قدّمت الباحثة الجسورة ندوى الدوسري أمام الكونغرس الأمريكي شهادة قوية حول خطر مليشيا الحوثي المدعومة من إيران، وقصور الاستجابة الدولية، وضرورة دعم الحكومة اليمنية وتقوية مؤسسات الدولة.
وأعادت الدوسري الجغرافيا إلى قلب النقاش، موضحة أن سيطرة الحوثيين على الأرض تمنحهم الموارد والموانئ وطرق التهريب والقدرة على مواصلة الحرب. كما قدمت تحليلًا عسكريًا مهمًا حول مساعدة القوات اليمنية على استعادة الأراضي، واحتواء خطر الحوثيين، وتحويل الضغط الميداني إلى مسار سياسي جاد.
وتكشف الشهادة تحولًا في البيئة الدولية. فقد أجبرت هجمات البحر الأحمر وتهديد الملاحة العالم على التعامل بجدية أكبر مع قدرات الحوثيين وشبكات تسليحهم وتمويلهم. كما وثقت وزارة الخزانة الأمريكية شبكات مالية أدارت ملايين الدولارات لصالح الحوثيين، وكانت لبعض الجهات المرتبطة بها معاملات متصلة بحزب الله اللبناني (وزارة الخزانة الأمريكية، 2023).
لكن لماذا احتاج العالم إلى تهديد مصالحه حتى ينتبه إلى ما يعيشه اليمنيون منذ سنوات؟
قبل استهداف السفن، كان اليمنيون يواجهون حصار تعز والقنص وتفجير المنازل والألغام واختطاف النساء وتجنيد الأطفال وأدلجة التعليم ونهب المساعدات. كما استولى الحوثيون على إيرادات مخصصة للرواتب، وقدّر فريق خبراء مجلس الأمن ما حُوّل منها في عام 2019 بنحو 1.8 مليار دولار (فريق الخبراء، 2021).
لم تكن الحقائق غائبة؛ بل حجبتها سردية مضللة حددت ما يستحق الاهتمام، ومن يستحق التضامن، ومن يُمنح حق الحديث عن اليمن.
- الكونغرس يفتح ملف الحوثيين من البحر إلى البر: إجماع على تفكيك منظومة الجماعة وتأكيد على دعم “الشرعية اليمنية”
- إعادة اكتشاف القيمة الاستراتيجية.. كيف تحاول الحكومة تثبيت اليمن داخل منظومة الردع الخليجي؟
سردية للضغط والنفوذ
لم يكن التركيز المفرط على السعودية نابعًا دائمًا من الحرص الحقوقي وحده. فقد وجدت بعض الجهات في إبقاء المملكة في مركز الاتهام فرصة للضغط عليها، وتعزيز نفوذها، واحتكار الحديث عن اليمن أمام صانعي القرار من قبل المراكز البحثية وغيرهم.
كان توثيق الانتهاكات وحماية المدنيين ضروريًا. لكن الخلل ظهر في انتقائية التغطية والتضامن. فقد برزت حملات مثل #YemenCantWait بقوة في سياقات مرتبطة بعمليات التحالف، من دون أن تُظهر الزخم نفسه تجاه الانتهاكات الحوثية.
وهكذا تحولت معاناة اليمنيين، لدى بعض الفاعلين، إلى أداة للمساومة، بينما حظيت الانتهاكات التي لم تخدم السردية بالتغاضي.
تطبيع المليشيا بالمصطلحات
لم يكن تغيير المصطلحات محايدًا؛ فقد ساهم في تخفيف الانتهاكات وتطبيع واقع فرضته المليشيا بالقوة.
تحول حصار تعز إلى حديث عن «فتح الطرق»، رغم أنه مثّل كارثة إنسانية وعقابًا جماعيًا للسكان. ووثقت منظمات حقوقية استمرار الحوثيين في إغلاق الطرق وحرمان أجزاء من المدينة من المياه (هيومن رايتس ووتش، 2024).
كما شاع اسم «أنصار الله»، وتكرر وصف الحوثيين بأنهم «سلطة أمر واقع»، من دون توضيح كيفية استيلائهم على العاصمة ومؤسسات الدولة.
وعندما يتحول الحصار إلى «طرق مغلقة»، ونهب المساعدات إلى «تدخل في التوزيع»، والاستيلاء على إيرادات الرواتب إلى «خلاف اقتصادي»، والاختطاف إلى «احتجاز»، تختفي طبيعة الانتهاك وتتراجع المسؤولية عنه.
تغييب الصوت المحلي
حاول عدد محدود من المدافعات والمدافعين اليمنيين، وكنت من بينهم، تقديم قراءة تنطلق من حقوق اليمنيين وجذور الحرب، وكانت الأستاذة ندوى الدوسري في مقدمة هذه الأصوات.
ونُقلت هذه الرسائل إلى لجان الكونغرس ومجلس الأمن ومجلس حقوق الإنسان. لكن المجتمع الدولي اعتمد غالبًا على الأمم المتحدة والمنظمات الدولية ومراكز الأبحاث أكثر من استماعه إلى الأصوات المحلية التي عاشت الانتهاكات ووثقتها.
كما تعرضت أصوات يمنية للتهميش والتشكيك عندما لم تنسجم مع الأجندات الجاهزة. وصُورت المطالبة باستعادة الدولة والمساءلة أحيانًا وكأنها رفض للسلام.
لذلك كان إيصال الحقيقة أقرب إلى الحفر على الصخر: جهدًا تراكميًا لفتح مساحة للرواية اليمنية وسط خطاب دولي شديد الاستقطاب.
أضرار السردية المضللة
ضرر هذه السردية لم يكن إعلاميًا فقط. فقد ساهمت في تعاظم قوة الحوثيين، ومنحتهم الوقت لتعزيز سيطرتهم وقدراتهم وشبكات تمويلهم وتجنيدهم، ورسخت لديهم الاعتقاد بأن ما يُفرض بالسلاح يمكن أن يتحول مع الوقت إلى اعتراف سياسي.
وأضعفت السردية ثقة كثير من اليمنيين في الأمم المتحدة وفي صدقية الخطاب الدولي حول حقوق الإنسان.
اليوم، لم يعد من الممكن النظر إلى الحوثيين باعتبارهم مشكلة محلية يمكن احتواؤها بالمفاوضات وحدها.
لكن اليمنيين عرفوا الخطر قبل العالم.
ولعلي أرى اليوم تحولًا جذريًا يمكن أن يكون في صالح اليمنيين واليمنيات؛ تحولًا يعيد النظر في السرديات المضللة، ويمنح الصوت المحلي مساحته، ويضع حقيقة ما يعيشه الناس في قلب أي سياسة مقبلة تجاه اليمن.
المصدر: صفحة الكاتبة في منصة أكس
The post اليمنيون عرفوا الخطر أولًا: لماذا تأخر العالم في فهم الحوثيين؟ appeared first on يمن مونيتور.