في تشكيل الخطاب السياسي وتوجيه الرأي العام نحو القضايا الوطنية.
وتشير إلى أن التحولات الرقمية وسعت حضور المرأة الإصلاحية، وساعدتها على الانتقال من وسائل الإعلام التقليدية إلى المنصات الرقمية، ما عزز قدرتها على الوصول إلى جمهور أوسع والتعبير عن قضايا المجتمع وتطلعاته.
تحديات وصمود
واجهت القيادات والناشطات النسويات تحديات معقدة فرضتها الحرب والانقلاب وتقييد الحريات. ودفعت بعضهن أثمانًا باهظة نتيجة نشاطهن السياسي والحقوقي، شملت مقتل ناشطات وتعرض أخريات للاعتقال والملاحقة والتهديد.
وعلى الرغم من تلك الظروف، حافظت المرأة الإصلاحية على حضورها في العمل الميداني والحقوقي والإنساني، وأظهرت قدرة على التكيف مع التحولات الأمنية والسياسية ومواصلة النشاط في بيئات شديدة الخطورة.
آفاق المشاركة
تتطلع القيادات النسوية في الإصلاح إلى استعادة الحياة السياسية وممارسة العمل الحزبي في ظل دولة دستورية آمنة ومستقرة. وتتركز الرؤية الحالية على الإعداد المستمر لجيل جديد من القيادات النسوية، وتعزيز البناء المؤسسي، ونقل الخبرات المتراكمة، وتطوير أدوات العمل السياسي والإعلامي والحقوقي.
وتكشف مسيرة المرأة في التجمع اليمني للإصلاح عن تطور تدريجي انتقل بها من المشاركة في الاقتراع والعمل الاجتماعي إلى تولي مسؤوليات تنظيمية وسياسية وحقوقية.
ويظل توسيع مشاركتها في الهيئات القيادية ومواقع صنع القرار معيارًا أساسيًا لقياس قدرة الحزب على تحويل خبرتها المتراكمة إلى شراكة سياسية مؤسسية في بناء الدولة واستعادة مؤسساتها.
أخبار ذات صلة.